منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الولادة الروحية:دراسة في عقبات بناء الإنسان وشروط ميلاده القلبي

الولادة الروحية:دراسة في عقبات بناء الإنسان وشروط ميلاده القلبي/ د. عبد الإلاه بالقاري

0

الولادة الروحية:

دراسة في عقبات بناء الإنسان وشروط ميلاده القلبي

Spiritual birth:

A Study on Psychological Development Obstacles and Conditions for soul’s purification

د. عبد الإلاه بالقاري

باحث بمركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات (مفاد) – المغرب

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد التاسع 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

الملخص:

تجيب هذه الدراسة عن بعض العقبات التي تحول دون اقتباس الإنسان من أنوار القرآن الكريم وتمثل أحكامه، وتبسط الحديث عن الشروط القرآنية الكفيلة بميلاده في عالم الإيمان، وتؤكد أن البناء الذي يريده الإسلام للإنسان هو بناء إيماني إحساني مصدره الوحي الرباني، ومنهاجه عمل النبوة، هدفه تغيير ما بنفس الإنسان وتحرير عقله، وبعث إرادته، وغايته إصلاح القلب حتى ينتقل من الغفلة إلى السير المهتدي إلى إرادة وجه الله والدار الآخرة. فلا تصح التربية إلا بهدي التنزيل الحكيم، منه ننطلق وإليه ننتهي، به تطب القلوب، وتهذب الأخلاق.

كلمات مفتاحية: بناء الإنسان – العقبات – ميلاد القلب – الشروط.

Abstract:

This study responds to certain obstacles that prevent human being from getting Qur’an illuminations and taking its decisions as a model mentioning Quranic conditions that light faith in the heart. It also asserts that Islam wants humanity to develop their faith and benevolence basing on divine revelation and prophetic method which targets to change human behavior and thinking. These areas prepare human for the hereafter. So education is correct only with the wise revelation which remains the start and the destination.

Keywords: soul, obstacles, spiritual birth, faith, benevolence, humans, Psychology, development.

مقدمة:

لقد زخر تراثنا الإسلامي بعد القرون الثلاثة التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية، وإلى يومنا هذا بمدارس تربوية متعددة عنيت بالكيان الباطني الروحي للإنسان؛ إلا أن هذه المدارس حادت في عمومها عن التربية الإيمانية القرآنية التي تروم بناء الإنسان بناء متكاملا؛ انطلاقا من كبده الفردي والجماعي، وترفعه مع الجماعة المؤمنة إلى قمة العقبة، إلى حيث ينال رضى الله دنيا وأخرى.

ويستمد الحديث عن بناء وتربية الإنسان في القرآن الكريم أهميته، ويثبت جدوى الاعتناء به من كونه يهديه إلى عقيدة واضحة سهلة لا غموض فيها ولا التواء، يحرر روحه من الأوهام والخرافات كما يحرر طاقاته للعمل والبناء، فما صلح به الجيل القرآني النبوي الأول تصلح به الأجيال إلى يوم القيامة إن كانت التربية والتعليم قرآنيين نبويين.

ولما كانت التربية القرآنية تحتضن الإنسان في جميع أبعاده الوجدانية والعقلية والسلوكية، تعيّن علينا أن ننظر للحقيقة الإنسانية بالنظرة القرآنية التي أحلَّت الإنسان محل التكريم والتفضيل، وأناطت به وظيفة الخلافة في الأرض، مُعترفةً به كُلاّ متماسكاً كما فطره خالقه سبحانه: جسماً وروحاً، قلباً وعقلاً، إرادةً ووجداناً.

إن القرآن الكريم دليل بناء الإنسان ومادته، قال الله تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) (سورة النحل: 44)، فلا تصح تربية الفرد إلا بهدي القرآن، منه ننطلق وإليه ننتهي، به تطب القلوب، وتهذب الأخلاق. ومن أصدق المعايير على تردي تربيتنا بعدنا عن منهج القرآن الكريم وتعاليمه، حالت بيننا وبين تلمس نوره والاهتداء بأحكامه ما كسبت أيدينا، قال تعالى (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (المطففين: 14)، هذا الانحدار التربوي المريع يقودنا إلى طرح السؤالين التاليين:

ما هي العقبات التي تحول دون اقتباس الإنسان من أنوار القرآن الكريم وتمثل أحكامه؟ وماهي الشروط القرآنية الكفيلة بميلاده في عالم الإيمان؟

للإجابة عن هذين السؤالين، أرى أن يكون موضوع هذا المقال بعد هذه المقدمة في محورين اثنين:

المبحث الأول: عقبات بناء الإنسان في القرآن الكريم

يخاطب القرآن الكريم الإنسان من حيث كونه إنسانا في كبد، يستحثه للنهوض من الجهل بالله والقعود عن السير والسلوك إلى الله. يشجعه على اقتحام العقبة التي يتجاوز باقتحامها عوائق الشح المجبولة عليه النفوس، فيصبح مؤهلا للانضمام في سلك المؤمنين المتواصين بالصبر والمرحمة، المصطفين للميمنة والسعادة عند الله. قال الله تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإنسَانَ في كَبَدٍ) (البلد:4)، وقال جل جلاله يلوم هذا الإنسان لميله إلى الراحة وإخلاده إلى الأرض، ويحثه على اليقظة والاقتحام: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إطْعَام في يَوْمٍ ذي مَسْغَبَةٍ يَتيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مسْكيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ منَ الَّذينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بالصَّبْر وَتَوَاصَوْا بالْمَرْحَمَة أُوْلَئكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَة وَالَّذينَ كَفَرُوا بآيَاتنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَة عَلَيْهمْ نَار مُّؤْصَدَة) (البلد:11 ـ 20)

إن النداء القرآني يخاطب أعمق ما في الإنسان وهو شعوره بالخواء والعبث ما دام بعيدا عن الله. ثم يرفعه في صحبة المؤمنين المتواصين الصابرين المتراحمين إلى طلب أسمى غاية وهي وجه الله والاستواء مع أصحاب الميمنة. لكن تعترض تربيةَ المؤمن وبناءه البناء القويم عقبات عدة، يمكن تلخيصها في ثلاث:

  • العقبة الأولى: الإبليسية

وأقصد بالإبليسية في هذا المقام، الأنانية المستعلية التي يعوق أصحابَها عن اقتحام عقبات السير إلى الله تعالى امتلاءُ مما هم فيه وطلب المزيد مما هم فيه. أنانية تستعبد الفرد لهوى نفسه أو لهوى غيره، وأول من سن ّذلك إبليس، قال الله تعالى (إذْ قَالَ رَبُّكَ للْمَلَائكَة إنّي خَالق بَشَرًا منْ طينٍ فَإذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فيه منْ رُوحي فَقَعُوا لَهُ سَاجدينَ فَسَجَدَ الْمَلَائكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إلَّا إبْليسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ منَ الْكَافرينَ قَالَ يَا إبْليسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لمَا خَلَقْتُ بيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ منَ الْعَالينَ قَالَ أَنَا خَيْر منْهُ خَلَقْتَني منْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ منْ طينٍ). (ص: 71 ـ 76)، هذه هي الإبليسية التي تقطع حبال الوصل بالله تعالى وتؤدي إلى الامتناع عن امتثال أمره سبحانه وحكمه، إنها آفة عظيمة مهلكة. قال ابن كثير: «كان ـ أي إبليس ـ من الجن فخانه طبعه وجبلته أحوج ما كان إليه فاستنكف عن السجود لآدم وخاصم ربه عز وجل فيه، وادعى أنه خير من آدم؛ فإنه مخلوق من نار وآدم خلق من طين، والنار خير من الطين في زعمه، وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر الله تعالى وكفر بذلك فأبعده الله عز وجل وأرغم أنفه وطرده عن باب رحمته ومحل أنسه، وحضرة قدسه، وسماه إبليس إعلاما له بأنه قد أبلس من الرحمة وأنزله من السماء مذموما مدحورا إلى الأرض»[1].

وقال ابن كثير في موضع آخر في شأن امتناع إبليس لأمر الله تعالى بالسجود لآدم عليه السلام بسبب أنانيته المستعلية وحبه المفرط لذاته: «وقول إبليس لعنه الله أنا خير منه من العذر الذي هو أكبر من الذنب، كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، يعني لعنه الله وأنا خير منه فكيف تأمرني بالسجود له؟ ثم بين أنه خير منه بأنه خلق من نار، والنار أشرف مما خلقته منه وهو الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسا فاسدا في مقابلة نص قوله تعالى: فقعوا له ساجدين فشذ من بين الملائكة لترك السجود.»[2].

إن الأنانية مرض عضال ومعول هدام يفوق خطرها كل غريزة؛ لأنها تستخدم بقية الغرائز لإشباع متطلباتها، إنَّها أعظم عقبة تعانيها البشريَّة ـ فردا وجماعة ـ لأنها تسكن النفس، فمن لم يمسك بتلابيب نفسه واقتحم عقبة أنانيته ضل وهلك. كما أنها إذا شاعت في المجتمع انحلّت عقده، وانفصمت عراه؛ ولذلك جاء الإسلام لعلاج هذا المرض الذي يفتك بالفرد والمجتمع، حيث دعا الإسلام إلى التحلي بالإيثار ومحاربة الأنانية، قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»[3].

قال النووي: «قال العلماء رحمهم الله معناه لا يؤمن الإيمان التام»[4]، فالمراد من النفي في هذا الحديث نفي كمال الإيمان، قال ابن دقيق في شرح الأربعين: «لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه، والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا ينقص عليه شيء من النعمة، وذلك سهل قريب على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدغل عافانا الله تعالى وإخواننا أجمعين»[5].

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: «وحديث أنس يدلُّ على أنَّ المؤمنَ يَسرُّه ما يسرُّ أخاه المؤمن، ويريد لأخيه المؤمن ما يريده لنفسه من الخير، وهذا كلُّه إنَّما يأتي من كمال سلامة الصدر من الغلّ والغشّ والحسد، فإنَّ الحسدَ يقتضي أن يكره الحاسدُ أن يفوقَه أحد في خير، أو يساويه فيه؛ لأنَّه يُحبُّ أن يَمتاز على الناس بفضائله، وينفرد بها عنهم، والإيمان يقتضي خلافَ ذلك، وهو أن يشركه المؤمنون كلُّهم فيما أعطاه الله من الخير، من غير أن ينقص عليه منه شيء»[6]، وقال رحمه الله أيضا: «وفي الجملة فينبغي للمؤمن أن يُحبَّ للمؤمنين ما يُحبُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، فإن رأى في أخيه المسلم نقصاً في دينه اجتهد في إصلاحه»[7].

وحاصل القول، فإن الأنانية محرمة في الإسلام، إذ هي من أكبر العوائق عن الكمال البشري، ومن أعظم المهالك في الحال والمآل، فكم من عز صيرته ذلا، وكم من قوة أحالتها ضعفا.

  • العقبة الثانية: الفرعونية

وأقصد بهذه العقبة الكبر والاستعلاء على الخلق، وحقيقة الكبر كما نص الإمام الغزالي رحمه الله أن يرى المرء «نفسه فوق غيره في صفات الكمال، فيحصل فيه نفخة وهزة من هذه الرؤية والعقيدة»[8]، والكبر من الصفات الذميمة وشر محض لا خير فيه، فكفى به داء عضالا، وكفى به على صاحبه وبالا، وهو من أعظم العوائق عن بناء الإنسان وتربيته التربية المتوازنة، ذلك أن المتكبر تصدر عنه أفعال بغيضة كالترفع في المجالس، والنظر إلى الناس بعين التحقير، والغضب إذا لم قصر في تبجيله وتعظيمه، قال الإمام الغزالي مفصلا خطورة الكبر: «وإنما عظم الكبر حتى لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة منه، لأن تحته ثلاثة أنواع من الخبائث العظيمة:

أولها: أنه منازعة الله في خصوص صفته، إذ الكبرياء رداؤه، كما قال الله، فإن العظمة لا تليق إلا به. ومن أين تليق العظمة بالعبد الذليل الذي لا يملك من أمر نفسه شيئا، فضلا عن أمر غيره.

الثانية: أن يحمله على جحد الحق وازدراء الخلق.

الثالثة: أنه يحول بينه وبين جميع الأخلاق المحمودة، لأن المتكبر لا يقدر أن يحب للناس ما يحب لنفسه، ولا يقدر على التواضع، وعلى ترك الانفة والحسد والغضب، ولا يقدر على كظم الغيظ، وعلى اللطف في النصح، وعلى ترك الرياء.

وبالجملة فلا يبقى خلق مذموم إلا ويضطر المتكبر إلى ارتكابه لحفظ كبره، ولا خلق محمود إلا ويضطر إلى تركه»[9].

وقد ضرب الله تعالى لنا في القرآن العظيم أمثلة للمستكبرين المتجبرين في الأرض، أقتصر ـ اختصارا ـ على ذكر مثالين اثنين:

  • أولا: فرعون

وهو من أئمة المتكبرين الذين تجبروا وعثوا في الأرض فسادا، بلغ به الكبر أن ادعى الربوبية: )أنا ربكم الأعلى(، و )يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري(، فأغرقه الله تعالى وغيبه في قعر الماء جزاء تكبره، قال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط: «ولما كان الغرق من أعسر الموتات وأعظمها شدة، جعله الله تعالى نكالا لمن ادعى الربوبية، فقال: أنا ربكم الأعلى، إذ على قدر الذنب يكون العقاب، ويناسب دعوى الربوبية والاعتلاء انحطاط المدعي وتغييبه في قعر الماء.»[10]. [11].

  • ثانيا: قوم عاد

قوم عاد هم القوم الذين دعاهم نبي الله هود عليه السلام إلى عبادة الله وترك عبادة الأوثان، لكنهم استكبروا ولم يستجيبوا،

قال تعالى: (فَأَمَّا عَاد فَاسْتَكْبَرُوا في الْأَرْض بغَيْر الْحَقّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ منَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ منْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بآيَاتنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهمْ ريحًا صَرْصَرًا في أَيَّامٍ نَحسَاتٍ لنُذيقَهُمْ عَذَابَ الْخزْي في الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخرَة أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) (فصلت: 15 ـ 16).

وهذا مثال آخر على علو واستكبار النفس البشرية في الأرض، فقوم عاد استكبروا في الأرض وتعظموا على أهلها واستعلوا فيها واستولوا على أهلها بغير استحقاق، حيث «كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم، وقد بلغ من قوتهم أن الرجل كان ينزع الصخرة من جبل فيقتلعها بيده»[12]، فاغتروا واستكبروا بقوتهم وشوكتهم، فأرسل الحق سبحانه وتعالى عليهم ريحا باردة أهلكتهم. قال ابن كثير: «فبارزوا الجبار بالعداوة، وجحدوا بآياته وعصوا رسوله، فلهذا قال: (فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا) قال بعضهم: وهي الشديدة الهبوب. وقيل: الباردة. وقيل: هي التي لها صوت. والحق أنها متصفة بجميع ذلك، فإنها كانت ريحا شديدة قوية؛ لتكون عقوبتهم من جنس ما اغتروا به من قواهم، وكانت باردة شديدة البرد جدا، كقوله تعالى: (بريح صرصر عاتية) (الحاقة:6)، أي: باردة شديدة، وكانت ذات صوت مزعج»[13].

  • العقبة الثالثة: القارونية:

وأقصد بالقارونية استغناء النفس البشرية عن الله تعالى في جميع الأمور، وهي عقبة تمنع المرء من الاتصاف بالخلال الحميدة وتمثل الفضائل ومحاسن الأفعال والأقوال، إنها رذيلة خطيرة مهلكة موجبة لمقت الله وعذابه، ونمثل لها في هذا المقام بقارون الذي حكى لنا القرآن الكريم قصته، قال تعالى: (إنَّ قَارُونَ كَانَ منْ قَوْم مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهمْ وَآتَيْنَاهُ منَ الْكُنُوز مَا إنَّ مَفَاتحَهُ لَتَنُوءُ بالْعُصْبَة أُولي الْقُوَّة إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لَا يُحبُّ الْفَرحينَ وَابْتَغ فيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصيبَكَ منَ الدُّنْيَا وَأَحْسنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ وَلَا تَبْغ الْفَسَادَ في الْأَرْض إنَّ اللَّهَ لَا يُحبُّ الْمُفْسدينَ قَالَ إنَّمَا أُوتيتُهُ عَلَى علْمٍ عنْدي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ منْ قَبْله منَ الْقُرُون مَنْ هُوَ أَشَدُّ منْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبهمُ الْمُجْرمُونَ) (القصص: 76 ـ 78)

قال الشوكاني رحمه الله تعالى: «قيل المعنى: إن الله آتاني هذه الكنوز على علم منه باستحقاقي إياها لفضل علمه مني»[14]. فقارون لم ينسب ما أوتي إلى بارئه سبحانه افتقارا إليه وانكسارا إنما نسبه إلى نفسه استحقاقا واغترارا، وقد «نبه القرآن على خطئه في اغتراره وعارض منزعه»[15].

إن الناس جميعا ـ غنيهم وفقيرهم كبيرهم وصغيرهم ـ فقراء إلى الله تعالى في كل شيء في تدبيرهم وتخطيطهم، وقيام أمورهم، وإصلاح شؤونهم، لا يستغنون عنه طرفة عين، ولا أقل من ذلك، فالله هو الغني المطلق، والناس فقراء محتاجون إليه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إلَى اللَّه وَاللَّهُ هُوَ الْغَنيُّ الْحَميدُ) (فاطر:15). وقد جعل الله استغناء العبد عنه موجبا لهلاكه، قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ بَخلَ وَاسْتَغْنَى * وكَذَّبَ بالْحُسْنَى * فسَنُيَسّرُهُ للْعُسْرَى( (الليل:8-10)، وأخبر أن رؤيته غنى نفسه، سبب طغيانه، فقال كلَّا إنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى( (العلق: 6-7)، ولذلك فالموفق من خلق الله تعالى أعظمهم رؤية وشهودا لفقره وحاجته إلى ربه جل وعلا.

قال ابن القيم رحمه الله: «قال تعالى: (كَلاّ إنّ الإنسَانَ لَيَطْغَىَ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (العلق: 6-7) ولم يقل: إن استغنى، بل جعل الطغيان ناشئاً عن رؤية غنى نفسه، ولم يذكر هذه الرؤية في سورة الليل، بل قال: (وَأَمّا مَن بَخلَ وَاسْتَغْنَىَ وَكَذّبَ بالْحُسْنَىَ فَسَنُيَسّرُهُ للْعُسْرَىَ) (الليل: 8-10)، وهذا- والله أَعلم- لأَنه ذكر موجب طغيانه، وهو رؤية غنى نفسه، وذكر في سورة الليل موجب هلاكه، وعدم تيسيره لليسرى، وهو استغناؤه عن ربه بترك طاعته وعبوديته، فإنه لو افتقر إليه، لتقرب إليه بما أَمره من طاعته، فعل المملوك الذي لا غنى له عن مولاه طرفة عين، ولا يجد بداً من امتثال أَوامره، ولذلك ذكر معه بخله، وهو تركه إعطاء ما وجب عليه من الأَقوال، والأَعمال، وأداء المال، وجمع إلى ذلك تكذيبه بالحسنى، وهي التي وعد بها أَهل الإحسان بقوله: (لّلّذينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَىَ وَزيَادَة) (يونس: 26)»[16].

المبحث الثاني: شروط الميلاد القلبي للإنسان في القرآن الكريم

إن الحكم بنجاح بناء الإيمان في قلب الفرد وبناء فقه الحركة في عقله وسلوكه؛ رهين باقتحامه للعقبات السابقة، ولا يتم هذا الاقتحام إلا بتحقق شروط نص عليها القرآن الكريم، حيث تتجلى فيها خطوط القوة عند المؤمن المقبل على ربه، وعند الأمة الناهضة لأداء رسالة الله سبحانه في الأرض، ويأتي على رأس تلك الشروط:

  • الشرط الأول: البيئة الصالحة

إن البيئة الصالحة أو ما يصطلح عليه أرباب التربية بالصّحبة شرط لاقتحام عقبة الأنانية الفردية الحائلة بين الإنسان وبنائه بناء تربويا إيمانيا متوازنا، ومن الأدلة المؤسسة لهذا الشرط:

قوله سبحانه وتعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) (الفتح: 29)، فبالصحبة النبوية وبالتآخي في الله تعالى بدأ بناء الفرد والجماعة المسلمة القوية، محبة مركزة على شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، خالطت بشاشتها القلوب فحولت غلظة الأعراب إلى رحمة ورفق ورقة، ودفعتهم إلى العلم النافع والعمل الصالح.

وقوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) )الكهف:28، هذه البيئة الطيبة المجتمعة على حب الله تعالى وإرادة وجهه سبحانه، القصد منها استلهام الصحبة النبوية في تجسيد معاني الحب في الله تعالى الحافظة لصفاء الفطرة، المستجيبة لنداء الحق إلى الخلق بالمسارعة والمسابقة، وتقوم على أساس المحبة والتلمذة والاتباع والاجتماع على فهم وتنزيل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تطبيقا في حياة الناس.

وقول الله تعالى: (إنَّمَا الْمُؤْمنُونَ إخْوَة فَأَصْلحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)) (الحجرات: 10)، قال البيضاوي: «إنما المؤمنون إخوة من حيث إنهم منتسبون إلى أصل واحد وهو الإيمان الموجب للحياة الأبدية»[17]، وإن حقيقة هذه الأخوة الإيمانية القرآنية تتجلى في الصحبة بين المؤمنين في الله سبحانه، هذه الصحبة الطيبة البانية غير الألفة العادية بين سائر الناس التي لا مطمح لها إلى المعالي.

وقوله تعالى: (قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشيرَتُكُمْ وَأَمْوَال اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتجَارَة تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ منَ اللَّه وَرَسُوله وَجهَادٍ في سَبيله فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتيَ اللَّهُ بأَمْره وَاللَّهُ لَا يَهْدي الْقَوْمَ الْفَاسقينَ) (التوبة: 24)، أمر الحق سبحانه هنا بمحبته ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن الأخوة والتحاب بين المؤمنين تزهر محبة الله ورسوله في القلب، جاء في الحديث الشريف المروي عن سيدنا أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار.»[18].

ومن ثمار الصحبة في الله تعالى أن المرء يحشر معهم يوم لقاء الله تعالى، إذ المرء مع من أحب يوم القيامة، أخرج الإمام مسلم بسنده المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق أنس رضي الله عنه، قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «وما أعددت للساعة؟» قال: حب الله ورسوله، قال: «فإنك مع من أحببت» قال أنس: فما فرحنا، بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنك مع من أحببت» قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله، وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بأعمالهم.»[19].

وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل.»[20].

يبين الحديث النبوي أن دين الرجل على دين أصحابه، فإذا صحب المؤمنين كان مؤمنا، وعليه فلا ينبغي للمرء أن يصحب أيا كان، بل يتعين عليه أن ينقب ويتحرى صحبة الأخيار من خلق الله تعالى.

قال الشيخ شمس الحق آبادي «فمن رضي دينه وخلقه خالَلَه، ومن لا، تجنبه فإن الطباع سراقة.»[21]، وإلى هذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة.»[22].

وكذلك ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي.»[23]، قال الخطابي: «وإنما حذر عليه السلام من صحبة من ليس بتقي وزجر عن مخالطته ومؤاكلته، فإن المطاعمة توقع الألفة والمودة في القلوب.»[24].

وحاصل القول، فإن صحبة المؤمن لأهل الله تعالى، ومحبتهم فيه سبحانه، تشكل ركيزة أساسية من ركائز التربية الإيمانية.

  • الشرط الثاني: ذكر الله الدائم

إن قوام بناء الفرد تزكية نفسه بذكر الله حتى يغلب هواه وشيطانه، ذكر الله يتجلى في التمسك بكتابه وهو الذكر الحكيم، ويتجلى في توحيده وإفراده بالعبادة، ذكر الله في الفرض والنفل، في التلاوة والذكر المشروع.

ينص القرآن الكريم على أن كل العبادات تتضمن الذكر، قال جل جلاله (اتْلُ مَا أُوحيَ إلَيْكَ منَ الْكتَاب وَأَقم الصَّلَاةَ إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكَر وَلَذكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت: 45)، وَرد الذكر هنا في سياق الحديث عن التلاوة والصلاة، ويقول سبحانه وتعالى عن الصيام: (وَلتُكْملُواْ الْعدَّةَ وَلتُكَبّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة: 185) وفي الحج؛ قبله وأثناءه وبعده يقول عز من قائل: (ذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عندَ الْمَشْعَر الْحَرَام وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإن كُنتُم مّن قَبْله لَمنَ الضَّآلّينَ ثُمَّ أَفيضُواْ منْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفرُواْ اللّهَ إنَّ اللّهَ غَفُور رَّحيم فَإذَا قَضَيْتُم مَّنَاسكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذكْركُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذكْراً) إلى أن قال سبحانه: (واذكروا الله في أيام معدودات). (البقرة: 198 ـ 200)

تنبني الشخصية الإيمانية بذكر الله تعالى، وكل العبادات شرعت لذكر الله، وجميع الأعضاء منتدبة لذكر الله؛ ذكر القلب أعظمها، ثم ذكر اللسان، ثم ذكر الأعضاء عندما تتكيف بكيفيات الصلاة، أو تُمْسك نهارَ الصوم، أو تطوف وتسعى وتقف وترمي في نسك الحج.

وقد ورد الذكر في القرآن الكريم على عدة أوجه، نذكر منها:

  • الوجه الأول: الأمر به مطلقا ومقيدا

ومثال الذكر المطلق قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذكْرًا كَثيرًا (41) وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصيلًا (42)) (الأحزاب: 42)

وورد مقيدا في قوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسكَ تَضَرُّعًا وَخيفَةً وَدُونَ الْجَهْر منَ الْقَوْل بالْغُدُوّ وَالْآصَال وَلَا تَكُنْ منَ الْغَافلينَ (205)) (الأعراف: 205)

  • الوجه الثاني: النهي عن ضده من الغفلة والنسيان

ومثاله قوله تعالى: (وَلَا تَكُنْ منَ الْغَافلينَ (205)) الأعراف: 205، وقوله جل حلاله: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئكَ هُمُ الْفَاسقُونَ (19)) (الحشر: 19)

  • الوجه الثالث: الاطمئنان بالذكر

ذلك أنه من لا طمأنينة له بذكر الله تعالى لم يستكمل صفات الإيمان، قال الله تعالى: (الَّذينَ آمَنُوا وَتَطْمَئنُّ قُلُوبُهُمْ بذكْر اللَّه أَلَا بذكْر اللَّه تَطْمَئنُّ الْقُلُوبُ (27)) (الرعد: 27)

  • الوجه الرابع: الإخبار أنه أكبر من كل شيء

ومثاله قوله تعالى: (اتْلُ مَا أُوحيَ إلَيْكَ منَ الْكتَاب وَأَقم الصَّلَاةَ إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر وَلَذكْرُ اللَّه أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)) (العنكبوت: 45)

  • الوجه الخامس: الذكر الكثير يرفع إلى مقال الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم

قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُول اللَّه أُسْوَة حَسَنَة لمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثيرًا (21)) (الأحزاب: 21)

قال ابن القيم مبينا منزلة الذكر: «وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا، وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بورا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الطريق ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب.

..وفي كل جارحة من الجوارح عبودية مؤقتة، والذكر عبودية القلب واللسان وهي غير مؤقتة، بل هم مأمورون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كل حال: قياما وقعودا وعلى جنوبهم. فكما أن الجنة قيعان وهو غراسها، فكذلك القلوب بور وخراب وهو عمارتها وأساسها»[25].

وخلاصة القول، فإن ذكر الله تعالى هو المحور الذي تدور عليه التربية الروحية بعد الأخوة والحب في الله تعالى، إنه كلمة جامعة لكل العبادات والقربات، ولذلك فهو شرط أساسي من شروط التربية القرآنية وبناء الإنسان بناء سويا مثمرا.

  • الشرط الثالث: رجولة الأخلاق الإيمانية

وأقصد برجولة الأخلاق الإيمانية صدق استعداد الإنسان ليتحلى بشعب الإيمان، ويندمج في مجتمع المؤمنين ويكون له من قوة الإرادة وطول النفس ما يمكنه من فعل الخيرات وترك المنكرات حتى الممات. والصدق خصلة إيمانية جامعة تناقض النفاق والرياء والادعاء والاستغناء، ولا يعرف الصادق إلا عند الاختبار، عند إعطائه برهان صدقه.

وقسم الله سبحانه الناس إلى صادق ومنافق، فقال (ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم) (الأحزاب: 24). والإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب، فلا يجتمع كذب وإيمان.

وقد أمر الله تعالى بالكينونة مع الصادقين، قال جل جلاله: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادقينَ (119)) (التوبة: 119)، قال أبو حيان الأندلسي: «هو خطاب للمؤمنين، أمروا بكونهم مع أهل الصدق»[26]. فالمؤمن يتعين عليه أن يلزم الصدق وأن يكون من أهله حتى ينجو من المهالك، ويجعل له الحق سبحانه فرجا من أموره ومخرجا. وقال البيضاوي: «كونوا مع الصادقين في إيمانهم وعهودهم، أو في دين الله نية وقولا وعملا»[27].

وأخبر الله تعالى في يوم القيامة أنه لا ينفع العبد وينجيه من عقابه سبحانه إلا صدقه، قال تعالى: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادقينَ صدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّات تَجْري منْ تَحْتهَا الْأَنْهَارُ خَالدينَ فيهَا أَبَدًا رَضيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلكَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ (119)) (المائدة: 119)، وقال جل جلاله: (منَ الْمُؤْمنينَ رجَال صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْه فَمنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمنْهُمْ مَنْ يَنْتَظرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْديلًا (23) ليَجْزيَ اللَّهُ الصَّادقينَ بصدْقهمْ وَيُعَذّبَ الْمُنَافقينَ إنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحيمًا (24)) (الأحزاب: 23 ـ 24)

والصدق حسب الإمام ابن القيم ثلاثة: «فالصدق في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال، كاستواء السنبلة على ساقها. والصدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة. كاستواء الرأس على الجسد. والصدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص. واستفراغ الوسع، وبذل الطاقة، فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق. وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به: تكون صديقيته. ولذلك كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه: ذروة سنام الصديقية، سمي الصديق على الإطلاق»[28]. إن الصدق ركن أساسي في بناء شخصية المؤمن، وهو يناقض النفاق والرياء والادعاء، كما يناقض البقاء على العادات السلبية والأنانيات البغيضة.

خاتمة:

في الختام، هذه بعض الخلاصات المتوصل إليها، وهي على المنوال الآتي:

ـ تعترض الإنسان في سلوكه إلى الله تعالى عقبات منها ما هو من صنع نفسه وبعضها من صنع عدوه، فإذا به معوق مريض مختلط هائم على وجه الزمن، ومن أعظم العقبات التي تحول دون كمال الإنسان نفسه التي بين جنبيه، فهي مصدر الشر والسوء.

ـ لا يصح بناء الإنسان إلا بهدي القرآن منه ننطلق وإليه ننتهي، به تطب القلوب وبه تهذب الأخلاق، وإن ما صلح به الجيل القرآني النبوي الأول تصلح به الأجيال إلى يوم القيامة إن كانت التربية والتعليم قرآنيين نبويين.

ـ لا بناء يرجى للإنسان إلا إذا كان مصدره المنهاج القرآني النبوي، وهو بناء يهدف إلى تغيير ما بنفس الإنسان وتحرير عقله، وبعث إرادته.

ـ الصحبة في الله وذكره الدائم والصدق شروط قرآنية أساسية لبناء الإنسان وتربيته تربية إيمانية.

ـ إن البناء الذي يريده الإسلام للإنسان هو بناء إيماني إحساني مصدره القرآن الكريم والسنة النبوية، ومنهاجه عمل النبوة، وغايته إصلاح القلب حتى ينتقل من الغفلة إلى السير المهتدي إلى إرادة وجه الله والدار الآخرة، وإقامة الدين صحبة المؤمنين حتى يكون الدين لله.

والحمد لله رب العالمين

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد التاسع 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

 


لائحة المصادر والمراجع:

– القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم.

– ابن قيم الجوزية، أبو عبد الله محمد، طريق الهجرتين وباب السعادتين، تحقيق محمد أجمل الإصلاحي، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1429 هـ.

– ابن قيم الجوزية، أبو عبد الله محمد، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي ـ بيروت، الطبعة الثالثة، 1996م.

– ابن دقيق العيد، تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب، شرح الأربعين النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية، مؤسسة الريان، الطبعة السادسة، 2003م.

– ابن رجب الحنبلي، أبو الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن الحسين، جامع العلوم والحكم، تحقيق صلاح عويضة، دار المنار للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 1999م.

– ابن عطية الأندلسي، أبو محمد عبد الحق بن غالب، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1422هـ / 2001م.

– ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل، تفسير القرآن العظيم، تحقيق سامي بن محمد السلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية ـ الرياض، الطبعة الثانية، 1999م.

– أبو حيان الأندلسي، أثير الدين محمد بن يوسف بن علي، البحر المحيط في التفسير، تحقيق صدقي محمد جميل، دار الفكر، بيروت، طبعة 1420هـ.

– أبو داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي السجستاني، السنن، تحقيق عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى، 1997م.

– أبو السعود، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ط، د. س.

– البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، تحقيق محمد الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، 1422 هـ.

– البيضاوي، ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، تحقيق محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1418ه.

– العظيم آبادي، أبو الطيب محمد شمس الحق، عون المعبود شرح سنن أبي داود، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1415 هـ.

– الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى، السنن، تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرون، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، الطبعة الثانية، 1395 هـ – 1975م.

– الشوكاني، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، دار ابن كثير / دار الكلم الطيب، دمشق / بيروت، الطبعة الأولى، 1414ه.

– الغزالي، حجة الإسلام أبو حامد، كتاب الأربعين في أصول الدين في العقائد وأسرار العبادات والأخلاق، تحقيق عبد الله عبد الحميد عرواني، مراجعة محمد بشير الشقفة، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1424ه / 2003م.

– مسلم، بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، الجامع الصحيح، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1991م.

– النووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف، صحيح مسلم بشرح النووي، المطبعة المصرية بالأزهر، الطبعة الأولى، 1929م.


[1]ـ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق سامي بن محمد السلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية ـ الرياض، الطبعة الثانية، السنة 1999م،7/ 81 ـ 82.

[2] ـ نفس المصدر، 3/392.

[3] ـ البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، رقم: 13. مسلم، الجامع الصحيح، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير، رقم: 71.

[4] ـ النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، المطبعة المصرية بالأزهر، الطبعة الأولى، السنة 1929م، 2/16.

[5] ـ ابن دقيق العيد، شرح الأربعين النووية، الطبعة السادسة، السنة 2003م، مؤسسة الريان، ص: 63.

[6] ـ ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، تحقيق صلاح عويضة، دار المنار للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 1999م، ص: 120.

[7] ـ م ن، ص: 121.

[8] ـ الغزالي، كتاب الأربعين في أصول الدين في العقائد وأسرار العبادات والأخلاق، تحقيق عبد الله عبد الحميد عرواني، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، السنة 2003م، ص: 157.

[9] ـ كتاب الأربعين في أصول الدين في العقائد وأسرار العبادات والأخلاق، م س، ص: 157 ـ 128.

[10] ـ تفسير القرآن العظيم، م س، 7/169.

[11] ـ أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، تحقيق صدقي محمد جميل، دار الفكر، بيروت. طبعة 1420هـ، 1/ 320.

[12] ـ أبو السعود، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت. د. ط، د. س، 8/ 8.

[13] ـ تفسير القرآن العظيم، م س، 7/169.

[14] ـ الشوكاني، فتح القدير للشوكاني، دار الكلم الطيب، دمشق ـ بيروت، الطبعة الأولى، السنة 1414ه، 4/215.

[15] ـ ابن عطية الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، السنة 1422هـ، 4/300.

[16] ـ ابن القيم، طريق الهجرتين وباب السعادتين، تحقيق محمد أجمل الإصلاحي، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، السنة 1429 هـ،2/25.

[17] ـ البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، تحقيق محمد عبد الرحمن المرعشلي، الطبعة الأولى، السنة 1418ه، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 5/135.

[18] ـ البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، رقم: 16، مسلم، الجامع الصحيح، كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، رقم: 67.

[19] ـ مسلم، الجامع الصحيح، كتاب البر والصلة والآداب، باب المرء مع من أحب، رقم: 2639.

[20] ـ أبو داود، السنن، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، رقم: 4833.

[21] ـ العظيم آبادي، عون المعبود شرح سنن أبي داود، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، السنة 1415 هـ، 13/ 123.

[22] ـ البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الذبائح والصيد، باب النسك، رقم: 5534.

[23] ـ الترمذي، السنن، كتاب الزهد، باب ما جاء في صحبة المؤمن، رقم: 2395.

[24] ـ عون المعبود شرح سنن أبي داود، م س، 13/ 123.

[25] ـ ابن القيم، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، السنة 1996م، 2/ 395 ـ 396.

[26] ـ البحر المحيط في التفسير، م س، 5/521.

[27] ـ أنوار التنزيل للبيضاوي، م س، 3/101.

[28] ـ مدارج السالكين لابن القيم، م س، 2/258.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.