منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“الأريكيون عوض القرآنيين”

"الأريكيون عوض القرآنيين"/ المهدي اليونسي

0

“الأريكيون عوض القرآنيين”

بقلم: المهدي اليونسي

      الأريكية مصطلح شرعي ينم عن قعود جسدي يخمره القعود والتكليس الفكري، والسكرة العقلية التي تحاصص كل شيء حتى وإن كانت على غير قواعد العقل..

     الأريكية هي مصطلح أقرب إلى الحقيقة المُقعدة، وألْصَق بالفاعلين العاملين به، وهي أوهن من نلصق بأصحابه لفظ القرآنيين المُلهَم، لأن هم هؤلاء ليس الدفاع عن القرآن الكريم، بل الإيقاع بالقرآن نفسه..

       الأريكية إما غبش فهم، وإما حرص على تحطيم جدر النسق الصلب للتكامل الشرعي بين القرآن والسنة، القرآن الكريم بما جاء به من القواعد الكلية المجملة والمبهمة والمطلقة والعامة وحمولة الأوجه، والسنة الشريفة بما جاءت به من بيان وتفصيل وتقييد وتخصيص وتفسير…

     الأريكية اليوم لها منظرون خاصون، ولها جيش جرار من القادة الميدانيين، يقودون المعارك الطاحنة مواجهةً فكرية، وتشكيكا مبنيا على أطروحات ظاهرها يوشي ببناء متراص هكذا يحسبه الجاهل والمتشكك ايضا، لكن باطنه مفكك الأوصال، متصدع الأركان، ومع ذلك يملكون أموالا طائلة، ومعاول مضاءة، وسهلا مُوطَأً من طرف حملة المشروع الشيطاني داخليا وخارجيا وجلدا فاجرا يسقطون به عجز الثقة..

      الأريكية ولد معاق من سلالة التشكيك والإلحاد المتخفي الذي سطره المستشرقون وسوى سوقه المبهورون من بني جلدتنا المنبهرون والمنخدعون بنحلة الغالب الذي يطوع بفكره وعقله حسب زعمهم، جميع المجالات حتى ولو تجاوزت فكره وعقله المحدود بناء وامتدادا.

      الأريكية صيحة أخرى من صيحات تحطيم القدوة الفاعلة في زمانها والممتد ظلالها المتلألئ عبر الزمان يكنس الفهم المعوج والانتحال الباطل والتأويل الجاهل والغلو الباغي والانحلال المخزي، القدوة التي بَدَّلَ دلالتَها الواقعُ التافه، والتكنولوجية الخادعة المبهرة، والمال المغري، والشهوات الساحبة، والإنسان المفتون الذي سحبته سكرة الحياة الدنيا..

      قال القدوة صلى الله عليه وسلم: “يوشِكُ أنْ يقعُدَ الرجلُ مُتَّكِئًا على أَرِيكَتِهِ ، يُحَدَّثُ بحديثٍ مِنْ حديثي ، فيقولُ : بينَنَا وبينَكُمْ كتابُ اللهِ ، فما وجدْنا فيه مِنْ حلالٍ اسْتَحْلَلْناهُ ، وما وجدَنا فيه مِنْ حرامٍ حرَّمْناهُ ، ألَا وإِنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ مثلَ ما حرَّمَ اللهُ”..

      في الحديث توصيف مستقبلي لما يمكن أن يتعرض له آخر معاقل الإسلام بعد الإجهاز على روحه في الحياة العامة واستبدالها بالروح الشيطانية في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم..، معقل الدستور، والذي وإن لم يطبق في شموليته، يبقى راسخا على الأقل في الشعور الفردي عبر بعض شعائره، وفيه توصيف أيضا لصفات حملة هذا المشروع التشكيكي، من أهمها:

  • “القعود”: ضد الحركة، وهي حركة ساكنة لا تفرز فعلا بقدر ما تفرز إنشاءً مثرثرا يزوقه الشيطان تزويقا، وهي طبعا سمة الفاشل الذي يفتت عضد القائم الفاعل..
  • “الاتكاء على الأريكة”: وهي صفة أقرب إلى النائم الكسلان، تثقله شهوات حياته عن الفاعلية في الحياة، كي لا يعرف معناها الاعتباري اللحظي المؤدي إما إلى الحياة الخالدة باللذات المشبعة بالنظر لوجه الله الكريم، وإما إلى لظى تستفتي فواتير شهوات الدنيا، وكي لا يرى أثر الحواجز التي وضعتها السنة، ليسير سير التكريم الإنساني لا سير الإثارة البهيمية الشعواء..
  • “يُحَدَّثُ”: هو أصلا غير معني بأن يَعرِف بنفسه حاجة القرآن الكريم للسنة، وعظمة السنة في النسج والأداء والمقصد، هو فقط يسمع ولا يعي، لا يقرأ كي يفهم، ولا يسعى كي يرشد استيعابا وفهما، أذنه على زناد الرد، لا على فحوى الرسالة، يا أبله، القرآن الكريم عين لا تنضب، والسنة مجاريها لتوصل ماءها للقلوب العطشى والجهالة العمياء، كيف لك أن تعرف الصلاة وحركاتها والزكاة ومقاديرها والحج ونسكه؟؟!!، اللهم إلا إذا كنتَ لا تريد من القرآن إلا ما يهفو إليه سمعك وتتشوف إليه أماني قلبك الشيطانية..
  • الانتقال من الفردية الاقتناعية إلى الجماعية المُقْدِمة، في الحديث وصف لحالة فردية “يقعد الرجل”، تلميذا مُفردا أُلقِم على الريق طُعما لا يدري ماهيته حتى أفقده زمام فطرته، ليتنقل الخطاب إلى الجماعية ” بينَنَا وبينَكُمْ كتابُ الله” لتتبنى هذه الجماعية الفعل الميداني ، وبالتالي الهجوم على السنة له جند وأفعال ومراحل ويخوض معارك وله انتصارات وهمية، تقوده إلى الثقة في مشروعه مرحليا، ريثما يصطدم بالجماعية المتمثلة في قوله صلى الله عليه وسلم: ” ألَا وإِنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ مثلَ ما حرَّمَ اللهُ” الجماعيةُ التي يريدها الله ورسوله جماعية تعلم أن القرآن الكريم والسنة النبوية سيان في الوحي، مصدران للتشريع رغم تراتبيتهما وتفاضلهما في المكانة والإعجاز والتعبد..
  • خُتم الحديث بما خُتم، ليُختِم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث نهائيا على أن آفاق هذه الحرب محدودة، وتأثيرها يدوم فقط بدوام ابتعاد الناس عن دينهم، وضمور الأمة في مجال المدافعة مع المستكبرين الحماة والمحامين عن الفكرة الفاشلة الميتة ولادة وإعداما..

    لكن لا يجب أن ينس الدعاة المخلصون من الأمة ومفكروها المبدعون ومنظروها النجباء أن الأسلحة يجب أن تُشحذ، والنشء يجب أن يُطَعَّم، والمعارك أن نخوضها ونحن نبتغي الهم الجمعي للأمة، ونعلم يقينا أن هذه الأمراض هي نتائج طبيعية لفساد الحكم الذي ذهب بالعدل الذي يؤسس للكرامة الإنسانية، إذ قُرِن العدل بالإحسان، فالكرامة تدفع بالناس أن يكونوا أقرب من الله، والفقر قرين الكفر، فالفقير أقرب إلى مخطط الشيطان،( الشيطان يعدكم الفقر).. وللحديث بقية إن شاء في مناقشة أفكار  هؤلاء..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.