منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

[معذرة إلى “الشريعة” ولعلهم “يعقلون” ] [تحذير من “شفاعة الفقيه المستدرج” في الحدود]

ذ. ميمون نكاز

0

معذرة إلى “الشريعة” ولعلهم “يعقلون”

تحذير من “شفاعة الفقيه المستدرج” في الحدود

بقلم: ذ. ميمون نكاز

صادرة النقد”:

{ثم جعناك على شريعة من الأمر فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون، إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين، هذا بصأئر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون}[ الجاثية ١٨-٢٠]

“قرطسة الأحكام” وآثارها المآلية في تطويع “الشريعة” لمقتضيات “التغريب التشريعي”.

ورد في الحديث الشريف:” لتتبعن سَنَنَ مَن قبلكم… حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم”

من سنن من قبلنا من (أهل الكتاب) “قرطسة الدين”حيث أنهم جعلوا مضامين الكتابِ(الدينِ) “قراطيسَ” أوزاعا يبدون منها بعضا مما يلائم أهواءهم، ويخفون كثيرا مما لا تشتهيه أنفسهم، وقد اعتبر القرآن الكريم ذلك “خوضا” منهم “لاعبا”بالدين في أحكامه وتشريعاته:

﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦۤ إِذۡ قَالُوا۟ مَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرࣲ مِّن شَیۡءࣲۗ قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَـٰبَ ٱلَّذِی جَاۤءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورࣰا وَهُدࣰى لِّلنَّاسِۖ تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِیسَ تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ كَثِیرࣰاۖ وَعُلِّمۡتُم مَّا لَمۡ تَعۡلَمُوۤا۟ أَنتُمۡ وَلَاۤ ءَابَاۤؤُكُمۡۖ قُلِ ٱللَّهُۖ ثُمَّ ذَرۡهُمۡ فِی خَوۡضِهِمۡ یَلۡعَبُونَ}[الأنعام ٩١]

“من جحور الضٍّبابِ جحر الجراءة على الدين” حيث السعي الإصراري إلى استبدال الأداني من “أهواء النفس والعقل” بما هو خير في الدين والقيم والأخلاق والأعراف الحضارية والثقافية والاجتماعية…

إذا زاغت النفسُ فَعَّلَتِ “العقلَ المجادلَ” لاتباع ما تشابه من مقترحات الحقوق والمصالح الموهومة، يجادل من أجل تقريرها بالباطل لدحض الحق، وفي سياق هذا المسعى الإصراري على الاستبدال التشريعي الأدنوي يستدرج “الفقيه الغافل” ليقدم “الشفاعة” الضمنية في “الحدود” وفي المستقرات المعلومة من محكمات الشريعة ومقطوعاتها القانونية، من غير قصد منه ولكن ذهولا من قبله عن مستدرجات هذا “الخوض اللاعب”، حيث يُدْفَعُ دفعا مخصوصا إلى “إبداء قراطيسَ من الأحكام” يبتغونها، حيث ثَمَّةَ يستخفون بذهوله “قراطيسَ محكمةً” من الدين، يصرون على استبقاءها منبوذة معطلة، مثل حد الزنا القطعي المحكم، ذلك لأن “الخوض الحداثي اللاعب” في مسألة (الإلحاق النسبي الجبري) عن طريق الخبرة واستدراج “الفقيه الغافل” للتبريك الفقهي عليه يتضمن إعراضا حداثيا قصديا وسكوتا عن حكم الشريعة في الزنا، كما يتضمن “إسكاتا ضمنيا” للعالم الفقيه عن المطالبة بتضمين محكم هذا الحكم الشرعي في مجمل النصوص الإصلاحية للمدونة، حيث شغلوه وألهوه في مجاري خوضهم فيما يأملونه من تقرير وتثبيت لجملة من الحقوق والمصالح الموهومة؛ شغلوه وألهوه عن ضرورة تقرير الأحكام الابتدائية الأصلية المحكمة بالحفر والبحث في الموروث الفقهي، عساه يلتقط “أنظارا فقهية اجتهادية” تضفي “الشرعية الدينية” على هذه المساعي العابثة بالقيم والأخلاق…

أَهَمَّتِ الحداثيين حقوقُ النساء ومصالحُ الأطفال “غيرِ الشرعيين” كما قدروها بأنظارهم، وتناجوا بينهم ماكرين:” من يكلم الشريعة في شؤونهم؟ يستشفعونه في اطراح بعض الأحكام تضمنا إن لم يكن ذاك بالالتزام، يذكرنا هذا الصنيع باستشفاع أسامة بن زيد في المخزومية التي أهَمَّ شأنُها قريشا، فسعت بأسامة إلى “الشرع” تبتغي إسقاط الحد عنها بالعفو أو بالفداء، فجاء الموقف النبوي الزاجر:” أتشفع في حد من حدود الله… وايم الله لو أن فاطمة بنتَ محمد سرقت لقطعت يدها”، من أثر هذه “الصفعة الموقظة” استفاق أسامة من “مستدرج قريش” وقال:” استغفر لي يا رسول الله ذنبَ تَشَفُّعِي فيما ليس لي به علم”، فهل يستفيق أمثال أسامة من الفقهاء الشافعين، وكم من “صفعة موقظة” يحتاجون من أجل إدراك الغايات والأبعاد والمآلات، أم يزعمون أنا نحن الجاهلون الغافلون الساهون الذاهلون عن المصالح والحقوق!…

ينبغي أن يعلم بعض “المتفقهة” الذين يحسبون أنفسهم أمتنَ علما وأعمقَ فقها وأكثرَ حكمة وأحرصَ حقا وعدلا ومصلحة أن “مسالك الإنقاص من أطراف الشريعة” مسالك غائية عاملة في “منظوم الأحكام والقيم” تستفرد بالقول والنقد في بعض “الإلزامات والحقوق” عازلة لها عن “النسق الشرعي المتكامل” خائضة فيه بالتشظية والتعضية والتبعيض والقرطسة على قاعدة الإيمان الاشتهائي” ببعض الكتاب والكفر ببعضه الآخر، فلا يصح الوقوع في “مستدرجات الخوض في المفردات التشريعية” التي يتم عزلها وفصلها عن “جوامعها الحكمية والقيمية”، وإني لأعجب حقيقا من بعض هؤلاء “المتفقهة” تراهم يتحدثون عن “تكامل المعارف والعلوم” في الإسلام ويتغاضون عن لوازم “تكامل الأحكام” في التحكيم والامتثال والتنزيل، والأصل أن تكامل العلوم من تكامل الشريعة في الأحكام…

لقد أضحى هذا الأمر مشهودا في هذا “الخوض اللاعب” بأحكام الشريعة الملحوظ في مجاري الجدل حول (إصلاح مدونة الأسرة)، أعلم أن في هؤلاء الخائضين من لا يبطن عداء للشريعة ولكن الجهل بعلمها وفقهها وتكامل أحكامها ظاهر فيه ظهورا جليا بينا واضحا، ومنهم طائفة أخرى لا يَقْدُرون الشريعة حق قدرها، بل منهم من يجحد مصدرها الإلهي جملة، يشمل إنكارُه جميع وارداتها دون تمييز منه بين قطعيها ومحكمها وبين المظنون الفقهي منها وفيها، ولو قدر له التمييز فإنه يسعى بالتأويلات المتعسفة إلى “تعبيث الأحكام” القطعية المحكمة لتطاوع “معشواقاته القيمية والثقافية” الدخيلة على نفسه بآثار “اتباع السَّنَن” ودخول “جحور الضِّباب”، ناهيك عن “مظنونات الشريعة والفقه فإنه يُعْمِلُ فيها معاولَ الاختيار بالذوق الفكري والتشهي النفسي، أرى وأقدر أن في هؤلاء شَبَهًا بطائفة أهل الكتاب من بني إسرائيل الذين قال الله فيهم”{ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء}[الأنعام٩١].
هذه الطائفة الشرذمةُ رغم جحودها للدين وإنكارها لوحيانية الشريعة تعمد إلى “قرطسة” الشريعة ابتغاء العبث بأحكامها والانتقاء المُرَصَّدِ المُوَجَّهِ من “منظوم الفقه” لما يخدم أحلامها ومآربها في التشريع الأسري، من ذلك “الجدل الإديولوحي” حول مطلب “التسوية والعدل” في المستحقات المالية؛ حق المرأة في “الكسب الأسري” ركونا من ” الفقيه المستدرج” إلى دعوى إمكان توسيع ( مفهوم الكد والسعاية” دون نظر واستحضار للواحق والوازم، كذلك السوائية في الإرث باعتبار استواء الذوات بلا تمييز بين الذكور والإناث، ذلك لأن ” العلماني الشارد” أو “الحداثي الواهم” أو “الحقوقي التائه” يعتقد “الذكورةَ” أساسً التمييز والتفضيل، و ويحسب المقدرات الإرثية راكنة إلى مستند المفاضلة بين الجنسين، بملحظ الجنس لا بحسبان الموقع الوجودي و الفاعلية الوظيفية داخل البنية الأسرية الأضيق والإطار القرابي الأوسع، لا شك أن العارف بمنطق نظر الشريعة في هذا الباب يتعجب من أضاحيك نظر الحداثيين في هذا الشأن، ويدرك الواقف على أقاويلهم أنهم “ظاهرية في التعليل القانوني” لمفهومي العدل والمساواة، يعكفون على “وهم المماثلة”، فلا يحيطون علما بِحِكَمِ التفاوت ومصالح التفريق في الالتزامات والمصالح والحقوق.

ضرب أحد “المتفقهة” لنا مثلا مستحضرا نازلة افتراضية على الصعيد الاجتماعي، اتخذه وليجة لاستحسان استحقاق الزوجة والبنات للسكن العائلي دون إخوة الزوج الميت، دفعا لمفسدة التشريد!، أتساءل: هل ذهل الشارع جل وعلى عن هذه الصورة الاجتماعية الممكنة؟ هل هي الصورة الموضوعية الواحدة الوحيدة؟ وما العمل إذا كان الأخ أوالإخوة أكثر فقرا وأشد حاجة من الزوجة والبنات؟ هل يملك السكن للإخوة دون الزوجة والبنات باعتبار الأشدية في الفقر والأكثرية في الحاجة؟ ولا يعترض على هذا الاستحقاق الأولوي بوصف الأنوثة الذي يجعل لهن ميزة، لأن الفرض الحقوقي في المقاربة الحداثية أنه لا تمييز بالذكورة والأنوثة، ما هكذا تورد “إبل الفقه”؟

أسجل هذه الملاحظات، رغم علمي بأن هذه المسألة محسومة فقها ونظرا…

كما أني قرأت لبعض هؤلاء “المتفقهة” جلبا ونثرا لبعض الأدلة والمعتبرات المصلحية الملحوظة لدى القائلين بصحة “الاستلحاق” الطوعي الإرادي وإمكان ” الإلحاق الجبري” ببرهان الخبرة، مستشكلا إعراض عموم المذاهب والفقهاء عن راجحية هذه الأدلة في تقديره تنقيلا وتعليلا وتعقيلا، الذي أعجب منه وآسف له أن هذا الاستدعاء الفقهي لهذا “الفرع الحكمي الخلافي” في سياق فلسفي وثقافي وقيمي وحقوقي يرابط في “ثابت ثغري” يتمثل في مطلب “التحرير الجنسي الكلي” للإنسان من قيود التحريم الديني والعمل على رفع التجريم القانوني، وما هذا “الشغب الجدالي” حول بعض أفراد القضايا وأعيان المسائل إلا تخميرا وإنضاجا لظروف “التمكين التشريعي” لهذه الكلية القانونية؛ “كلية التحرير الجنسي المطلق”، ناهيك عن ذهول هؤلاء”المتفقهة” وشرود كثير من عقلاء الحداثيين والحداثيات عن المآلات الإلزامية للقول بالإلحاق الجبري لمولود الزنا على الصعيدين الاجتماعي والتشريعي، ولو اطلعوا عليها لولوا من هذا المطلب فرارا، ولجددوا النظر في القضية من زاوية استيعابية مختلفة لهذه المشكلة…

هب أن متزوجا زنا بصديقة “عفيفة”! أو بباغية محترفة في ليلة ساخنة – وفق مذهب السيد الوزير-

فحملت منه ببرهان الخبرة، أتساءل: إذا كانت عين الوزير العشية على الطفل المسكين الضحية، فما حال المرأة الزانية؟ أيكتفى بالإلحاق الجبري للولد بصاحب الماء وما يترتب عليه من إلزامات النفقة والرعاية، ولا يلتفت إلى أم الولد الزاتية في القضية؟ أم يجبر الزاني على العقد عليها؟ وما موقع ذلك من التحريم القرآني الصريح للتناكح بين الزناة؟ وما العمل إذا رفض صاحب الماء الإقرار والاعتراف بالزنا، ما هي الاحتمالات المنطقية والوجودية والعلمية والحسية لوصول مائه إلى رحم هذه المرأة دون مباشرة جنسية؟ وهل ذلك يشكك في حصول المباشرة الجنسية؟

ثم لو افترضنا أنه ألزم بالعقد على شريكته “الطبيعية”، والفرض في نازلتنا التمثيلية أنه متزوج ورب لأسرة، فهل تقبل “الزوجة الشرعية” دخول هذه (الزوجة) عليها، وقد تكون هذه الزوجة الشرعية مناضلة نسائية حقوقية كانت تدافع عن هذا المطلب، قبل أن تختبر بهذه “الفتنة والمحنة” في نفسها وأسرتها؟ هل ستقبل بهذا الأخ الجديد أو الأخت الجديدة يشارك أبناءها في سائر الحقوق؟ وهل سترضى بهذه المرأة الدخيلة عليها من غير الباب الشرعي شريكة لها في “فراش الزوجية”؟أم أنها ستلعن اليوم الذي شاركت فيه أو طالبت بهذا التضمين التشريعي؟ ثم المشرع ما هو صانع في مسألة ( تعديد الزوجات) التي عمل جاهدا من أجل محاصرتها والتضييق عليها في الحلال المشروع؟ هل سينسخ تضييقه ويشرح نفسه لاستيعاب التعديد بالمسلك الحرام في نصه التشريعي العابث بالشريعة والقيم؟

هذه جملة ملاحظات سريعة وكثيفة مشفوعة ببعض الأمثلة للذين لا يعقلون، لعلهم يرشدون…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.