منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المكتبة الكبيرة للحرم المكي

المكتبة الكبيرة للحرم المكي/ الأستاذ الدكتور سعيد حليم بن محمد حليم

0

المكتبة الكبيرة للحرم المكي

كتبه: الأستاذ الدكتور سعيد حليم بن محمد حليم

زرت هذه المكتبة في اليوم الرابع من إقامتي في مكة المكرمة. وقد تمت الزيارة رفقة الأستاذ القاضي عبد العزيز، وهو رئيس إحدى المحاكم الموجودة بمكة.
المكتبة الكبيرة للحرم المكي، توجد بعيدة عن المسجد الحرام، وهي مكونة من أكثر من عشرة طوابق، لكن العشر الأولى، هي المخصصة للكتب.

عند المدخل من جهة اليسار؛ هناك مكتب يجلس فيه موظف وحارس أمن، خاص بتسجيل اسم الزائر، وصفته في دفتر، مع بيان سبب الزيارة. هل هي زيارة من أجل البحث العلمي، أو هي زيارة للاطلاع فقط على ما في المكتبة من كتب.

بعد المدخل يوجد بهو، وضعت فيه الوسائل القديمة التي كانت تستعمل في غسل الكعبة، وكذا الوسائل التي كانت توظف لحمل من لا يستطيع المشي أثناء الطواف، أو السعي بين الصفا والمروة، وغير ذلك من المناسك. وهي وسائل رتبت حسب التسلسل الزمني، إلى الوقت الراهن؛ حتى يطلع الزائر على التطور الذي وقع في هذه الوسائل.

وقد أخذت صورا لهذا الوسائل سأثبتها في الكتاب الذي أنا الآن في طور كتابته.

بعد ذلك انتقلنا إلى الطابق؛ الذي يوجد به مدير المكتبة الأستاذ أيمن السهلي، الرجل البشوش الودود، الذي استقبلنا بحفاوة كبيرة.
كان الأستاذ القاضي عبد العزيز، قد اتصل مسبقا مع السيد المدير، ورتب معه أمر توقيت الزيارة.
بدأنا جولتنا من الطابق الذي يحتوي على المخطوطات. مخطوطات بالآلاف؛ سواء المخطوطات الأصلية، أو المخطوطات المصورة، أو المخطوطات المودعة في ميكروفيلم.
تحتوي المكتبة حسب ما أفادنا السيد المدير؛ على(8000)ثمانية آلاف مخطوطا أصليا، و(2800) مخطوطا مصورا، وخمسة آلاف مخطوطا في ميكروفيلم.
بدأ السيد المدير رفقة بعض المو ظفين، في تقديم شروح متعلقة بالوسائل المتوفرة في المكتبة؛ للمحافظة على المخطوطات قي حالة جيدة؛ سواء الوسائل الخاصة بضبط حرارة القاعات، أو الوسائل الخاصة بالنظافة، وشفط الغبار.
في البداية وقفنا على مخطوطات بحجم كبير للقرآن الكريم. مصاحف قد كتبت قبل قرون بدون نقط، ولا شكل. ما زالت في حالة جيدة؛ بسبب العناية التي تحاط بها هذه الكنوز الثمينة.

ثم جبنا بعد ذلك باقي أطراف الطابق؛ ووقفنا على مخطوطات في التفسير، والحديث، والفقه، والأصول، والتاريخ، والطب، والفيزياء، والكيمياء، وغير ذلك من الفنون والعلوم. وكان من بركة هذه الزيارة؛ الظفر في وقت لاحق بقهرس مخطوطات هذه المكتبة، في اثني عشر جزءا من الحجم الكبير.

تابعنا بعد ذلك التجوال في باقي الطوابق، وخصوصا الطابق المتعلق بالعلوم الشرعية. وقد بدأت بالنظر في كتب علوم الحديث.

من الكتب التي اطلعت عليها بشكل سريع:

١- إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للعلامة علاء الدين مغلطاي(ت772ه) في اثني عشر جزءا.
٢-الأبواب والتراجم لصحيح البخاري، للعلامة محمد زكريا ابن يحيى الكاندهلوي:(ت1402ه).
٣- منحة الباري شرح صحيح البخاري، لشيخ الأسلام أبي يحيى زكريا الأنصاري، في عشرة أجزاء
٤- شرح صحيح الإمام البخاري، للشيخ زروق الفاسي:(ت899ه)، في عشرة أجزاء.
٥- زوائد تاريخ بغداد على الكتب الستة، للدكتور خلدون الأحدب، في عشرة أجزاء.
٦- البحر الزخار، المعروف بمسند البزار: لأبي بكر أحمد بن عمر(ت292ه)، في خمسة عشر جزءا.
٧- تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ المزي، بتحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، في خمسة وثلاثين جزءا.
٨- فتح السلام شرح عمدة الأحكام، للحافظ ابن حجر العسقلاني، في سبعة أحزاء.
٩-مسند الحارث بن محمد بن أبي أسامة(ت282ه)، في خمسة أجزاء.
١٠- التكميل في الجرح والتعديل ومعرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل، للحافظ ابن كثير(ت774ه)، في أربعة أجزاء. هذا الكتاب؛ لم أطلع عليه من قبل. فهذه أول مرة أمسك هذا الكتاب بيدي.

تابعنا التجوال من طابق إلى طابق رفقة السيد المدير، وبعض الموظفين. وقد كانت تقدم لنا شروح من حين إلى إخر، كلما انتقلنا من طابق إلى طابق، أو من جناح إلى جناح.

الذي كان يهمني في هذه الزيارة بالأساس؛ الاطلاع على كتب علوم الحديث، ثم في المرتبة الثانية، الجديد في باقي العلوم الشرعية.

الأستاذ القاضي عبد العزيز، اختار البحث في كتب السياسة الشرعية، خاصة افكتب التي تتحدث عن القضاء، أو التي لها علاقة بموضوع أطروحته.

اتفقنا مع السيد المدير، أنني سأرجع في اليوم الموالي صباحا؛ حتى آخذ الوقت الكافي في البحث والتقصي.

ودعنا السيد مدير المكتبة، الذي رافقنا إلى الطابق الأرضي من خلال الركوب في المصعد.

بعد ذلك رافقني الأستاذ القاضي إلى الفندق الذي أقطن فيه، وانصرف مشكورا. فقد أسدى إلي هذا الرجل معروفا عظيما؛ وذلك بتسهيل زيارة المكتبة. ولولاه لما تمكنت من معرفة موقع المكتبة، ولا تيسر لي زيارتها.

من الأمور التي لاحظتها في هذه الزيارة التي كانت في آخر المساء:

أولا: حسن الاستقبال، وتقديم العون التام في الوصول إلى كل ما طلبناه من مخطوطات، أو كتب؛
ثانيا: البناية التي تقع فيها المكتبة، بناية جديدة. وقد مرت هذه المكتبة من مراحل متعددة، قبل أن تصل إلى هذا الموقع الذي توجد به. فقد كانت المكتبة في وقت سابق موزعة على بنايات متفرقة، فجمعت الآن في مقر واحد.
ثالثا: التنظيم الجيد للكتب حسب العلوم، وتوفر المكتبة على نسخ متعددة من كل كتاب في الغالب.
رابعا: يستطيع الباحث أن يلج مباشرة إلى رفوف المكتبة، ويأخذ ما يريد، دون أن يطالب بردها إلى مكانها؛ لأن ذلك من وظيفة الموظفين المشتغلين بالمكتبة. وقد سبق أن نوهت بإيجابيات هذه الطريقة بالنسبة للباحثين.

خامسا: الهدوء التام في المكتبة. فيمكن أن تشتغل هنا لساعات متواصلة، بدون أن تسمع همسا.
سادسا: قاعة المطالعة فيها نوعان:

النوع الأول: طاولة كبيرة، يمكن أن يجلس فيها باحثون متعددة.
النوع الثاني: مكتب خاص بالباحث الواحد، وهناك حاجز خشبي عن يمينه، وعن شماله. بحيث إذا جلس الباحث، لا يرى من بجانبه يمنة ويسرة. وهذا الوضع

يساعد على التركير، والخلوة العلمية التي يحتاجها الباحث.

سابعا: مما أثلج صدري، وأفرحني كثيرا؛ أن السيد المدير أثنى على الباحثين المغاربة، وشهد لهم بالتميز في البحث العلمي.

شكرا جزيلا للسيد مدير المكتبة؛ الذي أكرمنا بفتح طابق المخطوطات؛ الذي لا يشتغل مساء؛ عندما علم أنني باحث من المغرب، جئت للاطلاع على بعض المخطوطات التي تزخر بها مكتبة الحرم المكي.

كان أول ما سألت عنه السيد المدير، هل يوجد بالمكتبة: تفسير بقي بن مخلد الأندلسي، ومسنده. فأنا أبحث عنهما منذ أكثر من ثلاثين سنة بدون جدوى. وقد بحثت عن الكتابين في الكثير من مكتبات أوروبا، ومكتبات تركيا، لكن دائما أرجع صفر اليدين.

دائما أتساءل كيف ضاع هذان الكتابان الكبيران؟؟؟؟!!!! .

ذكر الإمام ابن حزم؛ أن تفسير بقي بن مخلد، أكبر من تفسير ابن جرير الطبري، وأن مسنده أكبر من مسند الإمام أحمد!!!!!

أين ذهب هذان الكتابان؟؟؟؟ لطالما حدثنا عنهما شيخنا نوري معمر رحمة الله عليه، وشيخنا الدكتور محمد الراوندي رحمة الله عليه وأسكنه فسيح جناته؛ عندما كنا طلبة بدار الحديث الحسنية بالرباط أوائل التسعينات من القرن العشرين. فضل الدكتور محمد الراوندي على طلبة دار الحديث الحسنية، تخصص علوم الحديث؛ يعترف القاصي والداني.

هذا الرجل يعيش معي دائما في ذاكرتي، وفي قلبي. وكلما أمسكت كتابا في علوم الحديث، إلا ونثني عليه ثناء جميلا؛ لأنه هو الذي حبب إلي علوم الحديث، وهو الذي فتح أمامي أبواب العلم.
عودة من المغرب، إلى مكة المكرمة؛ حيث الخير والبركة.

إلى اللقاء مع الحلقة القادمة، في مكتبة الحرم المكي، مع مزيد من التفصيلات.
والحمد الله رب العالمين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.