تقديم كتاب “جماعة المسلمين ورابطتها” من خلال الوقوف على بعض عتباته
تقديم كتاب "جماعة المسلمين ورابطتها" من خلال الوقوف على بعض عتباته / د. رشيدة مصلاحي
تقديم كتاب
“جماعة المسلمين ورابطتها”
من خلال الوقوف على بعض عتباته
د. رشيدة مصلاحي
مقدمة
اشتهر العالم المجدّد والإمام المربّي سيدي عبد السلام ياسين رحمه الله؛ بالنّبوغ المتميّز، والشّخصية القويّة، والهمّة العالية، وقد كان تصوّره الواضح لـ”جماعة المسلمين”، وإلحاحه الدائم على ضرورة تكوين رابطتها، وإحياء بواعث نهضتها، ممّا طبع مُجمل كتاباته العلمية، وميّز جُلَّ مشروعه التّربوي.
إنّ سيدي عبد السلام بحقّ عالمٌ، ومجدّدٌ، ومفكّرٌ، ومربٍّ، وداعية إلى الله.. وقلّما نجد في عصر من العصور من تجتمع في شخصه كل هذه الصّفات الأخلاقية البديعة، والمزايا العلمية الرّفيعة. وقد ورد في الصّحيحين أنّ “الله لا يقبضُ العلمَ انتزاعاً ينتزعُه من العباد ولكن يقبضُ العلمَ بقبض العلماء”[1]. لذلك فمن آفات العلم أن يموت العالم ولا يستفاد من علمه، أو يترك مصنَّفات ولا يُعمل بما تضمّنته ثناياها من معان وأفكار.
ويبقى أنّ آخر ما صدر لهذا العالم الجهبذ والإمام الفذ رضي الله عنه هو: كتاب “جماعة المسلمين ورابطتها”، وسنحاول في هذه المقال المقتضب أن نقدّم الكتاب من خلال الوقوف على بعض عتباته وهي: اسم المؤلّف، وصفحتي الغلاف، والعنوان؛ ومقتطف من المقدمة البارز على صفحة الغلاف الخلفي.
اسم المؤلِّف
يعتبر اسم المؤلِّف سيدي عبد السلام ياسين أحد المحدّدات الأساس لمؤلَّف “جماعة المسلمين ورابطتها”؛ فهو يلازمه وله علاقة وثيقة به. ولذلك فالمؤلَّف هو الخطاب الصّادر عن “مؤلِّف حُجَّة”، أي مُعْتَرف بقيمته العلمية وسُلْطته الرّمزية، ويجوز أن تصْدُر عنه مؤلَّفات، ولذلك يظلُّ كلّ خطاب بحاجة إلى مؤلِّف ضامن لصحّته، فأي كتاب لا يستطيع أن يفرض نفسه دون اسم مؤلِّف يَكْفُله ويُثْبِت صدقه.
ولم تكن الحاجة إلى إسناد النّصوص لأصحابها طارئة عند العرب والمسلمين، ولئن كانت ظاهرة الإسناد قد تطوّرت وشملت حقولاً معرفية كثيرة؛ فإن تنبيه العرب والمسلمين على ضرورة إلحاق الخطاب بصاحبه وسلسلة رُوَّاته ينمّ عن وعي عميق بوجوب “إعطائه هوية” من خلال الكشف عن مصدره وباثِّه، وذلك لتخْليصِه من شوائب التحريف والوضع والانتحال التي تلحق كل نص مجهول المصدر[2].
وأودّ أن أشير إلى أنّ مؤلِّف كتاب “جماعة المسلمين ورابطتها” سيدي عبد السلام ياسين قد عُرف بدقّة تشخيصه للقضايا التاريخية والدينية، وعمق تحليله للظواهر الاجتماعية والثقافية، وحسن تقديره للمسائل الاقتصادية والمعيشية؛ مُؤْتمّاً في ذلك كلّه بالمنهج القرآني، ومستوحياً للمنهاج النبوي، ومُستنيراً بالتراث العلمي لعلماء الإسلام، ومسترشداً بالإرث المعرفي لأئمّة المسلمين؛ ساعده في ذلك اكتسابه للخبرة الرّاقية في مجالي التربية والتعليم، وتبحّره العميق في العديد من الميادين العلمية والمعرفية، وتميزه المرموق بين علماء المسلمين وأئمتهم سواء منهم القدماء والمحدثين.
ونسال الله عز وجل أن نكون غرساً من أغراس سيدي عبد السلام ياسين، وحسنةً من حسناته، ونفعنا الله بما عُرِف به من مكارم الأخلاق، وعمق الفكر، وتنوّع المعارف، وتعدّد الكتابات؛ حتّى نكون ممّن قال فيهم: “أنا أسعد النّاس إذا حصل في ميزان حسناتي أفواج من المحسنين كنت لهم صوتاً يقول: من هنا الطريق.. من هنا البداية..”. وبذلك نهتدي -بإذن الله تعالى- لأيسر السّبل بالوقوف على ثغور الإسلام الشاغرة، ونساهم ولو بالنزر القليل في بناء صرح “جماعة المسلمين” الموعودة والمباركة على الصّلابة والمتانة.
ويمكن القول إنّ العلماء قد اعتبروا التّأليف أطولَ استمراراً، به يمتدُّ عمر الأمّة في الزّمان، وبه تترقَّى مواهبُها، وتتحقَّقُ مكانتُها بين الأمم؛ بَيْد أنَّ مكانة العالِم لا تُقاس فقط بما تركه من مؤلّفات؛ بل وبما أورثه من علم ينقله عنه تلاميذه عبر الزّمن.
لذلك كلّه لم يكتف سيدي عبد السلام ياسين -رحمه الله ورفع درجته في الجنة، وأعطاه من نور خزائن كرمه ورحمته وفضله- بموقع العالم الذّاكر الخبير الذي رسم البُنيان على هدي وبصائر وبيان الوحي الكريم، بل ركن للتي هي أخشن وأثقل على ذوات العلماء، وذلك حين اختار طريق المكابدة والبدل لصناعة مؤمنين ومؤمنات قادرين على الانجاز والبناء والاقتحام.
فـ”العالمُ إذا زَرَعَ علمَه عند غيره، ثم مات جرى عليه أجرُه، وبقيَ له ذكرهُ، وهو عمرٌ ثان وحياةٌ أخرى، وذلك أحقُّ ما تنافس فيه المتنافسون، ورغِبَ فيه الراغبون (…) فـمن ضرورات العلم النافع في الإسلام أن يقْتدي العملُ به، وأن يسير خلفَه ولا يحيد عنه. وقوامُ الوجود علمٌ يواكبه عملٌ. فَعَلِمَ هي عَمِلَ في تراث الإسلام”[3].
صفحتي الغلاف:
يمكن اعتبار صفحة الغلاف الأمامية لـ”جماعة المسلمين ورابطتها” واجهة للكتاب، وتكتسي من هذه الزاوية قيمة هامّة، ومرتبة عالية لكونها تنهض بمهمّة إغراء (séduire) القرّاء الذين يتّجهون مباشرة إليها عند ملامسة المؤلَّف لأوّل وهلة، فهي تعمل على إقناعهم بأهمية الكتاب من خلال التعريف بموضوعه أو كاتبه أو هما معاً، حيث تتضمّن بالاجتماع مع الصفحة الخلفية:
- عنوان الكتاب.
- صفحة لأيقونة (صورة) الغلاف.
- اسم المؤلّف.
كما تقوم الصفحة الخلفية للغلاف بوظيفة مماثلة ومكمّلة للصفحة الأمامية، وذلك باحتوائها على:
- صورة المؤلف.
- مقتطف هام من المقدمة[4].
- الجزء المكمل لأيقونة الغلاف. (إذا اعتبرنا الكتابة قيداً أو رباطاً للعلم فإنّ ظهر الغلاف سيُوحي بنفس الدّلالة التي أوحى بها الغلاف الأمامي).
ولعل أول مُلاحظة تثير الانتباه في كتاب “جماعة المسلمين ورابطتها” هو: أنّ مصمّم الغلاف قام بتسليط الأضواء على كثير من المعالم المكوّنة للصّورة، وذلك بتوظيفه لعدّة عناصر ذات حمولات دلالية عامّة لتفسير الإشارات المختلفة لعنوان الكتاب، وتوضيح الإيحاءات المتنوّعة لمضمونه. ويتنبّه كلّ من أراد أن يلامس هذا الكتاب إلى ذلك الإشعاع المضيء والمُوجّه بشكل مُركّز إلى الحبل المعقود بإحكام.
وإذا دقّقنا النَّظر ظهر لنا ثلاثة حِبال موصولة ببعضها، وتنطلق إلى ثلاث اتجاهات لا متناهية. والمُلاحظُ أنّ عملية انعقاد الحبال الثلاثة استدعت أكثر من عقدة، وأنّ الحبل الذي يتّجه إلى أعلى اليمين يمتاز بالقوّة والمتانة، ويعتصم به حبلان فرعيان كل واحد منهما يأخذ اتجاهً معاكساً للآخر؛ غير أنّ قوّة رابطتهما بالحبل القوي والمتين يمكن أن تكون سبباً في سلوكهم جميعاً اتجاهً واحِداً ومُوَحّداً[5]؛ خصوصاً إذا سُحب الحبل المتين إلى أقصى اليمين.
وربّما تبادر إلى ذهن المتفرّس في مكوّنات لوحة الغلاف بكاملها أنّ عقدة الحبل تشير إلى كل ما هو مشترك بين الاتجاهات المختلفة؛ كما يشير منظر الحبل المعقود إلى ضرورة الاعتصام والتّمسّك بالحبل الموصول بالله، ووجوب الارتباط بالسّبب الموثوق برسول الله، وعدم التّعلّق بالحبال المنفصلة أو الأسباب المتقطّعة[6].
ونخلُص إلى الإشارة أنّ مصمّم الغلاف قد اشتغل في تشكيل لوحته على عدّة أبعاد فنّية ودلالية أهمّها البعد الثلاثي، فالحبل ثلاثي الاتّجاهات، واللّون ثلاثي الأنواع[7]، والعنوان ثلاثي المفردات واسم المؤلف ثلاثي الألقاب.
فاسم المؤلف عبد السلام ياسين –مثلاً- يكتسي بعداً ثلاثياً: (عبد + السلام + ياسين) ويظهر ذلك في إشارة مفرداته إلى المعاني التالية: ففي لفظ عبد إشارة إلى الفرد المسلم، وفي لفظ السلام إشارة إلى اسم من أسماء الله الحسنى، وفي لفظ ياسين إشارة إلى اسم من أسماء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبذلك يكون المعنى الإجمالي لهذه المفردات جميعاً هو: لا فوز للعبد أو الفرد المسلم إلاّ بوجود ذلك الميثاق أو تلك العلاقة التي تجمعه بالله عز وجل، وتربطه برسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمُلاحظُ أنّ مسألة استخدام البعد الثلاثي قد تكرّرت بصفة مستمرّة ومطّردة في كتابات المنظّرين والمحلّلين لمشروع “جماعة العدل والإحسان” مثل النواظم الثلاث واللاءات الثلاث وغيرها؛ بل نجد هذا البعد الثلاثي قد تشكّل في لوحات وصور فنّية متميزة اُتُّخِذت شعاراً للجماعة طيلة مراحل تشكّلها وتكوّنها مثل صورة السفينة والميزان وغيرهما.
العنوان:
لقد حظي العنوان[8] في التراث العربي والإسلامي بعناية خاصة، لكونه من أهم العناصر التي تتصدر الكتاب، وتسبق متنه لتكشف عن مجاله المعرفي، وطبيعة موضوعه، وتسهم في فك رموزه.
وعنوان كتاب “جماعة المسلمين ورابطتها” مكوّنٌ جوهريٌ ورد ضمن عناصر تصدير الكتاب، وذلك في علاقته الأساس بالمصنَّف وقارئه، وفي علاقته بذاته أيضاً، وفي ارتباطه بالسياق الثقافي والاجتماعي الذي أنتجه. ويشير هذا العنوان إلى دلالتين رئيسيتين وهما:
- دلالة قصدية تحدد مضمون الكتاب وتلخص فكرته العامة.
- ودلالة إرسالية تعيّن ممّن الكتاب وإلى من يُوَجَّه.
وقد ذهب ابن عبد الغفور الكلاعي إلى نفس التفسير حين أرجع سبب تسمية العنوان بهذا الاسم إلى أمرين هامين:
أحدهما: أنّه يدلّ على غرض الكتاب.
والآخر: أنّه سمّي عنواناً لأنّه يدلّ على الكتاب ممّن هو وإلى من هو.
وقد كان العرب المسلمين يكتبون في العنوان باسم الله الرحمن الرحيم، أو يجعلونه شعراً؛ فقد عَنْون أبو نواس (ت198ه) أحد كتبه ببيتين من الشعر أوّلهما:
هذا كتابٌ بدَمْعِ عيني *** أملاهُ قلبي على لساني[9]
والمُلاحظُ أنّ عنوان كتاب “جماعة المسلمين ورابطتها” يتّخذ -هو الآخر- بُعداً ثلاثياً إلى جانب اسم المؤلِّف: (جماعة+ المسلمين+ رابطة) وفي هذا إشارة إلى عمق مدلول الكتاب، وفحوى مضمونه بصفة عامة وهو:
أنّ لا فوز ولا خلاص لأي جماعة إلا بالإسلام، ولا فوز ولا خلاص لأي جماعة من المسلمين إلا بوجود رابطة أو ميثاق يؤسّس قاعدة الجماعة بقيادتها بصفة خاصّة، ويجمع هذه الجماعة بغيرها من الجماعات الإسلامية الأخرى ويؤلِّف بينها وبين باقي مكوّنات الأمّة بصفة عامّة.
مقتطف من المقدمة:
لعب المقتطف من المقدمة البارز على صفحة الغلاف الخلفي لكتاب “جماعة المسلمين ورابطتها” دوراً تواصلياً تمثَّل في ثلاثة أمور أساسية وهي:
- ربط القارئ بالموضوع بشكل مباشر.
- الكشف عن مضمون الكتاب، وأهميته وغاية صاحبه.
- الكشف عن نظرة مؤلِّفه لمشروعه في إطار مجاله.
فكان المقتطف بذلك مفتاحاً لأهمّ مغاليق الكتاب، وكان بمثابة الرأس من الجسد أو الأساس من البناء. ولهذا قال علي بن خلف (ق5ه) عن كل ما يُصدَّر به الكلام: “وكما أن الرأس يضم أعضاء الجسد ويرأَسُها، كذلك المقدمة التي يُقدِّمُها المنشئ في صدر كلامه تضمُّ ما تتبعه ويقع في ضمنه، وكما الباني لا بد له من وضع أساس لما يبنيه؛ يعتمِدُ عليه ويستند إليه؛ كذلك مؤلِّف الكلام لا يغني عن تقديم مقدمة يتطرَّقُ منها إلى ما يروم التأليف فيه..”[10]
وقد قدّم سيدي أبو بكر بن الحسن بن الصديق كتاب “جماعة المسلمين ورابطتها” باعتباره جزءاً من كتاب “دولة القرآن“، وقد كُتب هذا المُصنَّف في بداية الثمانينات، ولكنّه يتحدث عن أحداث ما بعد الثورات العربية، وقد تشكّل مضمونه في مقدمة وأربعة فصول.
ولم ينسى سيدي أبو بكر بن الحسن بن الصديق أن يتكلّم في المقدمة عن متانة وعمق كتابات سيدي عبد السلام ياسين، ويبرز إسهاماته المتنوعة في المجالات العلمية والمعرفية المختلفة، ثمّ إنّه لم يغفل الحديث عن مطمح الكتاب في ربأ الصدع بين الدعوة والدولة بتقديم تصور واضح ومتكامل لـ”جماعة المسلمين ورابطتها”.
وبذلك كلّه أشار المقتطف من المقدمة إلى أنّ دور الكتاب قد تمحور حول تقديم تصور واضح لـ”جماعة المسلمين ورابطتها”، وذلك بطرح سؤال رئيس وهو: من هي “جماعة المسلمين” التي تمتلك القدرة والحق في إعادة دولة القرآن للوجود؟
وللإجابة عن هذا السؤال المحوري أكّد الإمام المجدد سيدي عبد السلام ياسين رضي الله عنه على ضرورة تكوين “جماعة المسلمين”، وعلى وجوب معرفة مراحل نشأتها عبر الأقطار الفتنوية، وبالشكل الذي صاغها به الاستعمار؛ كما أكّد على ضرورة توصيف رابطتها داخل كل قطر أو عبر الأقطار، وذلك انطلاقاً من كتاب الله وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن دراسة تاريخ المسلمين، والنظر في واقعهم المهين؛ دون إغفال مسألة التطلّع لمستقبلهم الموعود بعد النّصر والتّمكين.
فمن أراد أن يعرف هويّة “جماعة المسلمين” –في نظر سيدي عبد السلام- فلينظر إلى جماعة المهاجرين التي حافظ عليها سيدنا عمر رضي الله عنه في المدينة. ففي رأيه –رحمه الله- لم يقع الاضطراب والتردّد في معرفة “جماعة المسلمين” إلاّ حين تفرّقت هذه الجماعة وانتشرت في الأمصار، وحين شكّل كلّ عالم من علماء الصّحابة نواة جماعة علمية دعوية تربوية خاصّة به.
يقول سيدي عبد السلام: “كان الصحابة أساتذة جيل التابعين وحّدهم التّخرّج من مدرسة واحدة عنها تلقّوا التربية النبويّة الموحّدة، وفرّقهم اختلاف آرائهم، وتنوّع طباعهم، وكثرة اجتهاداتهم، وتعدّد مواقفهم السياسية، ومن جيل إلى جيل توالدت المدارس”. وقد كان من نتائج هذا التوالد -في نظر سيدي عبد السلام ياسين- حدوث أمرين أساسيين:
الأول: تعذر الإجماع في فقه الدين، وفقه التربية، وفي الولاء أو المجافاة أو القومة للحكم أو عليه.
الثاني: دخول الوهن على الأمّة وما طرأ من خمول، وموت الهمم بنشوء الخلاف، وحدوث لَعِبُ السياسة بالدين.
وفي ظلّ هذه الأحداث التاريخية وفي خضمّ هذه الوقائع الاجتماعية؛ اقترح سيدي عبد السلام ياسين أن نتساءل عن إمكانية جديدة لوجود”جماعة المسلمين” التي تمتلك القدرة والحق في أن تعيد دولة القرآن إلى الواقع.
وهكذا حمل المقتطف من المقدمة توجيهات وإفادات نستطيع بواسطتها وضع الموضوع في إطاره العلمي والتاريخي، كما عمل على كشف محتويات الكتاب بقيامه بعملية الإنباء عن مقصود الكاتب، وبتركيزه على مسألة استدراج القارئ وجلب اهتمامه.
خاتمة:
يعتبر كتاب “جماعة المسلمين ورابطتها” لمؤلِّفه سيدي عبد السلام ياسين من الكتب الرائدة والتي تسعي إلى ترابط الأمة ووحدة كيانها تحت لواء دستورها القرآن العظيم وتعاليم الوحي الكريم. وقد اهتمت جميع كتب الإمام -رحمه الله- بتجديد الفكر الإسلامي والرقي بتصوره للإنسان وحقيقة دوره الفعال في الكون المنطلق من منظومة الاستخلاف، وذلك بمحاولة تكوين جيل القدوة المنشود -في رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته- والمفقود حاليا بسبب عملية التغريب الثقافي واجتثاث الجذور.
وقد كانت كل اهتمامات هذا الإمام المجدد –رحمه الله- تتهافت لإنقاذ هذا العالم الذي تنكر لقيم الحق وأوليات العدل. ودعت إلى الحرية المسؤولة والملتزمة التي تخدم مصالح الإنسان وتساهم في بناء شخصيته وتقدمه بعيدا عن القهر والإذلال والظلم والتجبر والتسلط.
وهكذا كانت إصدارات مؤلفنا سيدي عبد السلام ياسين –رحمه الله- كلها تذكر بأن الموعد الله والدار الآخرة إذ كان يقول دائما: “إن العلم الذي لا يتطلع به القلب إلى النبأ العظيم خداج، والمعرفة التي لا تفتح البصيرة للقاء الله شوهاء”. ولقد دل المسلمين على أيسر السبل وأخذ بأفضل مزاياهم ليساهموا ولو بالنزر القليل في بناء صرح هذا الدين المبارك بإذن الله تعالى على الصلابة والمتانة.
[1] ) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب كيف يُقبض العلم، كما أخرجه مسلم في كتاب، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان. انظر كتاب “مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع” للأستاذ الدكتور سيدي عباس أرحيلة، المطبعة والوراقة الوطنية-مراكش، الطبعة الأولى: 2003م، ص: 29.
[2] ) انظر كتاب “عتبات النص: بحث في التراث العربي والخطاب النقدي المعاصر” للأستاذ الدكتور مولاي يوسف الإدريسي، منشورات مقاربات، مجلة العلوم الإنسانية والآداب والفنون (محكمة تهتم بالبحث العلمي)، الطبعة الأولى: 2008، ص: 26-27، بتصرف.
[3] ) القول لابن القيم (ت752ه) في مفتاح دار السعادة، نقلاً عن كتاب “مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي ” للأستاذ الدكتور عباس أرحيلة، مرجع سابق، ص: 30. يقول المثل المغربي الدارج: اللّي خلّا خليفتو كأنّو ما مات”.
[4] ) انظر كتاب “عتبات النص”، مرجع سابق، ص: 83-84، بتصرف.
[5]) نخطئ الطّريق ونضل الاتّجاه إذا اخترنا الحركة والسّير دون الحبل الموصول بالله أو اخترنا أن نتجاوزه؛ يقول سيدي محمد العبّادي لسنا من الجماعة إذا تقدّمنا أو تأخّرنا عنها، وإنّما المطلوب هو: أن نسير سير الضعفاء في الجماعة ولا نفارقها.
[6] ) يقول الله عز وجل: “إذ تبرّأ الذين اتُّبِعوا من الذين اُتَّبعوا ورأوا العذاب وتقطَّعت بهم الأسباب”، [البقرة: 165].
[7] ) إذا كان اللّون البنّي بأنواعه الثلاثة (القاتم والمتوسّط والفاتح) في صورة الغلاف الأمامي يتعدّد بتعدّد ألوان التّراب فإنّ اللّون الأبيض بجميع تصنيفاته (الأبيض والشفّاف والزُّجاجي) يشير إلى خصائص السّحاب، وإذا كان السّحاب مصدر الخير والرحمة والعطاء الرّبّاني؛ فإنّ التّراب منبع الاستجابة والتفاعل الإنساني. ويلاحظ النّاظر في تصميم الغلاف الخلفي أنّه يشبه إلى حدّ كبير الغلاف الأمامي؛ إذ تأسّس هو الآخر على البعد الثلاثي؛ فصورة الكاتب واللّون البنّي القاتم والفقرة المقتطفة من مقدمة الكتاب والمكتوبة باللون الأبيض تشكل كلها أبعاداً ثلاثية.
[8] ) العنوان لغة هو “الأثر الذي يعرف به الشيء”. انظر كتاب “أدب الكتاب” لأبي بكر الصولي، ص: 144. نقلاً عن كتاب “عتبات النص”، ص: 33. وهناك من قال علوان الكتاب جعل النون لاماً لأنّه أخفّ وأظهر من النّون.
[9] ) انظر كتاب “عتبات النص”، مرجع سابق، ص: 32. بتصرف.
[10] ) انظر كتاب “مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع للأستاذ الدكتور عباس أرحيلة، مرجع سابق، ص: 5. و”يقول الإمام النووي (يحيى بن شرف 676ه): ومن اُلْمصنفين من يترك موضعَ الخُطبة بياضاً، فإذا فرَغَ ذكرها… لتكون عبارتَه في الخطبة موافقةً لما ذكَرَه”. {المجموع، شرح المهذب: 1/77}. نقلاً عن كتاب “مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي”، ص: 5.