سوريا الثورة وتحديات التاريخ والمحيط
سوريا الثورة وتحديات التاريخ والمحيط/ عبد الرحمان لبان
سوريا الثورة وتحديات التاريخ والمحيط
بقلم: عبد الرحمان لبان
سقط نظام الطاغية الأسد أحد أساطين الاستبداد العروبي، الذي سود وجه العروبة بأفعال يشيب لها الولدان، في مشهد دراماتيكي لم يدر في خلد أكبر المتشائمين، استبداد وجد النصير والداعم، بعدما سخرت له إمكانيات إقليمية ودولية هائلة لينفرد بشعبه تعذيبا وتقتيلا، بداية من الانقلاب الدموي النصيري وما تبعه من تصفيات المشاركين فيه، مرورا بمحرقة حماة بداية الثمانينات من القرن الفائت، و وصولا لحصد الأخضر واليابس في حراك الربيع العربي وسنواته العجاف، وذلك بعدما مد بكل أدوات الفتك والقتل.
شكلت رمزية حمل رأس التمثال، بعد فصله عن الجسد النحاسي المثبت في أكبر ساحات دمشق مشهد النهاية المتوقعة لكل مستبد، بعدما قامت الجماهير الغاضبة المتجمهرة بتلك الساحة التاريخية بضرب راس تمثال الطاغية الأسد، وجره أرضا في فعل يمثل أقصى درجات رفض الحكم الاستبدادي و لفظه جماهيريا.
إن ما وقع في سوريا يعد درسا بليغا لكل مستبد يستقوي بالحديد والنار على شعبه، أنه مهما طال أمد مقاومته فمآل حكمه إلى الاندثار و الزوال، فلم تنفع الطاغية الأسد ملايير الدولارات التي ضخت في خزينة دولته ليستمر رأسا لنظامه الدموي.
بين الماضي والحاضر
شهدت ساحة الشام فترات دموية سجلها تاريخنا بالأحمر القاني، حيث عرفت الأمة الإسلامية في بداية عهدها انقلابا سياسيا على حكم الخلافة الراشدي الذي بني أساسه على الشورى. يقول الأستاذ عبدالسلام ياسين: “نظام الحكم الإسلامي القرآني هو نظام الشورى، مؤسسته في القمة الخلافة. وللخليفة حقوق وواجبات. حقه أن يطاع فتجتمع كلمة الأمة، وتلتف جهود الأمة. واجبه أن يخضع للشورى، واجب المسلمين أن لا يولوا أحدا أمرهم إلا عن شورى”1.
ولكن بعد تولي بني أمية زمام الأمور، جعلوا من الشام قاعدتهم الاستراتيجية، برزت في عهدهم ظاهرة غريبة عن كيان الأمة، إذ أصبحت المثلة بالخصوم السياسيين، و اقتلاع رؤوس المخالفين مع عرضها بمداخل المدن الكبرى للدولة الإسلامية، للعبرة و التخويف هي السائدة. يقول الاستاذ عبدالسلام ياسين: “والاسلام تنهى شريعته عن المثلة بجثث القتلى. ثم قطع بنو أمية رأس محمد بن أبي بكر، وكان واليا للإمام علي رضي الله عنه على مصر. في عهد مروان بن الحكم قتل الصحابي الجليل النعمان بن بشير وألقيت رأسه في حجر زوجته. وقطعت رأس مصعب بن الزبير. وقطعت قبل ذلك رأس أخيه عبد الله الثائر على حكم بني امية، و رأس عبدالله بن صفوان وعمارة بن حزام. وصار قطع الرؤوس، والطواف بها في المدن بدعة أموية مازال الملوك يقلدونهم فيها”.2 كان ذلك سمة بارزة للسلوك السياسي لبني أمية خاصة مع تولي يزيد بن معاوية الحكم خلفا لأبيه، “الذي بايعه على ولاية ابنه يزيد أهل الشام وأهل العراق والولايات الأخرى، وأبى أربعة نفر كانوا هم خيار المومنين يومئذ: الحسين بن على، وعبدالله بن الزبير، و عبدالله بن عمر، و عبدالرحمان بن أبي بكر. بعد رفض شروط الأربعة الكبار من الصحابة الكرام، أمر معاوية بن أبي سفيان أن يقوم رجلان مسلحان على كل منهم، و أطلق خطبته السيفية المشهورة ” إنه من أعذر فقد أنذر ! كنت أخطب فيكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس، فأحمل ذلك و أصفح. فإني قائم بمقالة، فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه. فلا يبقين رجل إلا على نفسه ! ” 3 في هذه الأجواء تم إعداد رجل كان صعوده لسدة الحكم ثلمة من ثلوم الاسلام.
قدر الامة ان ترى الاستبداد في أبشع صوره في بلد الشام بين ماضي جريح استبد فيه بنو أمية المحسوبون على أهل السنة، الذين دشنوا عهدهم ببدعة سياسية منكرة تتجلى في مخالفتهم البينة لمبدأ الاختيار المعتمد في السياسة الشرعية كأساس للحكم الاسلامي، و هو العمدة في مذهب أهل السنة والجماعة، فأصبح الاختيار زمن بني أمية واجهة صورية، يصحبها مبايعة بالإكراه لطفل لايزال في خرقته، بعدما كان يجتمع أهل الحل والعقد من العلماء و المجاهدين تحت مرأى و مسمع الناس، و بمشاركة كل أطياف الأمة، ولنا في صور اختيار الخلفاء الراشدين النموذج و المرجع. ” اختار المسلمون بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فقال في أول خطبة له: ” أطيعوني ما أطعت الله و رسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”. 4
و عرفت الشام في عهدنا اختطاف الحكم من طرف هذه الفئة النصيرية المحسوبة على الصف الشيعي معتقدا، فأذاقت شعبها ألوانا من العذاب، فجعلت الإمامة أصلا، لا تهفو له القلوب حمية و نصرة لأهل البيت، بل يساق لها الناس رهبا، تلهب السياط ظهورهم، وتقتلع رؤوسا أينعت رفضا لحكم قوامه الحديد والنار. قد يبدو في الظاهر أن حزب البعث له مشرب قومي عروبي، لكن الجذور العقدية المنحرفة عند قادته غذتها أحقاد لازالت محفورة في عقل تعشش فيه أساطير و ترهات ينبغي مراجعتها، صادفت هوى في أنفس تهفو للزعامة و القيادة عبر تسلق الأشلاء، و بناء صرح فرعوني يقتات من عبية جاهلية جعلت من العروبة صنما يعبد من دون الله تعالى، فصار التحالف متاحا بين الاستبداد الأسدي بسوريا، و أهل الجوار من أصحاب الثورة الإيرانية الناشئة، تقبل الناس ذلك بادئ الأمر، أخذا بعين الاعتبار الحصار الذي ضرب على أهل فارس بعد الثورة المشهودة، إلا أن استمرار التنسيق، وإثماره جبهة سامت الشعب السوري ألوانا من العذاب لأزيد من عقد، يضع الجميع أمام المساءلة التاريخية، و يضيف خزيا آخر بصمت به تجربة فاحت منها رائحة تطرف نسب للشيعة، بعدما سودت فعلة يزيد بن معاوية ومن ورث الملك عنه وجه بني أمية المحسوب عنوة على أهل السنة سياسيا.
نستنتج من أحداث الماضي والحاضر أن الاستبداد لا لون له، وأن الأخطاء التاريخية كررها كل فريق سعى إلى الحكم بغير حق، ويبقى مطلب المراجعة والسعي للوحدة مطمح كل غيور على بيضة هذه الأمة الواحدة، التي ينبغي أن تسعى للحق الذي قوامه الاجتماع لا الفرقة.
ما أشبه النهاية
مروان بن محمد كان آخر حكام بني أمية، لقبه خصومه بمروان الحمار، لما أبان عليه من صبر وجلد، في محاولة لحماية ملك سلالته من الزوال. لم تنفع مروان بن محمد كل محاولات الذود عن حمى سلطانه، نتيجة ميراث ثقيل لسوء التدبير و السياسة من طرف سابقيه، الذين تشاغلوا عن أمر رعاياهم بالغوص في ملذات الدنيا، و أساءوا تدبير أمور الحكم، وفرقوا بين عرب الأمة وعجمها. ثم انتقل تطاحنهم فيما بين العرق العربي نفسه، فمهدوا الطريق لدعوة صاعدة جعلت من العجم الوقود الذي أشعلت بهم الثورة على الحكم الأموي، فأخرجوهم من عاصمة مصر الفسطاط صاغرين، و تحكي كتب التاريخ عن محنة فلول بني أمية بعد تشتتهم، وقبل ذلك فجعهم بسقوط آخر رأس للنظام الأموي مروان بن محمد قتيلا في ساحة معركة الدفاع عن حكم استبدادي كان سببا رئيسيا في خلق الفرقة داخل هذه الأمة.
وآخر مستبد ودعته حلب الشهباء، هو بشار بن حافظ الأسد، الذي نأمل أن يكون السقوط المدوي والمفاجئ لنظامه الدموي، بداية تساقط أصنام أخرى يعاني من ويلاتها العالم العربي، فهذا السيء الذكر الذي دخل و أسرته من باب التاريخ الخلفي كأكبر مجرم في عصرنا الحالي، الذي نكل بشعبه أزيد من ثلاثة عشرة سنة متواصلة، ناهيك عن ثلاثة حقب سابقة لم يكن يسمع في سورية إلا صوت المدافع والرصاص، تم فيها تكميم الأفواه و تغييب الأصوات المعارضة في السجون و المنافي، بل إن فرق القتل داخل النظام كانت تزاول مهنة الذبح بدم بارد في أرضها، و في الخارج ضد رموز مدنية، لم تكن تملك الا رأيها الحر تقارع به حديد و نار البعث النصيري الحاقد. انتهى الأمر به رجلا غير مرحب به، خرج فارا لغير رجعة بعد تدميره لكل مقدرات بلاده الغنية بكل الموارد والكفاءات، يعيش اللجوء السياسي داخل روسيا محاصرا بدعوات أممية للمثول أمام الجنائية الدولية كمجرم حرب.
مبادئ الثورة بين الثبات والنقض
إن الخروج من الثورة إلى بناء مؤسسات الدولة، وتحديد البوصلة لمشاركة الجميع في كل مراحل البناء دون استثناء لأحد وفق قواعد وأصول يتفق عليها غالبية أطياف الشعب السوري، مع استحضار التحديات التي تلقي بثقلها على كل متصدر للمشهد هناك، أولها الجوار للكيان الصهيوني الغاصب الذي لا يخفي نيته التوسعية، و رغبته في قضم أطراف مهمة من التراب السوري بحجة إقامة شريط عازل يحميه من كل هجمات منتظرة.
ثم انتظارات شعب بأكمله لحكومة خرجت من رحم ثورة مسلحة، متشعبة الفصائل تعترضها قضايا جسام، على رأسها شبح التقسيم الذي يعد على نار هادئة من طرف خصوم الداخل والخارج، كل ذلك وسط ضغط دولي و إقليمي بغيته كبح جماح طموح شباب الثورة المسلحة، و فرض واقع يحد من تطلع رجالات دولتها، و يشترط ما يحفظ به مصالحه بأرض الشام ولو على حساب سيادة دولة لا يتوق كثيرون لانعتاقها من ربقة التبعية للخارج.
إن نزوع قادة الثورة الجدد إلى أسلوب التفاوض مع الكيان الصهيوني المحتل، و ما سبقه من سحب للبساط من تحت أقدام الدولة في منطقة السويداء والدخول المكشوف للكيان الغاصب وفرضه لأجندته هناك، وما كان من تفاهمات أملتها المصالح الإقليمية تكشف اليوم وجهها القبيح بلقاء باريس المشؤوم، الذي يعد طعنة في ظهر ثورة قامت لدفع الاستبداد المحلي الأسدي، ومعه روح الحقد الذي تنفث الصهيونية المقيتة سمه القاتل في المنطقة، فإذا بالثوار الجدد يضعون أيديهم للمصالحة والتفاهم مع عدوة الشعوب اللقيطة “إسرائيل” ، في تنكر لمبادئ ثورة عظيمة صنعتها كل فصائل مقاومة النظام البائد، فلا يحق لطرف مهم فيها وصل للحكم بسوريا أن يستفرد بمعالجة ملف يشكل خطرا على الثورة و الدولة، و هو يخطو في الاتجاه الخاطئ نحو تطبيع مكشوف يسود وجه الثورة الناصع بياضا، فعلى كل الفصائل الثورية، ومعها كل الحساسيات الثقافية والمجتمعية الوقوف سدا منيعا أمام هذا الاختراق الصهيوني، للحيلولة دون هذا التقدير غيرالصائب من طرف ساسة الدولة الجدد، الذين يغازلون توجهات إقليمية مصنوعة أمريكيا.
والأخطر من ذلك الدخول في مناكفات طائفية لا تخدم سوى خصوم الخارج الكثر، خاصة مع إشادة كثير من كهول الثورة و شبابها بفترات تاريخية تنكأ الجرح وتزيد من تعميقه، لم تكن يوم محط إجماع عند كثير من علماء الأمة و مصلحيها الذين تعاقبوا على حمل مشعل الإصلاح والتغيير، فالنموذج الأموي الذي استدعاه كثير من الثوارفي أهازيج يوم عيد انتصار الثورة، التي تشيد بالحكم الاموي في تعريض مباشر بالخصوم، يسأئل المستقبل السياسي للبلد، ويعرض مشروعه التغييري للخطر المحدق، فالخط السياسي ينبغي أن يكون واضحا، لا يكتنف ثوابته اللبس، بلد يسع كل أطيافه، بدافع عن كل جزء فيه داخل حدوده التاريخية، ويحافظ على مطالب ثورة التي قامت على نبذ الظلم والاستبداد، و لفظ الطائفية المقيتة أيا كان مصدرها، مع الحرص على جمع شمل الأمة، بارساء نموذج ناجح في البناء يلهم المناصرين لثورة لم تضع السلاح أزيد من ثلاثة عشرة سنة حتى كنست من حمل راية عبية، وحارب تحت رايتها يفرق الأمة ولا يجمعها.
1- كتاب الشورى والديمقراطية ص 239
2- كتاب الشورى والديمقراطية ص 254
3- كتاب الشورى والديمقراطية ص 240
4 – كتاب الشورى والديمقراطية ص 240