منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أمانة التبليغ؛ الخطبة (10): “ملحمة العصر وكرامة النصر”

الدكتور أحمد الزقاقي

0

أمانة التبليغ؛ الخطبة (10): “ملحمة العصر وكرامة النصر”

الدكتور أحمد الزقاقي

الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، سيدنا محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهديه، الحمد لله وما النصر إلا من عنده ﴿ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِیزٌ حَكِیمٌ﴾، ينصر عباده المتقين، الصالحين المصلحين، الصابرين المحتسبين، الذاكرين الشاكرين ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَیۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾، كتب النصر للمظلومين على الظالمين، للمستضعفين على المستكبرين ﴿وَنُرِیدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِینَ ٱسۡتُضۡعِفُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَىِٕمَّةࣰ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَ ا⁠رِثِینَ ۝٥ وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ ﴾، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” اتَّقوا دعوةَ المظلومِ فإنَّها تُحملُ على الغمامِ يقولُ اللهُ وعزَّتي وجلالي لأنصُرنَّك ولو بعد حينٍ”

أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات

من سمات هذا الدين، ومن علامات عظمته صفة الواقعية التي يتحلى بها، فلم يتنزل الإسلام على ملائكة لا يعصون ولا يذنبون، وإنما تنزل على بشر يخطؤون ويصيبون، كتب الله لهم الحياة والعيش على هذه الأرض ليتعارفوا ويتعاونوا ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَـٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤىِٕلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ﴾، وأنزل إليهم أنبياء ورسلا مثلوا قدوات بشرية تدعو إلى عبادة الله وتوحيده وتمجيده، وإلى الخير والحق والعدل والسلم والحلم وكل مكارم الأخلاق، وتنهاهم عن الشرك والشك والنفاق وسوء الأخلاق والظلم والطغيان والاعتداء والكراهية والحقد والبغضاء والشحناء، ورسم لهم قوانين وسنن كونية تنظم علاقات الناس فيما بينهم، وعلاقاتهم مع الكون والطبيعة، ثم أرسلهم في الدنيا أحرارا يختارون ما يشاؤون من المذاهب والمسلكيات، والآراء والأفكار، شرط أن يضعوا كل ذلك في موازين الإيمان والقسط والرحمة والعدل، وإذا ما نشبت الخلافات والنزاعات دعاهم إلى حلها بالتي هي أحسن، فإن تعذر ذلك أجاز لهم اللجوء إلى قوة الحق ليرجع كل واحد، وكل جماعة بشرية إلى رشدها لتستأنف الحياة من غير مُنغِّصات ولا مُكدِّرات، وبذلك رسم الإسلام بوصفه خاتم الرسالات، ومن ورائه الحكمة البشرية قوانين وأخلاقا للسلم والحرب، تتحرى العدل في الحب والبغض ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّ امِینَ لِلَّهِ شُهَدَاۤءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا یَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰۤ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟ۚ ٱعۡدِلُوا۟ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾،

عباد الله

إن المسلمين بمقتضى الأمر الإلهي والتوجيه النبوي هم القَيِّمون على روح العالم أن حتى لا تمسخ فيه الفطرة، ويُظلِم العقل وتندرس مفاهيم الحق والعدل شرط أن يحققوا ذلك في أنفسهم ومجتمعاتهم قبل غيرهم، ﴿وَكَذَ ا⁠لِكَ جَعَلۡنَـٰكُمۡ أُمَّةࣰ وَسَطࣰا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَیَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَیۡكُمۡ شَهِیدࣰاۗ ﴾وهكذا تناوبت على العالم دورات السلم والحرب، والخير والشر، تجسدت في أفراد أو جماعات، في أحلاف أو تكتلات، وتدحرجت إلى أن تجسدت اليوم في كيان الشر المطلق الذي تمثله “إس*ررررائيل” التي أقامها الاستكبار والمستكبرون إرصادا لمن حارب الله ورسوله، ولمن يكره مفاهيم الخير والحق والجمال وتقوى الله وعبادته، فاحتلوا أرض فل*س*طين المباركة، وأوسعوا أهلها تنكيلا وتشريدا وتهجيرا وتعذيبا وقتلا، يُمِدُّهم حلفاؤهم من مطموسي البصر والبصيرة، وهاهم اليوم مستمرون في إجرامهم بإبادة أهل غ*ز*ة، واطلع العالم على وحشيتهم بالصوت والصورة، وكتب المجاهدون المقاومون صفحات بيضاء ناصعة في تاريخ البطولة والصمود والصبر والتحمل فأفشلوا مخططات العدو ، ولم يُمكِّنوه من تحقيق أهدافه اللعينة، في ميدان المعركة، وفي ميدان التفاوض، إنه نصر إلهي مبين، ومعجزة باهرة أن تواجه جماعة صغيرة أعتى قوة عسكرية في العالم يدعمها الغرب المنافق ويمدها بالأموال والبنين والأسلحة والعتاد والأخبار والمخابرات، وجلى ذلك النصر وجمَّله ظهور رجال الله مجلَّلين برداء العظمة والعزة والثبات والحكمة في التخطيط والتدبير، إلا أنه سمعنا مِن بني جلدتنا مَن يقول لنا: عن أي نصر تتحدثون، ألم يقتل آلاف الأطفال والرجال والنساء، ألم يدمر القطاع تدميرا كليا فما عاد صالحا للحياة، ولهؤلاء نقول ما هو مفهوم النصر عندكم، وماهي الهزيمة، ولذلك فهم في الحقيقة من حيث لا يشعرون يريدون نصرا مطلقا لكيان الشر حتى يستريحوا من تشغيبات أصحاب “النصر الإلهي”، وحتى نتبين مفاهيم النصر والهزيمة نسوق ثلاث أمثلة لوقائع عرفها تاريخ المسلمين وغيرهم.

الأولى: غزوة أحد

كما تعلمون أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات أن الله تعالى أكرم المسلمين الأولين بنصر عظيم في معركة بدر الكبرى، تلك المعركة التي سماها الله تعالى “يوم الفرقان” لأنها فرقت بين الحق والباطل، بعد الظلم الكبير الذي تعرضوا له في مكة، إذ أخرجوا من ديارهم، وصودرت أموالهم فحُق لهم أن يدافعوا عن أنفسهم، ويردُّوا ظلم المعتدين قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِینَ یُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُوا۟ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِیرٌ،ٱلَّذِینَ أُخۡرِجُوا۟ مِن دِیَـٰرِهِم بِغَیۡرِ حَقٍّ إِلَّاۤ أَن یَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ﴾، وبعد انهزام قريش بدأت تستعد لمعركة الانتقام والهجوم على المدينة، واستعد المسلمون للحرب أيضا، وتشاوروا وتزودوا بنصائح وتوجيهات القائد الأعلى للجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنهم لما حمي وطيس المعركة وأوشكت على النهاية خالفوا تلك التوجيهات والنصائح فلحقت بهم الهزيمة، ونزلت آيات من القرآن الكريم تبين لهم الدروس التي يجب أن يستفيدوا منها، وقد أحسن ابن القيم رحمه الله تفصيلها وجمعها وترتيبها فذكر منها:

أولا : عرف الله سبحانه المسلمين سوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع، وأن الذي أصابهم إنما هو بشؤم ذلك، كما قال تعالى: ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم ﴾

ثانيا: بين لهم الله تعالى أن قانونه وسنته في رسله وأتباعهم جرت بأن تكون الغلبة لهم مرة و تكون عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة في الأخير .

ثالثا: أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإنهم لو انتصروا دائما دخل معهم المؤمنون والمنافقون، ولم يتميز الصادق من غيره، ولو تم النصر عليهم دائما لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، والمسلمون لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر، وذاع صيتهم دخل معهم في الإسلام ظاهرا من ليس معهم فيه باطنا، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبب لعباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق، فرفع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة، وتكلموا بما كانوا يكتمونه، قال الله تعالى: ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ﴾.

رابعا: استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السراء والضراء، وفيما يحبون وما يكرهون، وفي حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم، فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون فهم عبيده حقا، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية .

خامسا: أنه سبحانه هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه، كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليها .

سادسا: أن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغيانا وركونا إلى العاجلة، وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والدار الآخرة ، فإذا أراد بها ربها ومالكها وراحمها كرامته قيض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه

سابعا : أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه، والشهداء هم خواصه والمقربون من عباده، وليس بعد درجة الصديقية إلا الشهادة ، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من عباده شهداء تراق دماؤهم في محبته ومرضاته، ويؤثرون رضاه ومحابه على نفوسهم، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو .

ثامنا: أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم، ومبالغتهم في أذى أوليائه، ومحاربتهم وقتالهم والتسلط عليهم، فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم ، وقد ذكر سبحانه وتعالى ذلك في قوله: ﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ﴾ فطوبى لأهل الرباط في غ*ز*ة وعموم الأرض المباركة: فقتلى أطفالهم شهداء، وقتلى نسائهم شهداء، وقتلى شيوخهم شهداء، مواكب شهداء يُبوِّؤُها الله تعالى يوم لقائه أعلى المراتب في الجنة ، ويكرمهم برضوانه، ويحيي بهم الدين، ويجدد الإيمان، ويغرس اليقين.

وهكذا تحولت الهزيمة في أحد إلى نصر عظيم قوى صفوف المسلمين، وفهموا حقيقة الابتلاء، وما أبدع ما قاله الفاهم العارف ابن عطاء الله السكندري رحمه الله:”ربما أعطاك فمنعك، و ربما منعك فأعطاك، و متى فتح لك باب الفهم في المنع صار المنع عين العطاء. إنَّما يُؤلِمُكَ المَنْعُ لِعَدَمِ فَهْمِكَ عَنِ اللهِ فيهِ”

أما الواقعة الثانية يا عباد الله والتي ظهر فيها معنى النصر ومعنى الهزيمة فهي “صلح الحديبية”، وخلاصة الواقعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عزم في السنة السادسة للهجرة على الطواف بالبيت الحرام بعد أن حرمته قريش وحرمت المسلمين من ذلك سنين عددا، ودعا المسلمين إلى الاستعداد وسوق الهدي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى رؤيا تبشره بأنه سيطوف بالبيت الحرام محلقا أو مقصرا، ورؤيا الأنبياء وحي كما تعرفون، فلما علمت قريش بأمر خروج رسول الله عزمت على منعه من دخول مكة، وحرصا منه صلى الله عليه وسلم على حقن الدماء دخل معهم في مفاوضات أسفرت نتيجتها عن إقرار صلح بني على عدة شروط منها:

  1. لا حرب بين المسلمين وقريش لمدة عشر السنين .
  2. من جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمًا من قريش دون إذن وليه يرد إلى قريش، ومن لحق قريشا من المسلمين مرتدا عن دينه فلا يرد إلى المسلمين.
  3. لكل قبيلة الحرية في اختيار الحلف الذي تلتحق به، فدخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل بنو بكر في حلف قريش.
  4. في العام التالي يدخل المسلمون مكة معتمرين بغير سلاح إلا من بعض السيوف.

هذه الشروط رأى فيها بعض المسلمين شروطا مُذلة، وإذعانا لقريش، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم طمأنهم، وبين لهم حسن عاقبتها، إذ لما عم الأمن والسلام  دخل الناس في دين الله أفواجا، وأضعاف من كانوا قد دخلوا قبل ذلك، فالدعوات تُزهر في جو الحرية، وانتزع المسلمون من قريش الاعتراف بهم كدولة وكيان قائم، ولذلك سمى الله تعالى ذلك الصلح  بالنظر إلى مآلاته “فتحا”: ﴿لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡیَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ ءَامِنِینَ مُحَلِّقِینَ رُءُوسَكُمۡ وَمُقَصِّرِینَ لَا تَخَافُونَۖ فَعَلِمَ مَا لَمۡ تَعۡلَمُوا۟ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَ الِكَ فَتۡحࣰا قَرِیبًا﴾، والمستفاد هو أن المسلمين لم يرتموا في أحضان الكيان القرشي، وإنما فاوضوه وأرغموه على أن يسمح لهم بدخول مكة معتمرين في العام القابل، وبذلك عُبِّدت الطريق للفتح الأكبر ، والنصر الأعظم الأكمل، فتح مكة، وانتصار الدعوة والدولة، وسرت في العالم بركات الروح والرحمة والتجديد والعلم .

اللهم اجعل النصر حليفنا، واسلك بنا مسالك السعداء ، آمين والحمد لله رب العالمين

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، حمدًا لشُكرهِ أداءً ولحقّهِ قضاءً، ولِحُبهِ رجاءً، ولفضلهِ نماءً، ولثوابهِ عطاءً

أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات

الواقعة الثالثة التي تبين لنا حقيقة النصر، نأخذها من تاريخ الأمم، وتحديدا من تاريخ الأمة الروسية، ففي الحرب العالمية الثانية حاصر الجيش الأماني مدينة “لينينغراد” لما يقرب من ثلاث سنين حصارا شديدا كان الهدف منه استسلام القوات السوفياتية، وأسفر الحصار عن خسائر بشرية قدرت بنحو مليون شخص، بينهم 140 ألف طفل، قتلوا خلال 842 يوما من الحصار، بسبب القصف والجوع والمرض وانخفاض درجة حرارة الجسم،

وكان الهدف من القصف إبادة المدينة وإجبار المقاومة على الاستسلام، وهكذا بحلول 31 ديسمبر 1941 تم إسقاط 3295 قنبلة متفجرة و99 ألفا و717 قنبلة حارقة، إضافة إلى 30 ألفا و154 قذيفة مدفعية على المدينة، لكن عزيمة “المقاومة” أفشلت ذلك الحصار وحولته إلى انتصار كبير على النازية، وانتهى الأمر بهزيمة نكراء للقوات النازية رغم ملايين القتلى والجرحى والمشردين .

أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات

إن من النصر ما يكون آنيا ولحظيا، ومنه ما يكون متدرجا ومتأنيا، وبلغة العصر يكون نصرا استراتيجيا، ومن هذا الصنف انتصار أهل غ*ز*ة على الشرذمة الص*ه*يونية، وإن أدنى درجات هذا النصر، ببركة الطوفان هو القول بيقين لا يتزعزع: إن معركة التحرير الكبرى قد بدأت، سالكة طريقا لن يكونا مفروشا بالورود، فسلعة الله غالية وسلعة الله الجنة ورضوانه وإزاحة الظلم الص*ه*يوني الذي طال الشجر والحجر والبشرية جمعاء ﴿ويومئذ يفرح المومنون بنصر الله﴾، ..وللسير على هذا الطريق بثبات من غير التفات ولا التفاف يلزم استحضار معية الله سبحانه وتعالى والإخلاص له، لتكون أقدامنا راسخة في أرض العبادة أسوة بأهلنا في غ*ز*ة وأرض الرباط، إذ التصقوا بالقرآن ، وحِلق العلم، وصحبة الصالحين، مع إعداد العدة المادية والنبوغ في العلوم الدقيقة  ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾، ولزوم الحيطة والحذر بفقه شبكة العلاقات الدولية المعقدة، وترتيب الأولويات، وفقه المآلات، والموازنة بين المصالح والمفاسد ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾،  والابتعاد عن خطابات التهويل والتهوين ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله كأنهم بنيان مرصوص﴾،

عباد الله إنها جولات ممتدة من الصراع بين الحق والباطل، فطوبى لمن جعله الله مفتاحا للخير، مغلاقا للشر، يوالي الأخيار، ويعادي الأشرار، حيثما كانوا وحلوا ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡكَـٰفِرِینَ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَۚ أَتُرِیدُونَ أَن تَجۡعَلُوا۟ لِلَّهِ عَلَیۡكُمۡ سُلۡطَـٰنࣰا مُّبِینًا﴾، دون أن يعني ذلك أن ندخل في صدام دائم مع العالم، وإنما الغرض دفع الظلم ورد العدوان والانتصار للمستضعفين ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما في النّاسِ خَطِيبًا فقالَ: أيُّها النّاسُ، لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العافِيَةَ، فَإِذا لَقِيتُمُوهُمْ فاصْبِرُوا، واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ”، وقبل ذلك وأثناءه وبعده، ثمة جبهة صراع داخلي من لم ينتصر فيها فلا مطمع له في الانتصار على العدو الخارجي، أي أسبقية الانتصار على النفس ومجاهدتها لتستقيم على أمر الله، وكثيرا ما نهزم عندما نواجه أنفسنا لأننا صرنا عبيدا لأهوائنا وأسرى لشهواتنا، والنصر مرهون بتحررنا ومجاهدتنا ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾، وقال ابن المبارك رحمه الله تعليقا على  قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن النصر مع الصبر” : يشمل النصر في الجهادين: جهاد العدو الظاهر وجهاد العدو الباطن. فمن صبر فيهما نُصر وظفر بعدوه، ومن لم يصبر فيهما وجزع قُهر وصار أسيرا لعدوه أو قتيلا له”.

فاللهم انصرنا على أنفسنا وانصرنا على أعدائنا، وارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر، وكن لعبادك المستضعفين وليا ونصيرا ومعينا وظهيرا، واحفظ أهلنا في فلسطين عدوهم وعدوك وعدو الناس أجمعين من الصهاينة ومن والاهم أو ساندهم، وندعوك بدعاء عبدك الصالح، الشهيد السعيد: اللهم اكسر بنا شوكتهم ، اللهم نكِّس بنا رايتهم، اللهم أذِّل بنا قادتهم، اللهم حطم بنا هيبتهم،اللهم أزل بنا دولتهم،اللهم انفذ بنا قدرك فيهم، بالزوال والتدمير والتتبير يارب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.