منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

غزوة بدر وطوفان الأقصى مساران لتغيير العالم

المهدي اليونسي

0

غزوة بدر وطوفان الأقصى مساران لتغيير العالم

بقلم: المهدي اليونسي

 تمر بنا ذكرى غزوة بدر المجيدة، والأمة مهيضة الجناح كسيرة القوائم، يلعب بتاريخها أُغيلمة آخر الزمان، تمكنوا من رقبتها بقتل وترهيب وتركيع العلماء والشرفاء فيها، وفتحوا أبواب المسخ والبذخ للمخنثين وأشباه الرجال، وسلموا أَزِمَّتهم للصهاينة، فتحالف أنذال الداخل مع مصاصي الدماء من الخارج ليشدوا الوَثاق على كل ناشد للحرية، على كل مسلم لا يرى ما يرون، ويرى فيهم مردة شياطين الإنس قرناء أشقاء لشياطين الجن..

    تمر الذكرى وبنو صهيون أجبن البشر، يصلفون أهلنا في غزة بأبشع الأسلحة والقنابل الأمريكية والغربية، بمباركة ومساعدة عربية قل نظيرها..

تمر الذكرى والنشامى من قوى المقاومة يسطرون في غزة الأبية، على الرغم من فظاعة الوضع وقتامة المشهد وخذلان القريب والبعيد، وتلكئ المنافقين من كل حدب وصوب، يسطرون أروع الملاحم، ويذيقون بني صهيون الكأس الدهاق الذي أشربوه لكل العرب من نكبة 1948، مرورا بنكبة 1967، وإلى الآن..، ويحقق هؤلاء الأفذاذ، بأياديهم المتوضئة، وبجباههم النيرة وبقلوبهم المرتبطة بالله، وبسلاحهم المصنوع من وحي حاجاتهم وحصارهم، ما عجزت عنه كل جيوش العرب في حروبهم مع الصهاينة، يستلهمون من ذكريات الإسلام الخالدة ومن سيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم أصول النصر الصلب، المبني أساسا على قوة العقيدة ونصاعة المشروع، وحب الشهادة، دونما نظر إلى حشود الأعداد عند الأعداء، وجبروت العتاد والسلاح، وتحالف العداء وتخاذل إخوة الدم والدين واللغة والاستضعاف..

      كانت غزوة بدر امتحان التجربة الإسلامية المجيدة، التي أدارت زمان الكفر والشرك والتحريف، وزمان التفاخر بالأنساب والصلف والطغيان والاستعباد، إلى زمن  دين التوحيد الواحد، وإلى زمن معيارية التفاخر فيه، القرب من الله، والعدل والرحمة والحرية…

     ونرجو الله أن تكون غزوة طوفان الأقصى بداية تغيير للقطبية الجهنمية الغربية بقيادة الشيطان الأكبر الولايات المتحدة الأمريكية، التي ما تركت من ظلم إلا مارسته ومن قبح إلا نشرته، وما تركت من فاحشة ورذيلة إلا قعدت لها ونظمتها وبشرت بها ونشرتها، تضرب بيد البطش كل من سولت له نفسه الانعتاق من خيوط التبعية أفرادا كانوا أم دولا أم جماعات أم تنظيمات، وزرعت في قلب بلاد الأمة الإسلامية سرطانا تمكن من السكون والمداراة، حتى امتص مناعة الحياة من حكام الأمة المهزومين، الذين تمت تربيتهم على نقيض ما جاء به الإسلام، وبقيت حمية ومناعة الدفاع عن الأمة، مدفونة فقط في أنفاس الشعوب تنتظر اشراقة جيل التجديد، ولعل جيل أكناف بيت المقدس هو الأساس في استقدام هذه الإشراقة بإذن الله..

    فغزوة طوفان الأقصى المجيدة هي أيضا امتحان للعصابة المجاهدة، المحشورة في قطعة أرض صغيرة، المحاصرة حد العزل عن بقية العالم، لا تملك من القوة غير قوة الحق في مقاومتها، وقوة الإيمان المتفجر في مشروعها تنظيرا وتطبيقا وتدافعا، ولنا اليقين أن هذه العصابة هي الأنموذج المخصوص في ديننا، لأن شَمْلَ الإيمان يَلُفهم، وكساء الإحسان يَسْنُدهم، والله تعالى في كتابه ربط تنزيل نصره على الثلة المتصفة بالإيمان: ﴿ وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين ﴾..

    غزوة بدر  كانت بداية انهزام المشروع الشيطاني الشِّرْكِي، وغزوة طوفان الأقصى إن شاء الله بداية نهاية المشروع الشيطاني الصهيوني..، فأوجه الشبه بين الغزوتين جلي بَيِّنُ في البدايات والسياقات على أن يُتم الله تعالى شبه النهايات وهو القادر على ذلك، وإليك بعضا من هذا الشبه:

سياق الجاهلية:

السياق الذي حكم غزوة بدر هو نفس السياق الذي يحكم الآن طوفان الأقصى، سياق مشروع شيطاني يفرغ الحياة من روحها ويرمي بالإنسان إلى هاوية الدوابية المقيتة، أطبق المستكبرون المزهوون بيد البطش القاتلة، رؤيتهم على كل العالم، فجعلوا من البشر طاحونة لأهوائهم الباغية، وصيروهم عبيدا يعملون آلات في شركات هرمية  جاهلية متحكمة، تصب أموالها وأرباحها في جيوب “آلهة البشر” المتسيدين على رؤوس هذه الشركات،   ليوجهوا هذا المال نحو الطغيان خدمة للشيطان وأجندته..

     كانت جاهلية بدر  قد اصطفت شياطينها وخرجوا بخيلهم وخيلائهم، حوالي ألف مقاتل مجهزين بأعتى أسلحة ذاك الزمان، من خيل وبغال وإبل وسيوف…، يريدون خنق بذرة الحق الثائر، التي جاءت لتعطي للإنسان معنى، وتقدم مشروعا، يكنس دنس العبودية البشرية ليرفع مقام العبودية لله وحده،  فواجهتها عصابة الحق الفتية-  التي لا تُقارن بما لجيش مكة من عدة وعتاد غير أنها  مسلحة بعقيدة الموت لأجل حياة الدين الجديد- ، إذ رصعت بذلك على جبين التاريخ انتصارا زوى الأرض من تحت المستكبرين، وفتح في حصونهم باب الهدم الذي جرفهم في بضع سنين وللأبد، ودفنهم بما حملوا من حقد تحت أنقاظها..

       أما جاهلية اليوم فهي أشرس بغيا وأعتى بطشا وأقسى ظلما وأقوى تخطيطا وتنظيما وأموالا، لا ترى إلا بعين الشهوات والفواحش ولا ترى في البشر ،إلا  أكواما من اللحم والعظام خُلقت ليُفعل بها، وتأكل كما تأكل الأنعام، وتُستخدم وقودا للاستهلاك، وعلفا للحروب وتجريدا لهم من كرامة الآدمية، نمطوا الحياة وفق أهوائهم، وشرَّعوا قوانين للعالم وبَنَوا مؤسسات عالمية بشعارات حقوقية أخلاقية خادعة، تخدم خططهم بمنظومة متكاملة، قانونية ومالية وعسكرية وتبريرية إعلامية، هدفهم السيطرة على العالم، والفتك بكل اتجاه مخالف، وتأديب كل مارق في نظرهم، يشعلون الحروب، ويثيرون الفتن، ويحاصرون ويدمرون طبقا لقوانينهم ومؤسساتهم، شتتوا من ذي قبل الامبراطورية العثمانية، وحطموا هيروشيما ونكازاكي بقنابل ذرية، وقسموا الإخوان في شبه القارة الكورية، وأرجفوا القتل في الفيتنام وخربوا العراق ودنسوا أفغانستان…، هؤلاء المرجفون هم من يحاصرون اليوم غزة، ويقطعوا عنها الماء والغذاء والدواء، ويؤشرون على قنابل الموت الموجهة ليقتل بها الصهاينةُ الأطفالَ والنساء والشيوخ، في همجية لم يعرفها التاريخ، وبنازية صهيونية فاقت الخيال، اصطفت الجاهلية الحديثة، بكل جبروتها وبجميع منافقيها، وبمؤسساتها الخادعة، وكل الزَّنْمَى من بني جلدتنا ليقتلعوا جذور  قوم التصقوا بأرضهم، وبنوا ثقافتهم وقوتهم على عكس الجبروت الشيطاني، هذه الفئة القليلة، المثخنة بسهام الأعداء والأنذال المتخاذلين، ترود هذا الجمع الاستكباري، بعد زلزال السابع من اكتوبر  والذي أفسد مخطط تصفية القضية الفلسطنية، وتكابد بثقتها في الله وفي مشروعها، وترسم في أرض الميدان ظل النصر  الذي سينزل لا محالة وعدا غير مكذوب..

يقظة دعوة وصحوة دولة:

       دعوة التأسيس، استمدت قوتها من قوة المؤسس صلى الله عليه وسلم ومن قوة الجيل الذي عاشر التأسيس، جيل فريد تَشَّرب المشروع، وتذوق الأخلاق، فكان الذود عنه يسترخص الأموال والأنفس ، لذلك كانت مواجهتهم للأعداء في أول الأمر مواجهةً سلمية التصق بها من فتح اللهُ لها قلوبَهم، وخلت مكة بعدئذ من جل المؤمنين بالهجرة الشريفة، ولم يبق فيها إلا صناديد الكفر، هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة منوعين بذلك أساليب الدعوة، فالذين بقوا في مكة من المشركين، لم يستهوهم طريق الدعوة السلمي،  لتكبرهم الشيطاني، واستهزائهم من أتباعها، وإيمانهم بمنطق القوة والجبروت، فكان لزاما على النبي صلى الله عليه وسلم أن يهيئ الأسلوب المناسب لهم، ليعود إلى مكة، إذ هي حرم الله المحرم وبيته المعظم، فأسس الدولة في المدينة، وصنع فيها الرجال، وشحذ فيها الهمم، ليُفهِم وبمنطق القوة المفرز  للرعب لا للقتل، أن الإسلام جاء ليحرر الخلق لا ليقتلهم، وجعل الدولة لتحمي الدعوة وتقويها، لا لتعاديها وتقوظها..

     الدعوة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما الدولة كان لها عدو  واحد هو الكفر، لذلك كان الطريق لمواجهته واضح وبين، ولذلك تهاوى تحت ضربات العدل والإقناع والحرية التي جاءت بها الدعوة..

      لكن دعوة التجديد، تعاني في ذاتها أمراض الفكر  والسطحية والحرفية والقدرية، والانتسابية المزيفة، والادعائية الكاذبة…، وتواجه عدوا شرسا في ديارها نائبا عن الاستكبار العالمي، بأسماء التعبد والتحميد، وبلحاه المزركشة، وبلكنته العربية وبطقوسه التعبدية تَمَثَّل في حكام الجور الذين تربوا في أحضان التصهين، وركبوا ظهر  الأمة، مفتتين حصنها الجمعي، محاربين قاتلين وسجانين كل القائمين المنكر ين والمنددين، سواء كانوا علماء ومفكرين ودعاة،  أم كانوا تنظيمات وجمعيات وأحزاب، لتعقد على ظهر  الأمة صفقات التطبيع والذل والخذلان، وتجيش المنافقين علماء السلطان، وتغير عقيدة الجيوش نحو الفتك بالشعوب، ليضع هذا النائب الآبق يده في أيادي أوليائه المستكبرين، وتلتئم بذلك معاول الخارج مع معاول الداخل ليسقطوا الأمة لكمة واحدة..

       كما تعاني هذه الدعوة فتنا كقطع الليل المظلم في مربع مرجعيتها، يُعَقِّد عليها مهمات العلاج، كما تواجه عدوا أَبَّد سَبْقَه في العلوم والمال والاقتصاد والسلاح والإعلام..

   هذه الدعوة اليوم تفتقد الدولة السند، إذ تحولت هذه الدولة إلى مماليك تسعى بوعي وبغيره إلى تقويضها خوفا على كراسيها من طوفان الزوال..

      ولئن كان في سنن الله الكونية أن الإلحاح في طلب الحق يأتي ولو بعد حين، فإن الذين يأخذون الإسلام بقوة في إيمانهم، وبقوة في تطبيقه، وبقوة في تمثل مستجلبات النصر، يُمَكِّنهم الله منه وينزله عليهم، وإني أرى والله أعلم أن مقاومة غزة جُمع لها من الخير والبركة ما تفرق في الأمة، ليجدد اللهُ بنموذجها المبارك دينَه، ويصنع من الدماء الزكية لشهدائها نباتا يستوي سوقه دولة تحمل مشعل الدعوة المتجددة بفهم جهادي إحيائي يعيد للأمة هيبتها ويطهر  الله بها دنس اليهود، ونفاق الأعراب وظلم المستكبرين..

الكيف لا الكم

       غزوة بدر كان الحسم فيها للكيف لا الكم، ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران 123)، المنطق العقلي عادة لا يصدق نتائج الميدان، كيف لثلاثمائة نفر وبسلاح بسيط أن تهزم ألفاً من عتاة الكفر عتادا، وتقتل صناديدهم  وتعتقل   مقاتلتهم؟، لكن النفر القليل شُحذت هممهم وتغيرت قابلياتهم من حب الوهن إلى النقيض بحب الله ورسوله، فأصبحت بذلك عقبات الجبال عِهنا منفوشا في سيرهم، في سيرة ابن هشام، قال سعد بن معاذ رضي الله، والرسول صلى الله عليه وسلم يطلب مشورة الأنصار للدخول في الحرب في غزوة بدر: “قد آمنا بك، فصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوًّا غدًا إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله”، هذا الانعكاس التربوي في قلوب المؤمنين هو الذي حسم المعركة في بدر  وما بعدها، وهو الذي إن شاء الله سيكون السر  في انتصار  ثلة غزة، المتشبعة بروح الإيمان المسنودة بملائكة غزة، تثير  رعبا في المتداعين عليهم من كل أصقاع  الدنيا، بخيلهم وخيلائهم، وتمرغ وجه الصهاينة في رمال الحر والجمر  في تفنيد منقطع النظير لوهم “الجيش الذي لا يٌقهر”. وتكذيب لمقولة “رابع جيش في العالم”..

    ولقد مدح الله القلة المؤمنة بما تملك من قوة تفقدها الكثرة المذمومة بكمها الغثائي، المنزوع من دسم الكيف، قال تعالى: ﴿ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة 246) ، وقال أيضا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ (الأنفال 65)..، وتداعي جمع الأحزاب الكافر والمنافق والمتواطئ على أهل غزة يؤكد على صدقية مسار أهل غزة الفئة القليلة الصابرة المجاهدة المحتسبة..

بعد الحرب انتصار وانتشار واستمرار

     ،كانت غزوة بدر فارقة في التاريخ الإسلامي وفي تاريخ البشرية كلها، لأنها أسست لنصر  الدين، الذي لازلنا نتفيأ ظلاله إلى الآن وإلى يوم القيامة بإذن الله، هذا النصر بدا وثابا يقتحم اللجج في الآفاق البعيدة،  وجعل له في قلوب الناس مأوى وملجأ، إذ حتى الانهزام في غزوة أحد، لم يؤثر على النصر الاستراتيجي لبدر، لأن من طبيعة الهزيمة انحصار المهزوم وتقهقره، وهذا الذي لم يحدث بعد أُحُد، فرأينا الناس تدخل في دين الله أفواجا، ورأينا الإسلام يزحف، قلم تُبَطِّئْه الخندق بل سرَّع زحفه صلح الحديبية الذي اعترفت فيه قريش بدولته، لينتشر بعد ذلك ويَبْلغنَّ ما بلغ الليلُ والنهارُ، وما ترك اللهُ بيت مَدَر ولا وَبَر إلا أدخله الله هذا الدين، بعِزِّ عزيز أو بذُلِّ ذليل، عزا يُعِزُّ الله به الإسلام، وذُلا يُذل الله به الكفر..، وسيستمر  إن شاء الله إلى اليوم القيامة، يَخْلُق كلما نكص أهله عنه دون أن يموت، ويجذو متألقا كلما جددوه واسترشدوا به واتبعوا سبيله..

    وفي السابع من أكتوبر المجيد، دخلت المقاومة على بني صهيون الباب، وشرخت صلابته وأحدثت فيه ثقبا، توسعه الآن بصمودها الجبار  وبشراستها المحيرة، وفي نفس الوقت تنشر  في آفاق العالم قوة حجتها، وتصبح حديث الألسن ومداد الأقلام، واستطاعت أن تؤسس ميزان الفرقان يتمايز فيه الناس بين أصحاب الضمير حمالي الأخلاق وذَوَّاقي الإنسانية، وبين المنافقين الأفاكين المتفيهقين، عُبَّاد الشياطين..

      فَتْح الباب على الصهاينة لن يغلق، بل يعقب الفتح القلع والاجتثاث، فسنن التاريخ جارية، وعقدة العقد الثامن آتية، واستمرار المقاومة حقيقة حتمية، والنصر بإذن الله منحة ربانية..

إزالة اللثام وكشف اللئام:

        كشفت غزوة بدر عن وهن قريش السياسي والعسكري والفكري وقصورها التربوي والأخلاقي، وبالتالي تخلى أبناؤها عنها ودخلوا أفواجا في الدين الجديد، لأنهم وجدوا فيه إشباعا روحيا وعدلا حقيقيا، ومعنى للحياة، ولذلك كان الكشف جليا بين مشروعين، لا يقاس بينهما، فهوى الأول لبنائه على الهوى، وشمخ الثاني لأنه رباني المصدر، أخلاقي البناء إنساني المقصد..

     لكن اللؤم الذي كشفه طوفان الأقصى، فاق تصور الشيطان نفسه، فمن إيجابياته، كشف عورة ” إسرائيل” والتي عاشت حينا من الدهر على وهم أنها الأقوى في الشرق الأوسط، وللأسف انطلى هذا الوهم أيضا على البلدان العربية كلها، حتى حولت نظرتها إ ليها من العداء إلى التقبل ثم إلى التطبيع الخَنوع، وكشف الوجه القبيح للأنظمة الغربية ونفاقها الخبيث، وكيلها المزدوج، وكرهها المقيت لكل ما هو إسلامي المبنى والمعنى، مع استثناء لشعوبها التي  أبانت عن نضج أخلاقي تجاوزت به أنظمتها..

     وكشف لنا بالملموس أن الأنظمة العربية ما هي إلا قواعد خلفية للصهاينة، الوصول إلى إسقاط ” إسرائيل” يمر حتما عبر إسقاطها، وكلما طال بقاؤها عقد من مسألة تحرير الشعوب من الخوف من بطشها، وبالتالي تتأجل يقظة الأمة وقومتها..

     وكشف لنا الأنموذج الراقي لما يمكن أن يكون عليه المسلم الحقيقي ، تشبعا إيمانيا، وتكوينا من علوم الزمان، وصبرا وجلدا ويقينا في موعود الله تعالى المتوازي مع التشمير عن السواعد، فأن تحفر  المقاومة آلاف الأنفاق، بآلات بدائية، وفي عز الحصار المطبق بحرا وبرا وجوا، وتصنع لنفسها سلاحا أدهش الصهاينة أنفسهم،  حَوَّل “الميركافا” فخر صناعاتهم العسكرية إلى أكوام من الفحم والدخان، وتُسقط بذكاء رجالاتها الحفظة لكتاب الله، جبروت المنظومة الاستخباراتية والأمنية..، فهذا كاف لكي تتوافق الأنظمة العربية مع الصهاينة والأنظمة الغربية لاقتلاع هذا الأنموذج، لأنه يشكل خطر وجوديا عليهم جميعا..

البقاء للأصلح لا للأقوى:

     في سنن التاريخ، كلما وصل الإنسان الى حد التأله كلما عَجَّلَ سقوطَه، صاح فرعونُ في قومه “أنا ربكم الأعلى” فأغرقه الرب سبحانه، وتصلفت عاد وثمود فأُهريقوا في مزابل التاريخ بالصيحة والريح العاتية، ولم يذكرهم الله تعالى في كتابه إلا لاعتبار الظالمين بهم، ولكن أنى لهم ذلك؟، وقد أُشربو ا في قلوبهم طينة خبال الشياطين.، إن ما يقع في هذا العالم ليس عبثا، إنما هو بتدبير من الله ليقيم الحجة فيه على الظالم بم بَطَش وتجبر، وأهلك الحرث والنسل، ويقيم الحجة أيضا على المظلوم، بما خطط ودبر ليواجه الظلم، ويقف في وجه الظالم المستبد، أو تقاعس وكسل، ولقد ذكر الله بني إسرائيل في القرآن الكريم مقرونين بالإفساد والتيه في كل أزمانهم، ومع كل أنبيائهم، ويطيل الله أملهم وهم يعيثون في الأرض قتلا للناس و إبتاكا للفطر السليمة، ونشرا للفسوق والرذيلة، وهو يعلم ذلك سبحانه، فيستدرجهم من حيث لا يعلمون: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ ( الإسراء 16)، وفي المقابل يمتحن الله تعالى صبر  المومنين بالمحن والفتن حتى يتطهر  صبرهم من درن النفاق والرياء، ويترفع عن حظوظ النفس والوسائل  ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ (السجدة: 24)، حتى يُجاوزوا رتبة الصلاح في أنفسهم ليصلوا درجة المصلحين لأنفسهم وأهليهم والناس أجمعين، ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ (الأنبياء 105)، وما ذلك على الله بعزيز..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.