التيمم رخصة وعزيمة
التيمم رخصة وعزيمة/الأستاذة ثورية البوكيلي
التيمم رخصة وعزيمة
بقلم: الأستاذة ثورية البوكيلي
جاء الإسلام في أحكامه بشريعة سمحة تتجلى في عزائم ميسرة لكل سليم معافى في صحته وأحواله، ورخص ملائمة للضعيف والمضطر ومنها التيمم، فهو عزيمة في حق العادم للماء، ورخصة في حق الواجد للماء العاجز عن استعماله. والتيمم من خصائص الأمة الإسلامية، شرع في غزوة بني مصطلق في السنة السادسة للهجرة حينما أضاعت أمنا عائشة عقدها، فبعث صلّى الله عليه وسلم في طلبه، وحانت الصلاة، وليس معهم ماء، فنزلت آية التيمم. فقال أُسَيدُ بن حضير: “يرحمك الله يا عائشة، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرا”[1] .
فما هو التيمم وما هي أسبابه؟ وما هي فرائضه وسننه؟ وماهي مندوباته ومبطلاته؟
تعريف التيمم ومشروعيته
يعرف التيمم في اللغة على أنه القصد، وهو من الفعل الثلاثي أَمَّ، يؤمّ، ويعني القصد، ويقال: تيممت فلانا، ويممته، وأممته، وتأممته، إذا قصدته[2]. أما في الاصطلاح فيعرف التيمم على أنه استعمال جزء من الأرض طاهر، أَو القصد إلى الصعيد للتطهير، والمقصود بالصعيد؛ التراب الذي يكون على وجه الأرض[3].
وقد نصت الأدلة من الكتاب، والسنة، والإجماع على مشروعية التيمم، فمن الكتاب قول الله تعالىى: “إِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا“[4]. ومن السنة، عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فُضِّلنا على النَّاسِ بثلاثٍ: جُعِلتْ صُفوفُنا كصفوفِ الملائكة، وجُعلَتْ لنا الأرضُ كلُّها مسجدًا، وجُعلَت تُربتُها لنا طَهورًا إذا لم نجِد الماءَ“[5] . ومن الإجماع، فقد أجمع العلماء على أن التيمم مشروع بدلًا عن الوضوء والغسل.
أسباب التيمم
يشرع التيمم لسببين وهما: عدم وجود الماء، والخوف من الضرر عند استعماله.
ويدخل في الخوف من الضرر عند استعمال الماء:
- الخوف من حدوث مرض، أو زيادته، أو تأخر شفائه،
- الخوف من العطش الشديد أو غيره،
ويدخل في عادم الماء:
- المريض الذي لا يستطيع استعمال الماء، أو الوصول إِليه ولا يجد من يعطيه،
- الصحيح الذي لا يجد ما يأخذ به الماء، أو ما يكفيه لطهارته؛
- الخائف من خروج وقت الصلاة باستعمال الماء.
فرائض التيمم وسننه
- للتيمم فرائض ثمانية هي:
- النية: لقوله تعالى“فَإن لَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ “، وينوي بتيممه استباحة الصلاة.
- الصعيد الطاهر لقوله تعالى “فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا“، ويجب أن يكون الصعيد طاهرا لم تمسه نجاسة كالتراب والرمل والحجر والثلج والطين الخفيف وغيرهم.
- تعميم مسح الوجه: ولو بيد واحدة، أو إصبع ويدخل في الوجه اللحية ولو طالت وما غار من الأجفان، لقوله تعالى “فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ“،
- مسح اليدين إلى الكوعين مع نزع الساتر كالخاتم والأساور.
- الضربة الأولى: لحديث عمار في المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في التيمم: “ضربة للوجه واليدين”.
- حضور الوقت ودخوله: لفعل الصحابة ذلك كما في حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره[6]”،
- وصل التيمم بالصلاة: أي أن يكون التيمم متصلا بالصلاة،
- الموالاة بين أجزائه ، فلا يصح التفريق بين التيمم وفعل الصلاة بزمن يخل بالموالاة.
- أما سننه فثلاثة وهي:
- مسح اليدين إلى المرفقين.
- الضربة الثانية: لحديث ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في التيمم”ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين“[7] .
- الترتيب: بأن يبدأ بالوجه قبل اليدين كما في الآية.
مندوبات التيمم ومبطلاته
- تتحدد مندوبات التيمم في أمرين:
- التسمية؛ وهي قول بسم الله.
- الصفة المستحبة في مسح اليدين؛ وهي كما قال ابن أبي زيد القيرواني في الرسالة: “يضرب بيديه الأرض، فإن تعلق بهما شيء نفضهما نفضا خفيفا، ثم يمسح بهما وجهه كله مسحا، ثم يضرب بيديه الأرض فيمسح يمناه بيسراه، يجعل أصابع يده اليسرى ما عدا الإبهام على أطراف يده اليمنى ما عدا الإبهام، ثم يمر أصابعه على ظاهر يده وذراعه وقد حنى أصابعه حتى يبلغ المرفق، ثم يجعل كفه على باطن ذراعه من طي مرفقه قابضا عليه حتى يبلغ الكوع من يده اليمنى، ثم يجري باطن إبهامه على ظاهر إبهام يده اليمنى، ثم يمسح اليسرى باليمنى هكذا، فإذا بلغ الكوع مسح كفه اليمنى بكفه اليسرى إلى آخر أطرافه”[8] .
أما المبطلات، فكل ما ينقض الوضوء من الأحداث والأسباب، فإنه ينقض التيمم أيضا؛ ويزيد التيمم على الوضوء بناقض آخر، هو وجود الماء قبل الصلاة؛
- فمن تيمم ووجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة بطل عليه تيممه؛
- ومن تيمم ونسي الماء وهو عنده في رحله فتذكره في الصلاة قطعها؛
وختاما، إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، فإن أمر الله تعالى في الرخصة والعزيمة واحد، فليس الأمر بالوضوء أولى من التيمم في محله، ولا إتمام الصلاة أولى من القصر في محله، فيطلب فعل الرخص في مواضعها والعزائم كذلك، فإن تعارضا في شيء واحد روعي الأفضل رفعا للمشقة ودفعا للحرج.
[1] رواه البخاري في صحيحه ج1/ص128/كتاب التيمم،
[2] محمد بن أحمد بن الأزهري، الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، صفحة 34. بتصرّف.
[3] أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي (1322)، الجوهرة النيرة (الطبعة 1)، صفحة 21، جزء 1. بتصرّف.
[4] سورة المائدة، الآية 6
[5] أخرجه البخاري ومسلم
[6] الحاكم
[7] الدارقطني والحاكم
[8] رسالة ابن أبي زيد القيرواني، ص 47