منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأريكيون…لا القرآنيون!

الأريكيون...لا القرآنيون!/ الدكتور الطيب الرحماني

0

الأريكيون…لا القرآنيون!

بقلم: الدكتور الطيب الرحماني

 منذ أن نزل جبريل بالوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدع بما أرسل به جابَهَ تكذيب قومه له وهو الذي كان يُدعى بينهم الصادق الأمين، ولم يكن ذلك منهم إلا كفرا وجحودا وعنادا، إذ كيف بمن ترك الكذب للناس على الناس أن يأتيه لله على الناس؟! ولما انتشر الإسلام وقهر التوحيد الشركَ، وأذعنت جزيرة العرب لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم انهزم التكذيب والإرجاف والتشكيك، ولكنه ما انتهى إلى غير رجعة، بل عاد وتجدد بصيغ وأساليب وألوان…بل خنس وكمن إلى حين، ذلك أن سنة التدافع بين الخير والشر ماضية إلى أن يشاء الله، وصراع الحق مع الباطل سجال.

ولم يكن للمكذبين والمرجفين بدٌّ من أن يتلونوا ويغلفوا أعمالهم وأقوالهم بألف لون حتى لا تظهر حقائق ذواتهم، وتنكشف سوآتهم والنبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم بالمدينة يرونه رأي العين، يجالسونه ويحضرون مسجده…وما إن يخلو بعضهم ببعض يعاودون الكرة معلنين استخفافهم بما جاء به من الهدى ودين الحق.

وبعد العهد النبوي ترددت دعوات التكذيب: حركة الردة، الشعوبية المجوسية، تأليه العقل وتبخيس النقل، خلق القرآن…واليوم تجددت دعوة ماكرة قديمة، وما من غريب فيها إلا الاسم: القرآنيون! نسبة إلى القرآن، القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ومن خلف الاسمية تكذيب بكلام محمد، هي إذن نسبة لفظية ومكر خفي مخادع…!

لقد صدق الإخبار النبوي عن هذه الطائفة، ولنا أن نتأمل الحديث نستشف منه حقائق الأمور، ونأخذ من لغته ما يسعفنا في التبين والبيان،  واستخلاص الأسماء من ألفاظ ذكرها من أوتي جوامع الكلم، من لا ينطق عن الهوى، فلا تتدثّر الأباطيل، ولا يحيد الفهم…

جاء في مسند الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، قال أخبرنا حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عوف عن الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: “أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ ينثني شَبْعَانا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بالْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلاَ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الأَهْلِىِّ وَلاَ كُلُّ ذِى نَابٍ مِنَ السَّبُعِ وَلاَ لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إِلاَّ أَنْ يَسْتَغْنِىَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ”[1]

(ألا) أداة تنبيه وتحضيض، و(إنّي) أداة نصب وتوكيد دخلت على ضمير المتكلم فصار اسمها و(وأوتيت…) جملة فعلية مصدرة بفعل لم يسمّ فاعله، النبي أوتي الكتاب ومثله معه، والذي آت النبي الكتاب…هو الحق تبارك وتعالى، والجملة مكررة للتوكيد أيضا مع مزيد بيان بذكر القرآن مكان الكتاب، وأردف بتحذير شديد من خلف سجف الغيب من منكر فضيع قريب: (أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ…)

 نبهنا النبي الرؤوف الرحيم بنا وأكد أن الكتاب والسنة صنوان لا يفترقان، ولا يكون إيمان بإنكار قطمير منهما، وحذرنا من الوقوع في حبائل الهوى والنفس والشيطان فننكر السنة ونفرق بين قول الرسول وقول الله تعالى.

لكن من يجرؤ على إنكار السنة؟ من يفرق بين كتاب الله وسنة نبيه؟ من تسول له نفسه هذا؟…إنه “رَجُلٌ ينثني شَبْعَانا عَلَى أَرِيكَتِهِ”، هنا لابد من وقفة مصطلحية، فقد ساد في الأذهان وصف من تسول لهم أنفسهم استبعاد السنة باسم “القرآنيون”، فكيف يستقيم هذا الاسم والقرآن والسنة صنوان لا يفترقان؟ فالقرآني الحق لا يستبعد السنة، بل يتأسى بنبيه الذي كان قرآنا يمشي على الأرض، القرآني يعمل بما جاء في القرآن ومنه تعظيم السنة، القرآني يتلو القرآن ويحفظه كما السنة….

الحديث الشريف وصف بدقة منكر السنة: “رَجُلٌ ينثني شَبْعَانا عَلَى أَرِيكَتِهِ” رجل نكرة لا اعتبار له في العلم بالكتاب والسنة، أو هو من ديدان القراء في رغد من العيش، شبعان، على متكئه المريح الفسيح، ما أبلى في الله بلاء حسنا، ما كابد مشاق علم ولا جهاد…يقول الكلمة السخيفة في الأمر العظيم لا يلقي لها بالا: “عَلَيْكُمْ بالْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ” ولو تدبر القرآن لفقه أن “ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله”[2] فهو القرآن نفسه نص على هذا، ألم يقل الحق تبارك وتعالى: “يـا أيـها الذين آمـنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم”[3]؟ أما قال عز وجل :”وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله إن الله شديد العقاب”[4]؟…

ألفاظ الحديث الشريف دقيقة في وصف هؤلاء، إنهم أريكيون متكئون شباع ليس إلا، ما هم ب”القرآنيون”، خلطوا حقا بباطل بدافع الهوى، لا بدافع العلم النافع، ومنهم منتفعون متنفذون، ومنهم دعاة مستعارون…

للسنة مكانة سامقة في التشريع، للسنة رجال يذبون عنها، السنة حق، السنة محفوظة مصونة كما القرآن، والذهب الخالص لا تؤثر فيه الشوائب وإن كدُرت:

وما أنا منهم بالعيش فيهم       ولكن معدن الذهب الرغام

فما من سبيل إلا الصدق والتصديق: “وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ، لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ”[5]


[1] مسند الإمام أحمد، ت مجموعة من علماء الحديث، دار السلام، المملكة العربية السعودية، ط1، 1434هـ/2013م، مسند المكثرين من الصحابة، 17174، ص 1196. وللحديث روايات أخرى باختلاف يسير.

[2] العبارة في رواية ابن ماجة

[3] محمد، 34

[4] الحشر، 7

[5] الزمر، 33

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.