نهاية السنوار: كرامة واستنفار
د.نادرة هاشم حامدة؛ غزة / فلسطين
نهاية السنوار: كرامة واستنفار
بقلم: د.نادرة هاشم حامدة
غزة / فلسطين
لقد أصدر موقع معهد مسغاف للأمن القومي للدراسات الاستراتيجية الصهيونية، تقريرا عن ضباط في الجيش الصهيوني، يوصون به كافة المؤثرين من إعلاميين، وصحفيين، وإذاعيين، وناشطين، بضرورة اغتيال السنوار معنويا، قبل اغتياله ماديا، ليتم تحطيم صورة المقاومة، التي ارتبطت بالسنوار في الأذهان الفلسطينية والعربية.
وهذا هو دأب العدو الصهيوني، اتجاه القيادات الفلسطينية الحرة الشريفة، التي لا يقدر أن يشتريها، فيعمل على تشويهها في وجدان الشعب، لتنعدم رمزيتها، في الوعي والذاكرة، ويلتفت عنها الجماهير، بدلا من أن تلتف حولها، و تدعمها.
وهذا ما حاول المحتل النازي فعله، طيلة أيام الحرب مع الشهيد القائد يحيى السنوار رحمه الله، إذ حاول اغتياله معنويا، وتحطيم صورته في وعي وإدراك الحاضنة الشعبية الكبيرة التي تحققت له، في وجدان الشعوب الحرة من الأمة العربية والإسلامية، والعالم بأسره.
فقد مثلت المقاومة الفلسطينية الأسطورية الأبية في غزة، أمل الأمة المنشود في طريق العزة والمجد، و صنعت هذه المقاومة في نفوس الأحرار طوفانأ على عبودية بلدانهم، للنظام العالمي الذي تقوده قوى الشر والطغيان، ويهيمن عليه اللوبي الصهيوني، مخضعا بلدانهم لمصالحه وأهوائه.
لقد أشعلت المقاومة الفلسطينية في الشعوب الحرة في العالم بأسره حماسا وانتماءا نحوها، وايمانا بعدالة قضيتها، يتقدمها في ذلك كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حmاس، التي أصبح يحيى السنوار رئيس مكتبها السياسي، بعد اغتيال الشهيد اسماعيل هنية رحمه الله، مما جعله يحظى لدى الشعوب الحرة برمزية أكبر من ذي قبل.
أخذ الكيان الصهيوني يبث الأكاذيب الملفقة حول السنوار ليحقق الهدف في اغتياله معنويا، فقال عنه : إنه هرب الى مصر، عبر أنفاق حدودية، ثم قال بعدها : إنه وصل الى قطر، تاركا غزة تلاقي مصيرها المحتوم، يريد بهذا مسحه من وعي الحاضنة الشعبية، وخاصة في غزة، فيصنع شرخا بين المقاومة والشعب.
كانت إدارة المعركة على أرض غزة، تؤكد أن السنوار يمارس عمله في المكان، وأنه ليس بعيدا عن ارض المعركة كما يدعي هذا الاحتلال الكاذب، فغير الاحتلال روايته إلى أن السنوار يختبئ في أنفاق عميقة، محصنة تحت الأرض، وأنه محاط بالأسرى الصهاينة حوله، يحمي بهم نفسه.
كان الكيان يغطي بهذه الأكاذيب أيضا، على فشله الذريع في تحديد مكان السنوار، حتى يلقي عليه آلاف الأطنان من القنابل الحارقة التي تخترق التحصينات تحت الأرض، تماما كما فعل في اغتيال القائد اللبناني حسن نصر الله، ومن بعده نائبه هاشم صفي الدين رحمهما الله، في ضاحية بيروت قبل أيام.
فقد فشل الجيش النازي على مدار سنة كاملة بعد السابع من اكتوبر، في تحديد مكان السنوار في غزة، غزة البقعة الصغيرة على الأرض، رغم أن طيرانه التجسسي لا يغادر سماءها، إذ يرصد فيها كل شيء يتحرك على الارض، لقد فشل وفشل الجميع معه، بالرغم من مساعدة القوى الغربية الاستخبراتية له، بأحدث تكنولوجيا التجسس الامريكية والبريطانية .
لقد استشهد السنوار، لتتجلى حقيقته ساطعة كما أشعة الشمس في ظهيرة تموز، ليس في شدة ضوئها أو لهيب حرارتها أي شك، لتبقى هذه الحقيقة مدموغة في الذاكرة العربية، والوجدان الاسلامي، والوعي الحر، لا تمحى، وهي أن القيادة الفلسطينية المقاومة، التي جاهدت من أجل قضيتها العادلة، لم تهرب، ولم تغادر، ولم تكن مختبئة في انفاق تحت الارض، ولم تكن تحتمي بأسرى العدو كما ادعى العدو، بل إنها النموذج العصري الذي يحتذى به عبر التاريخ، في التحامها مع الشعب والمقاومة.
إنها الحقيقة التي ستبقى في الأذهان، أن السنوار القائد، ذو الستين عاما، ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس، كان يجاهد في الميدان، يتقدم الصفوف مع المجاهدين، يلبس جعبته، ويمتطي سلاحه، ويذود عن ثرى وطنه، كأي جندي فيه، مدافعا عن الحقوق المشروعة لشعبه الفلسطيني، بروحه ودمه، بكل بسالة و إقدام.
لقد اغتالوا السنوار، في اشتباك بالصدفة، لم يعرفوا فيه ان المشتبك معهم، هو السنوار، الذي رصدوا الملايين بحثا عنه، وقد عرفوا انه السنوار بعد يومين، بعد تمشيط المنطقة.
استشهد السنوار وتحقق له ما تمناه شهيدا إلى جوار ربه بإذن الله، وقد جعل الله له كرامة تحفظه بعد.استشهاده، إذ حفظ الله عليه جعبته وسترته وسلاحه، فلم يخلعوها عنه في محاولة لاغتياله معنويا كما كانوا يهدفون، ليبقى يحيى السنوار رحمه الله، وقود المعركة في الأذهان في الحاضر وفي المستقبل.
استشهد السنوار وكرامة أخرى له من الله، إذ يسرب بعض جنود العدو، شيئا عن بطولته في الاشتباك، الذي استمر يقاوم فيه رحمه الله حتى الرمق الاخير، وهو مصاب، كما و سرب الجنود أيضا، انه قد أصاب عدة جنود في الاشتباك بإصابات خطيرة، وانهم لم يستطيعوا القضاء عليه إلا عبر مسيرة، فاي كرامة هذه التي ارادها الله لك يا ابا ابراهيم، إذ تتسرب بطولتك على لسان عدوك، لتكون في نهايتك الوقود والشرف.
لقد اغتالوا السنوار ماديا، ولكنهم فشلوا أن يغتالوه معنويا، ليظل يحيى السنوار رحمه الله، اسما يرتبط بالسابع من اكتوبر، الذي مرغ فيه أنف المحتل في الوحل، سيظل يحيى السنوار رمزا للقيادة الحرة الشريفة التي لا تشترى ولا تباع، سيظل اسم يحيى السنوار الأيقونة التي تبث فينا أمالا دائمة، في انه لا شيء محال على الله، كما وسيظل اسمه يبث فينا ثقة لا حدود لها في القدرة والاقتدار.