منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الجرذ المحصور (طوفانُ الأقصى زوالُ إسرائيل)

يحيى بن طاهر الفرغلي

0

الجرذ المحصور (طوفانُ الأقصى زوالُ إسرائيل)
بقلم:  يحيى بن طاهر الفرغلي

إسرائـيل في الوعي الجمعي العربي خنجر مغروس في خاصرة العرب، لكنها في الوعي الجمعي اليهـ ـودي، والغربي -بلا ريب-، جرذ محصور بين مفترسين كواسر، يتربصون اللحظة المناسبة للانقضاض عليه.

وضع هذا التصور في الذهن مهم جدًا في تقييم عملية طوفان الأقصى ومعرفة تداعياتها ومآلاتها وردود الأفعال الواقعة والمتوقعة عليها.

رئيسة وزراء بريطانيا السابقة تاتشر حين سافرت عبر الأراضي الفلسطينية بالطائرة في ثمانينيات القرن الماضي أبدت دهشتها وانزعاجها الشديد من صغر حجم “إسرائيل”؛ لأن صغر الحجم يمثل خطرًا كبيرًا على وجودها، هذا الخطر يدركه كل إسرائيلي جيدًا، وتدركه الدول الداعمة لإسرائيل، مع الوضع في الاعتبار أن أصل فكرة إسرائيل هو التخلص من معضلة بغيضة أرقت العالم الغربي قرونًا سموها ب”المسألة اليهودية”؛ لأن اليهـ ـود شعب منبوذ مستقذر لأقصى درجة في الغرب [من الشتائم المهينة عندهم “يا يهـ ـودي”]، وأن إنشاء إسرائيل أتى حلًا منقذًا لمجتمعاتهم من هذا “القذر” تحت شعار مكذوب “نرسل شعبًا بلا أرض ليسكن أرضًا بلا شعب”، لكن المعضلة الكبرى ل”إسرائيل” مذ نشأتها كانت المعضلة الأمنية؛ معضلة “الجرذ المحصور” بين الوحوش، فكان أساس نشأتها واستمرار وجودها يعتمد ويرتكن على توفير الأمن وتعزيزه لكل يهـ ـودي؛ ليرضى بالهجرة من أوروبا وأمريكا -تخلصًا منه- إلى أرض ميعادهم والاستقرار فيها، واليهو.دي يعشق الحياة جبان بطبعه “ولتجدنهم ‌أحرص ‌الناس ‌على حياة”، وقد بنيت عقيدة الجيش الإسرائيلي -وبني الدعم الغربي الأمريكي والأوربي- على أساس قدرته على هزيمة كل من حوله من دول -الوحوش الكواسر- في وقت واحد، ولو استدعى الأمر استعمال القنابل الذرية التي تملك إسرائيل وفرة منها، كذلك اعتمدت “إسرائيل” الاستراتيجية الأمريكية القاضية بألا تخوض حربًا على أرضها أبدًا، هذه الاستراتيجية بالنسبة لإسرائيل -بعكس أمريكا- مسألة وجودية، ليست ترفًا ولا فخرًا، فالحرب على أرضها تعني ذهاب الأمن؛ وذهابُ الأمن زوالُ إسرائيل، ولذا كانت #صواريخ_القسام حين تصل تل أبيب وغيرها من المدن الفلسطينية المغتصبة تمثل -على قلتها وضعفها- تهديدًا وجوديًا يستدعي ردًا وحشيًا مبررًا -عندهم وعند داعميهم- ولو لم يقتل الصاروخ أحدًا -كما هو الغالب-،

أما حين يصل الأمر إلى طوفان الأقصى: حرب برية على أرض “إسرائيل”، وقتـ ـلى بعشرات المئات، وجرحى بالآلاف، وأسرى، وصواريخ كالمطر على كل المدن “الإسرائيلية” ، فأنت حقيقة تخط فجأة خط النهاية لكل مشروع إسرائيل -دون أي مبالغة-، وتحطم -في يوم نحس عليهم- ما بناه الغرب مجتمعًا في عقود، بل ويتعقد الأمر حين يكون العمل من غزة -التي هي قطعة من “إسرائيل المزعومة” في موضع الكبد منها- فيستحيل استعمال السلاح النووي؛ “الخيار الاستراتيجي الأخير”؛ لأنه سيصيب إسرائيل نفسها ويمتد أثره إلى أراضيها كلها.

بعد هذه المقدمات لا تتوقع رد فعل إسرائيلي أو غربي أقل مما يحصل؛ فالجرذ أصبح محصورًا في الزاوية مستشرسًا يقاتل معركته الأخيرة؛ فلا يمكن أن يقبل بحال أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل طوفان الغضب مما يستلزم -ضرورة- احتمالية تكراره مرة ثانية أو شيء أكبر منه؛ فيفقد شعبه إلى الأبد عنصر الأمن -العنصر الوجودي الحتمي كما أسلفنا-، فالمسألة ليست حاجة أو ضرورة أمنية بل المسألة وجودية بكل ما تعنيه الكلمة.

وبناء على ما سبق يجب على أهل غزة، وأهل فلسطين، والعرب قاطبة، والمسلمين كافة، أن يعطوا الحدث حقه، لا ترجوا من الحكام الخونة العملاء تحركًا، هذا مستحيل؛ فإن الغرب كان يعلفهم طوال العقود الماضية لمثل هذا اليوم، فاليوم يومهم في إثبات الولاء التام لأسيادهم وبيان عرفانهم لحسنة العلف-؛ يجب أن يكون التحرك شعبيًا: كل بما يقدر عليه، وكل بما يستطيع، لا بد من تحرك يناسب الحدث حقيقة في كل بلدان العالم، لتتجرع إسرائيل سم هيروهيتو؛ فترضخ للهزيمة، وإلا فإنها ستبيد غزة حقيقة تحت دعم وتأييد وتصفيق بل ورقص احتفالي غربي؛ فالمسألة عندهم حياة أو موت، ولن تجدي المظاهرات نفعًا إلا لو خرجت عن السيطرة فصارت ثورات تحدث تغييرًا فعليًا في الدولة كلها،

لا بد أن يشعر اليهـ ـود ومن ورائهم داعميهم الغربيون أن تكلفة وجود – أكرر وأؤكد وجود- إسرائيل أكبر من تكلفة ردود الفعل على ما يفعلونه بغزة، وعلى أهل غزة الأبطال أن يصبروا ويثبتوا ويتوكلوا على الله حق التوكل ويدركوا أبعاد وعظم معركتهم، وأنهم سيكونون حقيقة سببًا في إحياء جسد الأمة كلها، وروحا تبث في كيانها، ودماء تجري في عروقها، والأهداف العظيمة تستوجب تضحيات كبيرة،

وليعلم من يخذلهم الآن أو يتوانى عن معركة الأمة بكل ما يستطيع أنه يشارك المجرمين حربهم الاستئصالية على غزة بقدر تقصيره.

اللهم بلغت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.