منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سوريا ومعضلة احتكار الدولة المبكر للسلاح

سوريا ومعضلة احتكار الدولة المبكر للسلاح/ الدكتور خالد العسري

0

سوريا ومعضلة احتكار الدولة المبكر للسلاح

الدكتور خالد العسري

إشكالية هذا المقال:

قبل يومين،صرح قائد هيئة تحرير الشام، أو “قائد” سوريا الجديد أحمد الشرع بمطلب “حل جميع الفصائل، وجمع السلاح تحت سلطة الدولة”. فهل هي مقدمة إيجابية أم سلبية في الحالة السورية؟

1- فيبر واحتكار الدولة لوسائل العنف المادي

– مبدأ احتكار الدولة لوسائل العنف المادي هو أحد المفاهيم الأساسية في العلوم الاجتماعية والسياسية، وقد تمت صياغته بوضوح مع عالم الاجتماع الشهير ماكس فيبر، في محاضرته بعنوان: (Politics as a Vocation) “السياسة كمهنة”، التي ألقاها في 5 نوفمبر 1919 في جامعة ميونيخ، ثم نشرت لاحقا ضمن مؤلفه: “Economy and Society” (الاقتصاد والمجتمع).

– كانت ألمانيا تشهد اضطرابات سياسية واجتماعية خطيرة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وقد كانت المحاضرة تقديما لحل عقلاني لهذا المخاض، مع شرط أن يكون السلاح المحتكر من الدولة مشروعا، بمعنى أن يكون مقيدا بالقانون حتى لا يخدم طبقة في الدولة.

– تحولت مقولة ماكس فيبر من بدهيات الدولة الحديثة، حيث تحتكر الدولة عبر جهازها العسكري والأمني وسائل العنف المادي، ويمنع على أي كان مشاركتها هذا الاختصاص إلا بترخيص قانوني وإلا توبع بتهم خطيرة.

– من المؤكد أن التعاقد السياسي يقوم ابتداء على تنازل كل مكونات الشعب وأفراده عن حقهم في الدفاع عن أنفسهم والاحتكام إلى سلطة الدولة، وإلا كان البديل عن ذلك هو الفوضى والعنف والحرب الأهلية المدمرة.

2- لمن الأولوية: للتعاقد أم نزع السلاح؟

– إن الإشكالية في هذا الباب، والتي تهم سوريا في هذه اللحظة، هي: لمن الأولوية؟ هل لوضع الخطوط العريضة للتعاقد السياسي وتأجيل جمع السلاح حتى تضمن سوريا حكما ديمقراطيا يحترم الإرادة الشعبية أم أن الأولوية هي لإعادة هيكلة وزارة الدفاع، واحتكار الدولة لكل وسائل العنف المادي من خلال جمع كل قطع السلاح التي حملتها الجماعات المسلحة ضد نظام بشار المجرم؟

– صحيح أن جمع السلاح تحت سلطة الدولة يفرض الأمن والاستقرار اللازمين لأي حراك سياسي، أو استقرار اجتماعي، أو نهوض اقتصادي، أو دفاع عن السيادة السورية ضد دعوات التقسيم وتهديداته.

– لكن صحيح أيضا أن التخوف من تجميع السلاح لتحتكره سلطة تفرض إرادتها على الجميع، وتستقوي به على الآخرين له وجاهته أيضا. لا سيما وأن تجارب الدول العربية والإسلامية بعد الاستقلال أثبتت أن جمع السلاح من حركات التحرير ورجالات المقاومة إنما كانت بهدف تكريس استبداد تغول على الشعب بسبب احتكاره لوسائل العنف المادي.

– إن هذا التخوف مشروع في سوريا، لا سيما وأنني أجد الأمر مثير للقلق -رغم أنه يبدو جد إيجابي – أن يكون هذا الهدوء الزائد عن حده في سوريا، فلم تسع الطوائف، أو كيان روح الشر، او الجماعات المسلحة، أو بقايا النظام … إلى زعزعة هذا “الاستقرار” من خلال أعمال مسلحة، أو تفجيرات، أو اغتيالات. ولا يعني ذلك أن المرء يتمنى ذلك، لكنه خارج عن المألوف عندما يكون الانتقال بهذا الشكل.

– هو مثير للقلق لأن أمريكا والدول الغربية التي كانت تزرع الجماعات المسلحة في الدول حتى تضمن هشاشتها، شهدت كيف انقلبت سياستها عليها، وذاقت من الدول الهشة – كاليمن ولبنان – التي لا يحتكر فيها الجيش السلاح الأمرَّين بسبب ارتداد سلاح تلك التنظيمات ضد المصالح الغربية وممثلها في المنطقة كيان روح الشر. لذلك غيرت من استراتيجيتها، وكان الاتفاق الأخير في لبنان هو نزع سلاح حزب السيد -كان ذلك واضحا في نص الاتفاق -، وهو ما تفعله اليوم في الضفة الغربية حيث تقوم أمريكا بتسليح السطة بإذن كيان روح الشر وبواسطته للقضاء على حالة المقاومة في جنين.

– هو مثير للقلق أيضا لأن قائد سوريا الجديد، والذي جاء من خلفية سلفية متشددة لا تؤمن بالتعددية، تواترت تصريحاته المطمئنة للدوائر الغربية حتى زادت عن الحد، ومن ذلك قوله أن الأراضي السورية لن تكون “مصدر قلق وخوف لأي من دول الجوار”، ونحن نعلم من هي دولة الجوار المقصودة، وذلك رغم أن هذا الكيان المسخ افتخر بكونه قام منذ نشأته بأقوى ضرباته الصاروخية ضد سوريا، والتي قضت على ما يزيد عن 85% من القوة العسكرية لسوريا. فهل كان تصريح “قائد” سوريا الجديد ذكيا أم أنه يقصد حقا ما يقول؟ كل شيء محتمل.

3- كيفية تنظيم السلاح وتأجيل جمعه

– أمام هذه المعضلة ما يكون الحل؟ نزع السلاح من أجل الاستقرار الذي يعد أب الشروط وأمها في كل نهضة أم تأجيله حتى لا يندم السوريون عن تنازلهم عن الوسيلة التي حررتهم من نظام البعث ليسقطوا بعدها في قبضة من نظام قد يخفي وحشيته تحت لحى كثيفة؟ معضلة وأي معضلة. فما الجواب؟

– نلتمس الجواب من الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، فقد عاشت أجواء هذه المعضلة لحظة تشكلها. حيث كان هناك تخوف من أن تتركز القوة، بما فيها السلطة العسكرية، في يد حكومة اتحادية أو ولاية واحدة، مما قد يتيح لها فرض إرادتها على بقية الولايات. لذلك سعت الولايات الصغيرة إلى ضمان وجود ميليشيات محلية قوية ومستقلة تمكنها من الدفاع عن نفسها ضد أي تعدٍّ من حكومة اتحادية قوية.

– لقد كان نتيجة ذلك إقرار التعديل الثاني للدستور الأمريكي في 15 ديسمبر 1791 كجزء من “وثيقة الحقوق” (Bill of Rights)، والذي نص على الآتي:
“A well-regulated Militia, being necessary to the security of a free State, the right of the people to keep and bear Arms, shall not be infringed.”
ويمكن ترجمته على الشكل الآتي: “تعتبر الميليشيا المنظمة جيدًا ضرورية لضمان أمن دولة حرة، لا يجوز انتهاك حق الشعب في الاحتفاظ بالسلاح وحمله”. وهي المادة التي لا زالت سارية المفعول إلى اليوم.

– لقد كان التعديل الثاني جواب طمأنة لمختلف الولايات، ولعموم الشعب، ولكل مناهضي الفيدرالية الذين تخوفوا من احتكار الحكومة المركزية للسلاح والقوة العسكرية، فكانت الفكرة أن بقاء السلاح في أيدي الشعب يحمي الحريات، ويحول دون تحول القوة العسكرية من خدمة الدولة إلى خدمة نظام سياسي مستبد.

– في سوريا، وأمام ضبابية مشروع القادة الجدد، وعدم معرفة مدى استقلالية قرارهم عن القوى الإقليمية والدولية المهيمنة، ومع التجارب التاريخية للدول العربية التي اعتُمِد فيها الجيش كوسيلة لإرعاب الشعب ليتنازل عن سيادته قهرا لصالح منظومة الحكم، فإن الحل عندها قد يكون بعدم التسرع في جمع هذا السلاح؛ بل التوافق بين مختلف مكونات الشعب وطوائفه في كيفية تنظيمه وعدم استغلاله في تهديد السلم المجتمعي، وكونه سيظل بيد التنظيمات إلى حين التوافق الكلي بين السوريين حول النظام السياسي الذي يبعد عنهم نهائيا إمكانية عودة نظام ديكتاتوري أسوأ من نظام بشار المقبور.

– أما إن حصل التوافق السوري على بناء قوة الجيش وأن يكون سابقا على كل الأولويات، فإنه يجب حينها البحث في الضمانات التي تفصل الجيش وقيادته نهائيا عن العمل السياسي، وتجعله تحت رقابة السلطة المدنية، وأن تكون عقيدته العسكرية التي لا يتراجع عنها هي حصر مهمته في الحفاظ على وحدة الدولة ووحدة الأمة. ودون البحث في مثل هذه الضمانات الفعلية سيعيد عاجلا أو آجلا إلى سدة الحكم عسكرا أدمن الانقلاب على سيادة الشعب .. باسم الشعب.

لا فجعنا الله في سوريا
نصر القوي جنده في أرض المسرى المنسية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.