منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ارتـباط صيام يوم عرفة بالزمان

ارتـباط صيام يوم عرفة بالزمان/ الدكتور أحمد الإدريسي

0

ارتـباط صيام يوم عرفة بالزمان

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

يوم عرفة هو أحد أيام العشر من ذي الحجة، وهو يوم التاسع من ذي الحجة، وهو أيضا تاسع أيام العشر من ذي الحجة، ويستحب صيامه لغير الحاج، لأنه يكون في هذا اليوم واقفا بعرفة، مشتغلا بتأدية مناسك الحج. وقد ورد في فضل صيام هذا اليوم آثار، منها؛ ما رواه الإمام مسلم أن النبي ﷺ قال: “صيامُ يوم عرفة أحتَسِبُ على الله أن يكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده”[1].

لكن اختلف العلماء في ارتـباط صيام يوم عرفة بالزمان أم بالمكان، وسبب اختلافهم هو اختلاف المطالع، واختلافهم في القول بتوحيد رؤية الهلال، أو عدم توحيد الرؤية.

أولا: القول بتوحيد رؤية الهلال.

يرى السادة المالكية وجوب توحيد رؤية الهلال، وفي أي مكان ثبتت فيه الرؤية يجب على الجميع الأخذ به، ولهذا لا تكاد تجد في كتب المذهب أجوبة عن هذا الموضوع وأمثاله المبني على الأخذ باختلاف المطالع.

يقول الشيخ خليل رحمه الله: (يثبت رمضان بكمال شعبان، أو برؤية عدلين…، أو برؤية جماعة مستفيضة، وعَمَّ إن نُقِلَ بهما عنهما)، والمعنى: وعم سائر البلدان القريبة أو البعيدة إن نُقِلَ خبرُ الرؤية بالعدلين أو بالمستفيضة، وعن العدلين أو عن المستفيضة، ولا يراعى في ذلك مسافة قصر، ولا اتفاق المطالع ولا عدمها؛ فيجب الصوم على كل منقول إليه[2]. ودليلهم عموم قوله النبي ﷺ: “فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا”[3]. وقوله عليه السلام: “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته؛ فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين”[4].

ثانيا: القول باختلاف المطالع.

الأخذ باختلاف المطالع هو مذهب الإمام الشافعي، وله أدلته، ومنها ما روى الإمام مسلم عن كريب مولى ابن عباس: (أن أمَّ الفضل بعثَتْهُ إِلى معاويةَ بالشام، قال: فَقَدِمْتُ الشامَ، فقضيتُ حاجَتها، واسْتُهِلَّ عليَّ رمضانُ وأنا بالشام، فرأيتُ الهلاَل ليلةَ الجمعةِ، ثم قَدِمْتُ المدينةَ في آخرِ الشهرِ، فسألني عبدُ الله بنُ عباس رضى الله عنهما، ثم ذكر الهلالَ فقال: متى رأيتُم الهلالَ؟ فقلت: رأيناه ليلةَ الجمعةِ، فقال: أنتَ رأيتَهُ؟ فقلتُ: نعم، ورآه الناسُ وصاموا وصام معاويةُ، فقال: لكنَّا رأَيناه ليلةَ السبتِ، فلا نزال نصومُ حتى نُكمِلَ ثلاثين أو نراه، فقلتُ: أولا تكتفي برؤية معاويةَ وصِيامِهِ؟ فقال: لا، هكذا أمرَنَا رسولُ الله)[5].

وإذا نظرنا إلى القواعد العلمية لعلم الفلك، فإننا نجدها تقول إن الغرب في بلاد الإسلام يمكن أن يسبق الشرق بيوم، والعكس غير صحيح، أي؛ لا يمكن أن يسبق الشرق الغرب؛ لأن الهلال إذا ثبتت رؤيته في الشرق لا بد أن تثبت في الغرب بشكل أوضح؛ لأن غروب الشمس في المغرب يأتي بعد ساعات، فيكون القمر قد تنقل خلال هذه الساعات مسافة معينة تجعله أكثر وضوحا في المغرب. ومن جهة أخرى يمكن ألا يظهر في الشرق ويظهر بعد ساعات في الغرب فنكون نحن من نسبق بيوم.

أما مسألة ظهوره في المشرق وغيابه في المغرب فهي مستحيلة وبالتالي تقدم دول المشرق على المغرب في بداية الشهور باطل. وقد حدث هذا في عهد الصحابة رضي الله عنهم، حيث رأوا الهلال في الشام يوم الجمعة ولم يره من في المدينة إلا يوم السبت، كما في حديث كريب، والشام في الغرب بالنسبة للمدينة المنورة.

ثالثا: القول بارتـباط صيام يوم عرفة بالزمان.

من العلماء من يقول بربط صيام يوم عرفة بالزمان وهو اليوم التاسع بحسب كل بلد، لا بالمكان وهو يوم اجتماع الناس في عرفة، وذلك للاعتبارات الآتية:

1- ثبت أن النبي ﷺ ربط الصيام بالتاسع؛ روى النسائي بسند صحيح عن بعض أزواج النبي ﷺ: «أن رسول الله ﷺ كان يصوم تسعا من ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر: أول اثنين من الشهر، وخَمِيسَيْن”[6]. وعليه اعتمد السادة المالكية؛ قال الخرشي في شرحه لمختصر خليل عند قوله: (“وعرفة وعاشوراء…”: “ولم يرد بعرفة موضع الوقوف؛ بل أراد به زمنه وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، وأراد بعاشوراء اليوم العاشر من المحرم)[7].

2- أن الصيام -فرضا كان أو نفلا- ثبت بالاستقراء أنه مرتبط بالزمان لا بالمكان؛ من شهر رمضان، وست من شوال، ويوم عاشوراء، وشهر شعبان، وأيام البيض، وكذلك عرفة لا يمكن أن يكون مستثنى بدون دليل خاص.

3- إذا افترضنا أن الغرب سبق الشرق في الرؤية حسب ما هو ثايتٌ علميا فحينئذ سيكون العيد عندنا هو يوم الوقوف بعرفة: فهل سنصوم العيد حتى نوافق وقفة الحجاج، وصيام العيد حرام، أم نضيع فضل صيام يوم عرفة.

خـاتمــة:

صوم يوم عرفة في حالة اختلاف المطالع يتحقق بارتباطه بالزمان وهو اليوم التاسع، لا بالمكان وهو يوم الوقوف. لكن من أجل الخروج من الخلاف يصوم المسلم الثامن والتاسع معا، أي؛ يصوم اليوم الثامن الموافق للوقوف بمكان عرفة وصوم اليوم التاسع الموافق للزمان.

إن المطلوب هو اتحاد الدول الإسلامية في رؤية الهلال، وفقا لمذهب السادة المالكية، وأن الغرب في الكرة الأرضية يمكن أن يسبق في الرؤية الشرق والعكس غير صحيح، والله وأعلم.

والحمد لله رب العالمين.


[1] – رواه الإمام مسلم في صحيحه. كتاب الصيام. باب اسْتِحْبَابِ صِياَمِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ.

[2] – يُنظر؛ الشرح الكبير للدردير. ج:1/ص:510.

[3] – رواه الإمام النسائي في سننه. كتاب الصيام. باب قبول شهادة الرجل الواحد على شهر رمضان. حديث رقم: 2116.

[4] – رواه الإمام البخاري في صحيحه. كتاب الصوم. باب قول النبي ﷺ: “إذا رأيتم الهلال فصوموا”. حديث رقم 1909.

[5] – رواه الإمام مسلم في صحيحه. كتاب الصيام. باب بَيَانِ أَنَّ لِكُلِّ بَلَدٍ رُؤْيَتَهُم”.

[6] – رواه الإمام النسائي في سننه. كتاب الصيام. باب “كيف يصوم ثلاثة أيام من كل شهر”.

[7] – يُنظر؛ شرح مختصر خليل للخرشي ج:2/ص:234.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.