مقترحات تعديل مدونة الأسرة في ضوء المسؤولية الاجتماعية للدولة والمجتمع || الدكتور فؤاد بلمودن
مقترحات تعديل مدونة الأسرة في ضوء المسؤولية الاجتماعية للدولة والمجتمع || الدكتور فؤاد بلمودن
مقترحات تعديل مدونة الأسرة
في ضوء المسؤولية الاجتماعية للدولة والمجتمع:
الدكتور فؤاد بلمودن
يعد مبدأ المسؤولية الاجتماعية جوهر الالتزام الأخلاقي للدولة الحديثة تجاه مواطنيها والضامن لتعزيز واستمرار شرعيتها الاجتماعية.
وعلاقة بالتعديلات المقترحة لعدد من بنود مدونة الأسرة، فإن المطلع المتأمل لهذه المقترحات يلاحظ بدهشة واستغراب الغياب الكلي للتنصيص على أي مسؤولية اجتماعية للدولة والمجتمع، رغم أن الأسرة بعناصرها الفاعلة توجد في قلب التفاعلات الاجتماعية، والأكثر غرابة أن يتم تحميل الرجل كل الأعباء المادية قبل تكوين الأسرة وأثناءها وبعد انفراط عقدها، بالإضافة إلى تغييب السلطة التقديرية للقضاء، وهما عاملان أساسيان لتحقيق العدالة الاجتماعية في شموليتها وإحاطتها بمختلف القضايا والنوازل والحالات والوضعيات المختلفة التي تكون عليها الأسرة المغربية.
ومن بين تطبيقاتها على القضايا المقترحة:
-أنه لا يمكن إدخال الزوج الفقير المعسر إلى السجن لأنه لم يؤد النفقة، فالمفروض وفق مبدأ المسؤولية الاجتماعية أن الدولة والمجتمع هما من سيتحملان عنه ذلك، ويترك التحقق في ذلك للقضاء.
-لا يمكن جعل الحضانة بعد الطلاق حصرا من حق المرأة أو من حق الرجل، بل لا بد من تفعيل السلطة التقديرية للقاضي، للتحري عن الأصلح لذلك.
-لا يمكن إخراج بيت الزوجية مطلقا من التركة، لأن هناك فرقا بين مسكن وآخر من حيث القيمة المادية، ولأنه لدينا في الثقافة الاجتماعية بيت الزوجية وبيت العائلة الذي يشمل الزوج ووالديه وبعض إخوته، ولأن لدينا أسرا بدون مسكن أي إنها تسكن مع الأقارب أو تكتري مسكنا، ولذلك لا بد هنا من التنصيص على أمرين: سلطة القاضي في الموضوع، بحيث يكون الأصل هو أن ما تركه الزوج الموسر الهالك من عقارات داخل في التركة حصرا، ولا يقع الاستثناء إلا في الحالات التي تكون الزوجة والأبناء ليس لهم سوى ذلك المسكن فيحكم بأنه (عمرى) مادامت الزوجة على قيد الحياة، ومادام الأبناء لا يملكون سكنا مستقلا، ويمكن أن تستمر العمرى مع الأبناء المعسرين أو المعاقين بدنيا.
أما في الحال الذي لا يترك فيه الهالك مسكنا وكانت الأسرة فقيرة بلا دخل أو معيل فيتحمل صندوق التكافل الأسري للدولة المسؤولية عن ذلك باكتراء سكن لهم حتى يستغنوا.
-فكرة تثمين العمل المنزلي للمرأة التي تعرضت للتحريف، فما تطالب به الحركة النسوية بأوربا في الحقيقة، يقضي أن التثمين يقع على أعباء الدولة لا الرجل، فالمرأة التي تنجب أبناء َترعاهم حتى يصبحوا مواطنين متعلمين عاملين، تعد امرأة منتجة بالمقياس المادي الرأسمالي تسهم في التنمية الاقتصادية وفي الرفع من الناتج القومي الاقتصادي، فيجب أن تمكنها الدولة من تقاعد مريح، ومن غير المقبول تحريف المطلب وإلباسه لبوسا فقهيا من خلال توسيع وتمطيط اجتهاد شاذ ومتقادم يتعلق بفكرة الكد والسعاية التي دعا إليها ابن عرضون وهي فكرة تتناسب مع المجتمعات القبلية القديمة التي لم تتحمل فيها السلطة أي مسؤولية اجتماعية، ولا تتناسب مع واقع الدولة الوطنية المركزية ذات المسووليات الاجتماعية المنصوص عليها دستوريا، ولذلك ففكرة التثمين في جوهرها فكرة عادلة، ولكن تحميل الرجل أعباءها يحولها إلى فكرة جائرة، والمطلوب أن تتحمل الدولة هذا التثمين بموجب مسؤوليتها الاجتماعية عن كافة مواطنيها، فيتم تثمين جهود المرأة التي رعت أسرة وأنجبت أطفالا وربتهم حتى تحولوا إلى متعلمين وعاملين يسهمون في ازدهار الدولة والمجتمع، ويمكن أن يأخذ التثمين صور عديدة، منها: تخصيص معاش شهري، أو تخصيص مكافئة مالية، وعدم الانتقاص من معاش الزوج المتوفى، وعدم حرمان المرأة من معاش زوجها المتوفى إذا قررت الزواج مرة أخرى، وتمكينها من قروض بدون فائدة للقيام بمشروع أو تأسيس مقاولة ربحية، وتمكينها من تكوين مجاني في تعلم حرفة أو صناعة أو مهارة أو في إدارة المشاريع.
ويقتضي تفعيل هذه المقترحات لزاما توفير آليتين، هما:
1- إحداث محكمة خاصة للقضاء الأسري، لها أطر متخصصة في التشريع الاجتماعي والأسري المقارن من خريجي الشريعة والقانون.
2-إحداث صندوق خاص للتكافل الأسري تتحمل مسؤوليته الدولة ويدار بشفافية ونزاهة حتى لا يتعرض للإفلاس كباقي الصناديق الاجتماعية الأخرى.
ومن هنا نخلص أن قضية الأسرة والتشريع الأسري هي قضية وطنية وقومية لا يمكن تحريف النقاش حولها باختزاله في النقاش الفقهي والقانوني، أو خندقته في خلافات تقليدية بين الإسلاميين والعلمانيين، أو في الصراع الذكوري الأنثوي، بل هي قضية تتعلق أساسا بالمسؤولية الاجتماعية للدولة ومدى اضطلاعها بالتزاماتها الاجتماعية والأخلاقية تجاه مواطنيها، لأن الفرق الحقيقي بين الدولة العادلة والدولة الجائرة هو ما تحققه لمواطنيها من خدمات تتعدى بكثير ما تحصله منهم من مكوس وجبايات.