منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تاج الأصحاء في زمن الوباء

0

السكينة غاية مبتغى المرء في دنياه ،إذ لا راحة لصاحب المال و لا الصحة و لا السلطان إلا بالسكينة و الاطمئنان ، فهي ينبوع السعادة ومناط ارتياح الأبدان ،فإذا اطمأن القلب و سكنت الجوارح استقام الرأي ،وينطق اللسان بالحكمة التي تخاطب العقل بالبرهان و تحرك سواكن الوجدان ، فصاحب السكينة لا ينخدع ولا يغتر بظواهر الأشياء عن حقائقها ، فهي نورٌ يقذفه الله في القلب , يرى به الحقَ على حقيقته والباطلَ على بطلانه ، إنها الجمال في المظهر و الجلال في المخبر ، و مع توالي الأحداث و اختلاط الألوان و تشوه الأفكار والتيه بين وسائل الإعلام وضياع مفهوم القيم بين الصحة والبطلان ،مما يجعل الحليم حيرانا فما السبيل إلى السكينة و الاطمئنان و الثبات في الميدان ؟
فصل المقال أن السكينة فضل من الله يوتيه من يشاء ، فهي من منازل المواهب ، لا من تجارب المكاسب فقد وجدها إبراهيم عليه السلام في النار بردا وسلاما ،ووجدها يوسف في غياهب الجب و ظلمة السجون نورا و أمانا ، ووجدها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في أحلك الظروف يوم معركة الأحزاب و قبلها في أحداث الهجرة هو وصاحبه في الغار معية و تحصينا، و وجدها يونس في ظلمات بطن الحوت فلاذ إلى ربه مستغفرا ومسبحا فنجاه ، ووجدها موسى وهو في اليم رضيعا عاجزا وأمام سحرة فرعون وهو وحيدا مترددا ، ووجدها غلام أصحاب الأخدود يوم نصب نفسه مخلصا للناس من ظلم الحاكم ……
وهكذا تحول السكينة العبد من ضعيف عاجز بنفسه إلى قوي مطمئن بربه ،و القرآن الكريم حافل بالآيات الدالة على نعمة السكينة و سبيل اغترافها ، وقد ذكرها الله سبحانه في كتابه في ستة مواضع منها :
قوله تعالى : ( ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) التوبة/26.
وقوله تعالى : ( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا) التوبة/40.
وقوله تعالى : ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) الفتح/26.
و العالم اليوم أحوج إلى سكينة تبعث فيه الأمل ، و تزيل عنه الخوف و اليأس و الهلع ، و أقرب الطرق و أبسط السبل والناس في بيوتهم كرها ،ومساجدهم مغلقة حكما ،من جراء الحجر الصحي ، هو التصالح مع الفطرة و تنظيم وجبات تغذيتها بحقيقة العبودية لخالقها فتعلن بالحال والمقال ، عجزها ليمدها من قدرته ، و ضعفها ليمدها من قوته ، وفقرها ليعطيها من فضله ، ورضاها بقضائه ليرضى عنها بأمانه ، و صبرها على بلائه ليصطفيها على خلقه ، و شكرها على نعمه ليزيدها من عطائه ، و إقبالها على ذكره لينزل عليها سكينة منه و ينجيها من بلائه .(فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ) صدق الله العظيم
السكينة والوقار في انسجام بين القلب والجوارح يتوق من خلاله إلى طلب الخلاص الجماعي و نبذ الأنانية الفردية ، ويؤكد سلطان القلب على الحواس الرعية، فهو حامي الحمى و مدخل العطية و البلية ، و المسؤولية تقتضي بعد النظر، و دقة المقصد، و قسط القسمة ، و حكامة التدبير . و تصالح العقل مع النقل . دعونا نفصح أن الأمة الإسلامية اليوم تمتحن في عقيدتها وإرثها و خيريتها و رسالتها السماوية لتكون ملاذا آمنا للإنسانية العاجزة أمام مخلوق لا تكاد تراه ، فهل ستستطيع الأمة اليوم أن تفهم الدرس و تستثمر الفرصة الممنوحة لتخرج للإنسانية بما يخلصها مما يجثم على أنفاسها في مستقبل الأيام من ضنك العيش وخواء الروح، وما تستوعب به علم العالم المعتمد على العقل و استفراغ الجهد في البحث و التحليل ،و الأخذ بالأسباب في عالم المادة . و حقيقة العابد المتبتل المناجي لربه الموقن في جلال سلطانه و عظمة قدرته و رحمته بعباده ، ليجتمع شمل مستقبل الإنسان و تكتمل أركان العمران .
يتجلى اليوم في كل الوقائع والأحداث آيات للإنسان أن زمن العلمنة قد ولى وفات، و أنه ملزم أن يسمع لصدع فطرته طوعا أو كرها .
غدا سيلتقي الفكر مع الذكر ،و تعانق حكمة العقل رشاد النقل ،و يبسط العدل الطريق للإنسان ليرتقي في مدارج الإحسان ،غدا يتصالح السلطان مع القرآن فيسعد الإنسان وكل الناس يغدو فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.