الأمة العربية والإسلامية بين مشروع التخليص وانتظار المُخَلِّص
د. فؤاد هراجة
خلال سبعينيات القرن الماضي كنا نتابع كل ليلة جمعة فيلما أمريكيا لرعاة البقر Cowboy أو ما كان يطلق عليه western. لم نكن حينها ندرك عمق الصراع بين الهنود الحمر والغزاة من شداد الآفاق، ما جعل معظم المتفرجين عبر العالم يتعاطفون مع الرجل الأبيض الوسيم والنظيف والذكي والقوي الذي يمتلك مهارات عالية في استعمال السلاح، وقدرات هائلة لقتل أكبر عدد ممكن من الهنود الحمر في وقت وجيز. نجح وقتئذ هوليوود في جعلنا نحمل مشاعر الكراهية تجاه les indiens، حيث كنا ننتظر بشغف كبير المواجهة الكبيرة في نهاية الشريط والتي كانت دوما تسفر عن انتصار الرجل الأبيض واستسلام الرجل الأحمر مع رحيله وترك الأرض التي كان يعيش فيها.
ولعل ما جعلني أستدعي هذه الأفلام السينمائية القديمة، مشهد كان يعتبر بمثابة اللازمة يتكرر في جميعها، ويتطابق مع ما يقع اليوم في حالة حرب الكيان الصهي..وني على محور المقا..ومة ، ويتمثل في أن جيش الهنود الحمر يتشكل دائما بمئات المقاتلين، في حين يتكون جيش رعاة البقر بعدد قليل لا يتجاوز المائة مقاتل، ومع ذلك تستطيع هذه القلة البيضاء من هزم الكثرة الحمراء من خلال استهداف زعيم الجيش الذي يمتطي حصانا ملونا مختلفا عن كل الأحصنة، ويضع ريشا على رأسه مختلفا عن الذي يضعه باقي المقاتلين. كانت دائما خطة الحرب تتمحور حول القدرة على الوصول إلى زعيم الجيش في أقرب وقت ممكن، إذ بمجرد قتله ينسحب جيش الهنود الحمر ويعلن هزيمته وتركه أرضه رعاة البقر الذين كنا نبهج لانتصارهم وننام منتشين بتلك النهايات التي كنا نعدها سعيدة.
لكن، بعدما شب وعينا عن الطوق، وعلمنا أن الرجل الأبيض كان مجرد غازٍ يمارس الإبادة الجماعية في حق سكان أصليين محى أثرهم العرقي من الوجود، شعرنا بخجل عميق تجاه أنفسنا. إن العالم اليوم يعيش نفس السيناريو وهو يتابع ما يجري من إبادة جماعية في غ.زة، وما يجري من عربدة وإرهاب في لبنان، ومع ذلك لا يزال هناك في الحكومات الغربية من يتعاطف مع الكيان الغاصب، ولا تزال دول عربية و إسلامية على علاقات رسمية مع عصابة من شداد الآفاق استولوا على أراضي مقدسة على حين غرة من الأمة وهي تواجه الاستعمار الغربي.
لقد أثبتت الممارسات الأخيرة متمثلة في استهداف واغتيال قيادات المقاومة، وعلى رأسهم الشهيدان إسماعيل هنية وحسن نصر الله، أن ذهنية رعاة البقر لا تزال تحكم الغزاة الصهاينة الذين يعتقدون باغتيالاتهم لأشخاص بأعينهم سوف يهزمون المقاومة ويدفعونها للاستسلام، تماما كما كان يقع في حالة الهنود الحمر. هيهات، هيهات! أنتم أمام أمة لا تعرف الاستسلام، أمة تعودت منذ 15 قرنا على النكبات والنكسات، أمة استطاعت أن تبقى صامدة وثابتة على دينها وقيمها وتنوعها رغم كل ما مر عليها من استبداد واستعمال.
ما لم يدركه جهلة التاريخ أن الموت في التربية الإيمانية ما هو إلا انتقال إلى حياة خالدة، وأن الموت في سبيل الله وسبيل الحق هو شهادة ترفع أصحابها إلى أعلى مقامات جنة الفردوس، وأن الاستشهاد الناجم عن الاغتيال أو الموت في مواجهة العدو لا يقذف الخوف في الأمة، بل ينفخ فيها روح المقاومة.
علاوة على ذلك، أثبتت كل الاغتيالات التي أصابت قيادات المقاومة أن العقلية الإسلامية قد تخطت فكرة الشخص والفرد المخلص، وأضحت مقتنعة أن خلاص هذه الأمة في قومتها الجماعية، وفي رص صفوفها، وتنظيم قوتها في مؤسسات مهيكلة تضمن استمرارها؛ ولا أدل على ذلك رأينا كيف اختفى خطاب أشراط الساعة، والمهدي المنتظر، ونزول عيسى عليه السلام، أمام وجود مقاومة في أرض الميدان، في الوقت الذي يسود هذا الخطاب لحظات الهزيمة والضعف. لقد خلصت المقاومة الأمة من الطوباوية التاريخية التي كانت تصور زورا أن شخصا بعينه هو الذي حرر فلسطين أو فتح بلاد الروم وبلاد فارس، تماما كما يقال أن فرعون هو الذي شيد الأهرام. للأسف الشديد الطريقة التي تلقينا بها التاريخ، جعلنا كمسلمين في حالة انتظار دائمة إلى ذلك البطل المخلص الذي يمكن أن يظهر في أي وقت، ما جعل الأمة في فترة من تاريخها تدخل قاعة انتظار التاريخ.
لعل ما وقع من اغتيال الشهيد أحمد ياسين، والشهيد الرنتيسي، والشهيد الرئيس محمد مرسي، والشهيد اسماعيل هنية، والشهيد السيد حسن نصر الله، من شأنه أن يرسخ قاعدة الارتباط بمبدأ الخلاص ومشروع التخليص بدل الارتباط بالمخلص، ذلك أنه في البيئة المقاومة المفعمة بالتوقان إلى خلاص وتخليص الأمة يسهل بروز الشخص الملهم الذي قد يُسَاهم بحكمته العقلية ورحمه القلبية صحبة الفئة المقاومة في تسريع وتيرة تحرير الأمة. وعليه فإن ما يحدث دروس عملية تتلقاها الأمة العربية والإسلامية مُفادها من جهة، أن الأمة أكبر من الأشخاص مهما بلغت حظوتهم ومقامهم، ومفادها من جهة أخرى أن الأمة لابد لها أن تنتظم في مؤسسات مهيكلة تضمن سلاسة التداول على القيادة، كما وتسهل انخراط كل الإرادات الممانعة والمقاومة. لقد ضربت المقاومة الفلسطينية في غ.زة المثل الأعلى فيما ذهبنا إليه، والشاهد على ذلك أواصر الارتباط الوثيق بين المقاومة والبيئة الشعبية الحاضنة، والتي إن تمكنت الأمة من تكبير صورتها في دولة ما ستشكل منعطفا كبيرا في التاريخ المعاصر، أما إن تكررت ذات الصورة في عدة دول عربية وإسلامية، فإنها ستأذن بميلاد حضاري جديد.
إن ما لا يدركه الغرب الامبريالي الصه.يوني المستكبر أن عدالة القضية الفلس.طينية، ودماء الشهداء، واستشهاد قادة المقاومة على أرض المعارك، ورفض فضلاء العالم لازدواجية المعايير الفاضحة، لا يزيد الأجيال الحالية إلا تشبتا بمشروع المقاومة الرامي إلى تحرير هذه الأمة وتحرير كل شعوب العالم من الصه.يونية العالمية، كما لا يزيدنا إلا تبرما من النموذج العنصري الغربي المتوحش الذي أفقر العالم وأفسد ييئته وسمم علاقات دوله بالحروب العسكرية والاقتصادية والسياسية.
وزبدة القول، إن اغتيال قيادات المقاومة لن يحجب عنا مبدأ الخلاص ومشروع التخليص، ذلك أن الاغتيالات عبر التاريخ لم تحقق انتصارا قط لأي جيش، بل كانت ولازالت تعبر عن فشل مواجهة مشروع المقاومة بقتل المقاومين، وهذا لعمري غباء عندما يتعلق الأمر بأمة تفتخر بالشهادة وتعتبرها عنوان صدق للشهيد، ووقود لمن سيحمل مشعل القيادة. إن ذهاب القادة واستمرار المقاومة يذكرنا بقوله تعالى “مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” [البقرة:106]، كما ينبهنا إلى أن المقاومة مشروع، والمشروع أكبر من الأشخاص.