خطورة”الإسلام الفردي”
بقلم: عبد الرحمن خيزران
بقلم: عبد الرحمن خيزران
تفاعلت مع أحد المؤثرين، وقد تحدث بحسن نية عن “الراحة النفسية” التي تتأتى باعتزال هموم الناس وقضاياهم، والانكباب على الحياة الخاصة وما يعنيها، والاكتفاء بالذات وما يدور في فلكها، مستدعيا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”. فعلّقت بما أراه فهما متزنا لديننا، ولطبيعة العلاقة الاجتماعية التي يريدها لنا مع محيطنا، مستحضرا خطورة عقلية “الإسلام الفردي”، التي يراد لنا من خلالها أن نحيى لأنفسنا، ولأنفسنا فقط.
التعليق:
حياك الله، جزء من كلامك صحيح، ولكن معظمه ليس كذلك.
انطلقت من حديث نبوي شريف شهير، ولكن بإزائه عشرات الأحاديث والآيات التي تدعونا إلى الاهتمام بأمر الناس والأمة، منها “… ومن أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”، ومنها “والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه”، ومنها “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”، ومنها “من رأى منكم منكرا فليغره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”… والآيات والأحاديث في الباب أكثر من أن تحصى.
تأمل معي: الصلاة أُمرنا بأدائها جماعة في المسجد، والزكاة نؤديها من أموالنا لغيرنا ممن يحتاجها ويستحقها من أفراد المجتمع، والحج نؤديه وسط خلق كثير بألسن وألوان وأجناس شتى… حقيقة العبادات والمعاملات “مُتعدّية” في الإسلام وليست “لازمة”، وديننا أراده ربنا أن نحياه في جماعة وأمة ووسط الخلق، وليس انعزالا في صومعة فردية ذاتية.
لعلك يا أخي، من حيث لا تريد، تروج لفلسفة “الفردانية” الغربية، التي بدأت بـ”أنا” وما يعنيها إلا “أنا”، ووصلت بالإنسان الغربي إلى أن يهجر أمه وأباه ويتخلى عن أبنائه (بالمناسبة لست مسؤولا عن أبنائك من حيث لقمة العيش فقط كما تقول، الرسول الكريم الذي استشهدت بحديثه، له حديث في هذا الموضوع “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”. وإذا، أنت مسؤول عن التربية والتوجيه وغرس القيم والأخلاق وتعليم العبادات (علّموهم على سبع واضربوهم على عشر)، حتى أذا اشتدّ عوده واستقل برأيه عنك، وجد هوية واضحة تعصمه في هذه الدنيا المتلاطمة).
نعم “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه” لها موضعها، ومنها حين تتلصّص وتتجسس وتحاول معرفة ما يدور في دار جارك وسبب خصومته مع زوجته (أما أن تتدخل لتهدئة النفوس فهذا يسمى في ديننا إصلاح ذات البين)، ومنها حين تغيب القدرة على تخفيف مصاب أو حل مشكلة أو تفريج كربة، فهنا نعم اترك ما لا يعنيك، ودع الخلق للخالق.
هل تعلم، مثلا، أن المسجد الأقصى مغلق من قبل الصهاينة والصلاة فيه ممنوع والوصول إليه محرّم طيلة شهر رمضان؟ وكل ما يريده الصهاينة ومن والاهم، أن نصبح كأمة على مثل ما تدعونا إليه، فلا يعنينا أقصى، ولا فلسطين، ولا حصار وقتل المسلمين، ولا لماذا نحن أمة متخلفة، ولا لماذا -ونحن خير أمة أخرجت للناس- أصبحنا هكذا، ولا كيف نسترد عزتنا؟!
يا سيدي جوهر ديننا أن نحمل هَمّ أنفسنا وهمّ أمتنا. أرأيت إلى رسول الله -وهو قدوتنا- هل احتفظ بخير هذا الدين لنفسه أم حمله إلى الأمة بل الناس أجمعين؟!