منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

معركة طوفان الأقصى في ضوء السيرة النبوية؛ تأملات في سنن التمكين

الدكتور الطيب رحماني

0

معركة طوفان الأقصى في ضوء السيرة النبوية

تأملات في سنن التمكين

الدكتور الطيب رحماني

إن النظر في سير الأقوام السابقين وما يرتبط بها من أحداث ووقائع مصدر هام للتعلم وأخذ العِبَر والدروس واستثمارها في قراءة الأحداث المعاصرة، واستلهام التجارب لأجل الحركة الصائبة في معمعان الحياة وصخب العالم.

وقد حث الله تعالى على ذلك النظر: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾[1]، وجاء القرآن الكريم بالكثير من القصص وكرره بصيغ متعدد، بالإيجاز تارة وبالاستطراد تارة أخرى، وجعل محورها قصص الأنبياء الكرام مع أقوامهم.

فالقصص القرآني ليس الغرض منه التسلية، بل الاعتبار المُنهض للعمل، والاعتبار المفضي للاستقامة على منهج الله: ﴿فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْاْ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[2]

1- السيرة النبوية وسنن التدافع: من الاستضعاف إلى التمكين:

إن سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام مصدر لتشرب أحواله والتعلق بجنابه الكريم، وتعميق محبته والاقتداء به والتشبث بما جاء به من الهدى ودين الحق والسير على منهاجه في الدعوة والجهاد، قال الله تعالى: ﴿ َّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾[3] وردت الآية في سياق ذكر غزوة الأحزاب وما كان فيها من قلاقل وأهوال ومحن وصف القرآن الكريم وصفا دقيقا: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾[4] وهو تنبيه دال على أن لا مخرج منها ومن أمثال إلا بالاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم فهو الأسوة الحسنة في الصبر والثبات والاحتساب واليقين في موعود الله بالنصر.

إن السيرة النبوية في شمولها مدرسة للمومنين كي يقتدوا بنبيهم صلى الله عليه وسلم، وبقدر النهل من هذا المعين علما وعملا وسلوكا بقدر ما يندرج المسلم في عداد الفائزين بسعادة الدارين، قال ابن القيم رحمه الله: “إذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم..”[5]

لقد بدأت الدعوة الإسلامية برجل واحد صنع على عين الله، نشأ فقيرا يتيما، وتجلت في شخصه الكريم قيم الأمانة والصدق والوفاء والكرم…يافعا وشابا مكافحا، فلما أزف أوان النبوة سرت من نور قلبه نسمة الهداية سرا إلى قلة قليلة من عشيرته وأصحابه فلما اشتد عود الدعوة جاء الأمر بالصدع وكان ما كان من تطاول المشركين وإمعانهم في أنواع الأذى وصنوف البلاء، قال ابن إسحاق: “لما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام كما أمر الله لم يردوا عليه حتى ذكر آلهتكم وعابها فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته…”[6]

فالجهر بالدعوة حدث محوري مندرج ضمن سنة التدافع، فلولا أن النبي أظهر الحق الذي معه وصدع به وأظهر ما جاء به الوحي من التوحيد ونبذ عبادة الأصنام لما وجد من الأذى شيئا، وكذلك أتباع النبي صلى الله عليه وسلم مأمورون بإظهار الحق الذي معهم يدفعون به الباطل بقدر ما هم منهيون عن ترك التبليغ والاستكانة إلى دائرة الأمان الزائف.

لكن هل سبيل الجهر بالحق سهلة معبدة مفروشة بالورود؟ كلا إنها محفوفة بالمتاعب والموانع والعقبات…وتلك سنة التمحيص تقتضي مرور أصحاب الحق على محك المحن حتى يَمِيزوا فلا يزعم النسبة إليهم مذبذب منافق، وقد تجلت هذه السنة الإلهية واضحة في سير الأنبياء جميعا وكانت أكثر وضوحا وجلاء في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم، أوذي بشتى ألوان الأذى في نفسه وعشيرته وأتباعه.

لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون التلازم بين التدافع والابتلاء في منهج الحق  الذي سار عليه الأنبياء وأتباعهم، فما من نبي يبعث في قومه إلا أوذي في الله، وكذلك أتباعه معه ومن بعده، قال تعالى : ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾[7] وقال مواسيا نبيه عليه الصلاة والسلام : ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾[8]

لكن أهل الحق مطالبون ببذل الجهد في الدفع، مأمورون بطَرْق أبواب الجهاد والتماس الأسباب وإحكام أدواتها لأن سنة الله لا تحابي أحدا، فمن أخذ بالأسباب كان النصر حليفه، بل إنها لتنبذ المتواكل إلى هوامش التاريخ، فتتجاوزه الأيام إلى نقيضه.

لقد جهَر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستسلم بعد ذلك أبدا، وكلما اشتد حصار دعوته اجتهد أكثر في طلب الأسباب الموصلة للانتصار والظهور على الأعداء: كرر التبليغ بالقول الفعل والحال، وتلا الآيات في السر والعلن، وانتقى لدعوته الأقرب فالأقرب للاستجابة والفاعلية، واستثمر علاقاته الاجتماعية (القرابة، الصحبة…)، واستثمر مواسم الحج، وخرج إلى تخوم مكة، وأمر أتباعه بالهجرة إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة…إلى أن أتم الله تعالى أمر دعوته وأظهر رسالته على الدين كله وإن كره المشركون وإن كره الكافرون.

2- معركة طوفان الأقصى: على أثر السنة النبوية

إن المتأمل بمنظار السيرة النبوية للأحداث المتتالية على أرض فلسطين أرض الرباط والجهاد، والمتفحص لتطورات السنوات الأخيرة من تاريخ القضية الفلسطينية يدرك بيسر أن الأمة بدأت تتلمس سبيل الخلاص من التبعية للغالب وتتحرر من الهيمنة الأجنبية المقيتة، وتؤوب إلى الهدى النبوي محاولة اقتفاء أثره.

لقد عاشت الأمة طيلة قرون عديدة انفصاما نكدا بين الكلمة والفعل، والوحي والعقل، والماضي والحاضر، والروح والمادة، والدين والدنيا…وهو انفصام اشتد وقعه، وزاد افتعال وجوده في العقود الأخيرة حتى غدا الحديث عن ضرورات الحياة الإسلامية من كبائر الفكر ودواعي التخلف، لكن شاءت الأقدار الإلهية أن تنبعث الصحوة من ركام، وتنهض دعوات تجديد الدين منبهة إلا أن الإسلام دين شامل كفيل بضمان النصر والفوز في الدنيا والآخرة.

وكان من ثمار الصحوة المباركة أن تولى زمام المقاومة على الأرض المباركة رجال تشربوا الإيمان وفق المنهج النبوي، وصبروا وصابروا ورابطو في سبيل الله على ثغور الإسلام أفرادا وجماعات، وركزوا على جهاد وهن النفوس قبل أن يرابطوا على جبهات قتال الأعداء فيثبتوا ولا تنال منهم ألوان الأذى وصنوف الابتلاء.

لقد كان الشيخ أحمد ياسين وإخوانه في مختلف الفصائل المجاهدة مثالا فريدا في التربية والجهاد، فقد نهضوا فرادى يبنون صف الدعوة والجهاد بعد أن تخلصوا من إغراءات زهرة الحياة الدنيا، وانشغلوا بما يخدم هدفهم إلى التحرر، فحرروا أنفسهم وأخلصوا عبوديتهم لله، فلم تنل من عزائمهم الابتلاءات أو تتسرب الظنون إلى قيمهم التي آمنوا بها، ولم تستهوهم المساومات ولا الإغراءات ولا التسويات الزائفة…وأدركوا السر الذي أكرم الله به الإنسان فأظهروه بالتربية والتعهد حتى استوى الزرع على سوقه، وغدا الرعيل الأول قادة ربانيين مجتهدين مجاهدين بكل ما وفقهم الله إليه من الأسباب الروحية والمادية فانطلقت المقاومة المسلحة كالنهر الهادر ترعب الأعداء وتحوز الانتصارات وتتشوف لموعود الله الأسمى للأمة بالاستخلاف والظهور على الأعداء.

   إن المرابطين على الأرض المباركة اليوم بالملايين وعلى كل الجبهات: قيادة سياسية وعسكرية تخطط وتحكم الأسباب المادية والمعنوية امتثالا لأمر الله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾[9]  وتنفذ بيقين تام بموعود الله إما النصر أو الشهادة، وحاضنة شعبية قوامها إنسان تخرج من مدرسة التربية الإيمانية الإحسانية فلا تفل من عزمه الشدائد، فهو مؤمن محتسب صابر مجاهد لا يعطي الذلة لغير الله، ولا تساوره ذرة شك في صدق قيادته ولا يخامره شك في موعود الله بالنصر لعباده المومنين، ولا يلامس قلبه يأس أو قنوط، كيف ورسول الله وصحبه الكرام أوذوا في سبيل الله حتى جاءهم النصر المبين، فكذلك من اقتفى أثرهم وسار على نهجهم منصور لا محالة.

لقد كشفت معركة طوفان الأقصى عن تطور نوعي في تاريخ الجهاد على الأرض المباركة، وكأن صوت المقاومين الأبطال يردد قول سيد المجاهدين: “الآن نغزوهم ولا يغزوننا”[10] وهم يقتحمون الحدود الوهمية، ويزيلون الحواجز الظالمة ويقتلون فريقا ويأسرون فريقا، ويثبتون لعدو بعد أن أوغل في الرد وينصبون له الكمائن ويقهرون قواته وعتاده متوكلين على الله مستحضرين تأييده ساعة الزحف: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾[11]، والحاضنة الشعبية تنادي يا أبطال نحن معكم وإن جار العدو وهدم البيوت على رؤوس الأطفال والشيوخ والنساء فقتل الآلاف وشرد وجوع، وإن نافق العالم وظلم وتواطأ وحاصر، وإن تخاذل فريق كبير من الأمة واستكان…

لا شك أن هذه المعركة المباركة صَاحَبتها ابتلاءات عظيمة، لكن القضية المصيرية أعظم، القضية إيمان بالله ورسوله، وامتثال لأمر الله بمدافعة الباطل حتى لا تفسد الأرض، القضية فوز بالله وتنعم بجنة عرضها السماوات والارض لمن ثبت على الحق وجاهد بما يملك لنصرة دين الله، وخسران مبين لمن مال إلى الباطل وأعوانه أو كذب الحق أو تخاذل…القضية إحياء إنسانية طمرتها المادية فاختلّت لديها الموازين، وإحياء أمة حادت عن سبيل ربها وغدا كثير من أبنائها أسارى سيئات النفوس الخربة (الأنانية وحب الذات وكراهية والعنصرية…)، وتنبيه وزجر لفريق عظيم منها طاشت به الأفعال فطبع وسار في ركب المتواطئين مع صهيونية عالمية مقيتة هي الجاهلية الجهلاء بعينها…

إن معركة طوفان الأقصى معركة شاهدة بالقسط على عظمة هذا الدين، دالة على أن أمة الإسلام لا ولن تموت، وأن الله يبعث لها من يجدد لها دينها كلما دب إليها داء الوهن، وقد آن أوان ذلك التجديد، والمسلم المطلع على السيرة النبوية ولو يسيرا يلحظ التشابه الكبير بين ما جاء فيها من وقائع ومشاهد وبطولات الصحب الكرام وما يسطره إخواننا على الأرض المباركة من ملاحم ينقل خبرها إلى العالم كل يوم بالصوت والصورة فيقع شاهدا على جهاد مفحم بمعاني العزة ويقوم دليلا على اتباع كامل للنبوة لا يبغي عن الحسنيين بديلا: إما النصر أو الشهادة.


  [1] غافر، 21

[2] هود، 112

[3] الأحزاب، 21

[4] الأحزاب، 9-10

[5] زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن القيم الجوزية، ت شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، ط1، 1430هـ/2009م، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ص 22.

[6] السيرة النبوية لابن هشام، طبعة في جزء واحد اعتمادا على الطبعة التي حققها الأساتذة: مصطفى السقا وإبراهيم الإبياري وعبد الحفيظ شلبي، ط1، 1422هـ/2001م، مكتبة الوحدة العربية، الدار البيضاء، ص 103.

[7] الحج، 38

[8] الأنعام، 35

[9] الأنفال، 61

[10] صحيح البخاري، 4110

[11] الأنفال، 17

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.