تَبَجَّلَ الصَّيْفُ لِلصَّيْفَيْنِ
تَبَجَّلَ الصَّيْفُ لِلصَّيْفَيْنِ/ ابو علي الصُّبَيْح
تَبَجَّلَ الصَّيْفُ لِلصَّيْفَيْنِ
بقلم: ابو علي الصُّبَيْح
تَبَجَّلَ الصَّيْفُ لِلصَّيْفَيْنِ…
كأنَّ الفصولَ لم تَعُدْ تُقاسُ بحرارةِ الشَّمس، بل بحرارةِ القلوب، وكأنَّ الزمانَ شاخَ حتى صارَ يلبسُ عباءةَ الرمل، ويتكئُ على عصا الريح، ويقصُّ على الكثبانِ أخبارَ قبائلَ أكلتْها السنونُ، ولم يبقَ منها إلا أسماءٌ تهمسُ بها العواصفُ كلما مرَّتْ على ديارٍ أقفرها الرحيل.
كنتُ يومها آخرَ من غادرَ الخيمة…
وكانت النارُ لا تزالُ تتنفسُ تحت الرماد، والدلَّةُ تُرسلُ أنينَ البنِّ إلى السماء، والخيولُ العنيدةُ تضربُ الأرضَ بحوافرها، كأنها تستعجلُ حربًا تأخرت ألفَ عام.
قالت لي أمِّي:
لا تبحثْ عن الطريق… فالطرقُ تعرفُ أسماءَ الجبناء، أمَّا الرجالُ فيصنعونَ لأنفسهم طريقًا من صليلِ السيوف.
ومضيت…
وكانت السماءُ منخفضةً حتى خُيِّلَ إليَّ أنَّ النسرَ يستطيعُ أن يخدشَ الغيمَ بطرفِ جناحه، وكانت الريحُ تعوي كذئبةٍ فقدتْ صغارها، وكان الليلُ يلبسُ فروةَ الذئبِ، ويجلسُ فوق رؤوسِ الجبالِ يراقبُ كلَّ عابرٍ بعينينِ من نار.
هناك…
حيثُ لا ظلَّ إلا ظلُّ السيف…
ولا وطنَ إلا ظهرُ الفرس…
ولا قانونَ إلا الكرامة…
ولا نسبَ إلا المواقف.
رأيتُ الخيلَ العنيدة…
تلك التي لا تُروَّضُ بالعصا، ولا تنحني للجام، ولا تُعطي ظهرَها إلا لفارسٍ يعرفُ كيف يبتسمُ في وجهِ الموت.
كانت أعرافُها كسيلِ الليل، وعيونُها جمراً، وأنفاسُها ريحَ السموم، وإذا صهلتْ ارتجفتْ الأوديةُ، وأفاقتِ النسورُ من أعشاشها، وسكتتِ الضباعُ احترامًا لصوتٍ لا يُشبهُ إلا الرعد.
وكان بينها فرسٌ أدهم…
لا يقتربُ من الخائفين، ولا يسمحُ ليدٍ مرتجفةٍ أن تمسَّ عنقه.
قال شيخُ الفرسان:
هذا لا يحملُ إلا الرجال…
فإنْ رأى في القلبِ ريبةً رماكَ على الرملِ قبل أن يراكَ العدو.
اقتربتُ منه…
فوضعَ رأسَه على صدري…
فعرفتُ أنَّ الخيلَ تقرأُ القلوبَ أكثرَ مما يقرأُ الناسُ الوجوه.
وامتطيتُ ظهرَه…
فشعرتُ أنَّ الأرضَ أصبحتْ أصغرَ من خطوتِه، وأنَّ الريحَ تركضُ خلفنا تستأذنُ في اللحاق.
قطعنا صحارى لا يعرفُ عددَ رمالها إلا الله…
ورأينا آبارًا ماتَ عندها العطشُ واقفًا، لأنَّ الكرامَ كانوا يسقونَ الغريبَ قبل أنفسهم.
ورأينا قبائلَ تبيعُ تاريخَها بثمنِ رغيف، وقبائلَ أخرى كانت تموتُ ولا تبيعُ كلمةً قالتها.
وهناك…
تعلمتُ أنَّ السيوفَ لا تصنعُ المجد…
بل اليدُ التي تحملُها.
وأنَّ الخيلَ لا تُخلِّدُ أسماءَ الفرسان…
بل أخلاقُهم.
ثم مررنا بجبلٍ أسود…
قالوا:
فيه يسكنُ الصدى منذ آلافِ السنين.
كلُّ من صعدهُ سمعَ صوتَه الحقيقي…
فصعدتُ.
ولما بلغتُ القمة…
سمعتُ صوتًا يشبهُ صوتَ أبي…
يقول:
يا بني…
لا تُحاربْ لتنتصر…
بل حاربْ حتى لا تنكسر.
فالانكسارُ موتٌ لا يُدفن.
أما الهزيمة…
فقد تكونُ أولَ أبوابِ النصر.
فنزلتُ من الجبلِ وأنا أحملُ ألفَ عامٍ من الحكمة.
ثم جاء الليل…
ليلٌ لم أرَ مثله.
كانت النجومُ فيه معلقةً كسيوفِ القبائل، والقمرُ درعًا فضيًا، والريحُ تنشدُ مواويلَ البدو، حتى ظننتُ أنَّ الصحراءَ كلَّها تُصلِّي.
وعند الفجر…
خرجتْ الذئابُ من أوكارها.
لكنها توقفت…
لأنَّ الأسودَ كانت قد سبقتها إلى الميدان.
فعرفتُ يومها…
أنَّ الغابةَ لا يحكمها الأكثرُ عددًا…
بل الأصدقُ زئيرًا.
ولمَّا طلعَ النهار…
رأيتُ مدينةً من حجارة.
أبوابُها من ذهب.
لكنَّ أهلَها يلبسونَ وجوهًا ليست لهم.
فتركتُها…
لأنَّ الخيمةَ الصادقةَ عندي…
أشرفُ من قصرٍ يسكنه النفاق.
وواصلتُ الرحلة…
ولم أعد أبحثُ عن نهايةِ الطريق…
لأنني أدركتُ أنَّ الطريقَ الحقيقيَّ هو الذي يصنعُ الرجلَ، لا الذي يوصله.
ومنذُ ذلك اليوم…
كلما سمعتُ صهيلَ الخيلِ العنيدة…
أدركتُ أنَّ المجدَ لا يزالُ حيًّا…
وأنَّ الصحراءَ ما زالتْ تلدُ رجالًا…
إذا قالوا صدقوا…
وإذا وعدوا وفوا…
وإذا قاتلوا…
كتبَ التاريخُ أسماءهم بماءِ الذهب…
لا على صفحاتِ الكتب…
بل على جبينِ الزمن.
**