شبه حول البخاري وصحيحه
بقلم: إسماعيل هادي
تقديم
إن الله إذا أراد بعالم خيرا قيظ له من أعداء الأمة، من يطعن ويشكك في علمه، من الجهلة والمتفيقهين والرويبضة، ممن أراد شهرة، أو سياسة أو مالا، سواء من الجهات الداخلية أو الخارجية. فتقوم مجادلات ومعارك. والعجب أنه لا ينفرد بهذا الأمر أعداء الدين من الكفرة فقط وحُقّ لهم، بل من العلمانيين وغيرهم من بني جلدتنا. فيؤيد الله تعالى وليّه وينصره رغم أنف البطلة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله قال: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب).[1]
والإمام الجليل أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري؛ من العلماء الأجلاء الذين أثيرت حوله شبه قديمة وحديثة وما زالت تُثار، تشكك فيه وفي صحة صحيحه، الذي يعد من أشهر مصادر الأحاديث النبوية في الإسلام.
وكان هدف الطاعنين زعزعة ثقة الأمة برموز وثوابت السنة، خاصة صحيح البخاري، لأنه في صدارة مصنفات الحديث صحة، حتى إذا تمكنوا منه، سهُل عليهم إسقاط ما دونه، وبالتالي إسقاط السنة ثم القرآن.
والصحيح لا يزال ماضيا شامخا بإذن ربه، غير مكترث بنُباح المغرضين. وكما قيل: (لا يضر السحاب نبح الكلاب). والأعلام الشامخة لا تبالي بالأقزام المنسلخة.
الإمام البخاري وصحيحه
الإمام البُخاريّ هو مُحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المُغيرة الجعفيّ البُخاريّ، ويُكنى بأبي عبد الله، وُلد في يوم الجُمعة الثالث عشر من شهر شوال في السنة مئة وأربعة وتسعين.[2]
يُنسب الإمام البُخاريّ إلى إسماعيل بن إبراهيم بن بَردِزبة، وكان بَردِزبة فارسياً، ثُمّ أسلم على يد المُغيرة، وأتى على بُخارى فَنُسب إليها؛ وأمّا والدُه إسماعيل فكان من رواة الحديث، وقد تعرض له ابن حبان في مصنفه المسمى بالثِقات، واشتهر بحرصه على المال الحلال حتى نُقِل أنه لا يُعلم في ماله شيءٌ من الحرام أو فيه شُبهة، ولمّا توفي كان ابنه مُحمد صغيراً.[3]
حج البخاري مع أُمّه وأخيه، وأقام بمكة المكرمة؛ لِطلب العلم، وكانت نشأة الإمام البُخاريّ في أُسرةٍ مُتديِّنة، غنيّة، وكانت أُمّه من أهل الكرامة والولاية.[4]
رحل في طلب العلم وهو ابن العاشرة إلى جميع الأمصار، أُلهم طلب الحديث وحفظه وهو لا يزال صغيراً في الكُتّاب، وكان يصحّحُ لبعض أهل الحديث وهو ابن إحدى عشرة سنة.[5]
أثنى على الإمام البُخاريّ الكثير من المُحدثين ومن أئمة الإسلام، واعترفوا له بالفضل في علم الرجال وعلم علل الحديث، فقد قال عنه عمرو بن علي الفلاس: حديثٌ لا يعرفُه مُحمد بن إسماعيل فليس بِحديث، وأرشد إسحاق بن راهويه تلامذته للكتابةِ عن البخاري، وكان عُلماءُ مكة يصفونه بأنه إمامُهم وفقيهُهُم.[6]
سمع منه الحديث أكثر من تسعين ألف شخص، وكان عند كتابته للحديث يُصلي ركعتين، ثُمّ يضعُهُ في كتابه، وبلغ عدد الأحاديث في صحيح البخاري أكثر من ستة آلاف حديث، وكان حافِظاً، وذكروا أمامَه لاختباره مئة حديثٍ مقلوبة السند، فأعادها صحيحةً بأسانيدها التي ذُكرت بها.[7]
وعلَّق الحافظ ابن حجر على ذلك: وذلك لحفظه، فقد حفظ الأسانيد بأخطائِها، ثُمّ أعادها بالصحيح، وتناول العُلماء كتابه صحيح البخاري بالشرح والتعليق، الذي كان المجال العلميّ الذي يظهر فيه الاهتمام بالكُتب في تلك العُصور، وعلامةُ نجاحٍ له، وخاصةً بعد أن اعترفوا أنه أصح الكتب بعد القُرآن الكريم، وقد بلغت الشُروحات والتعليقات عليه قُرابة المائة والثلاثين كتاباً وأكثر.[8]
من أشهر الشُروحات على كتابه، كتاب فتح الباريّ للحافظ ابن حجر العسقلانيّ، وكتاب كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري لمحمد الخضر الشنقيطي،[9] وعوْن الباري شرح التجريد الصريح مؤلفه صديق حسن خان، وكتاب أعلام السنن للخطابي [10]، وفي ذلك دليلٌ على جُهد الأُمة المبذول في خدمة كتاب صحيح البخاري وحرصهم على العلم، والفِكر، وحُب الأمة لنبيها وآثاره، وكشفت مصنفات البخاري ومن أهمها الصحيح عن فقهه وعمل على استنتاج الفوائد من الأحاديث ورتب الأحاديث بناءً على هذه الفوائد، ونوّع في ذكر الحديث الواحد في أبواب مختلفة بناء على المواضيع التي يشير إليها الحديث الواحد.[11]
والأمة الإسلامية قاطبة تعظم السنة النبوية وتبجلها، وفي هذا قال الخطيب البغدادي: (ولولا عناية أصحاب الحديث بضبط السنن وجمعها، واستنباطها من معادنها، والنظر في طرقها، لبطلت الشريعة، وتعطلت أحكامها، إذ كانت مستخرجة من الآثار المحفوظة، ومستفادة من السنن المنقولة، فمن عرف للإسلام حقه وأوجب للدين حرمته، أكبر أن يحتقر من عظم الله شأنه، وأعلى مكانته، وأظهر حجته، وأبان فضيلته، ولم يرتق بطعنه إلى حزب الرسول، وأتباع الوحي وأوعية الدين، وخزنة العلم، الذين ذكرهم الله في كتابه، فقال: { وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ }.[12]
وكفى المحدث شرفا، أن يكون اسمه مقرونا باسم رسول الله ﷺ ، وذكره متصلا بذكره: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم)[13].[14]
بعض الشبهات التي أثيرت حول صحيح البخاري
اُبتلينا في زماننا بجماعة المشككين في التراث الإسلامي تحت ذريعة التنقيب التاريخي والتمحيص العلمي، من حسن حنفي ومشروعه المسمى: “من النقل إلى العقل”، وهي “محاولة لإعادة بناء العلوم النَّقلية الخمسة، بعد أن تركها القدماء والمحدِّثون كما وضعها الأوائل، مكتفين بوضعها تاركين للزَّمن تطويرها. إلى عدنان إبراهيم ومفترياته في كتابه: “مشكلتي مع البخاري”. إلى ثالثهم من المعاصرين رشيد أيلال في كتابه: “صحيح البخاري.. نهاية أسطورة”، مفخرة العلمانيين والحداثيين، حيث أضاف لهم قيمة في نضالهم الفكري المناهض لكل ما هو ديني إسلامي على وجه الخصوص. وغيرهم ممن سولت له نفسه المساس بالشريعة الإسلامية، ندعو لهم جميعا بالتوبة والهداية قبل النهاية.
وكل من يتحدث عن حجيَّة السنة اليوم ما هم إلا أوعية نقل لكلام هؤلاء، والذي هم بدورهم تكرارٌ لكلام المستشرقين. خاصة وأن تشريعات الإسلام أضحت واضحة للقاصي والداني، وأن أبناء الغرب صاروا يعتنقون الإسلام ويدافعون عنه دعوة وحجية.
1- حسن حنفي وتطاوله على الصحيح.
أ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ).[15]
حول هذا الحديث يقول حسن حنفي: “هناك آيات لم تسبقها آيات كغطاء أو قاعدة لها؛ ممَّا يدعو إلى الشَّك فيها. وعقلًا: كيف يغفر عمل ليلة ذنوب العمر كلِّه؟!”[16]
فحنفي هنا غاب عنه فضل ليلة القدر في القرآن، حيث قال الله تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}[17]. هذا نقلا، أما عقلا فإن الله تعالى اختص بعض الأماكن والأزمان والأعمال بمزايا خاصَّة يغفر الله من قام فيها بأعمال خاصة. كصلاة في المسجد الحرام تعدل مئة ألف صلاة في غيرها.
عن أبي الدرداء وجابر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة، وفي مسجدي هذا ألف صلاة وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة».[18]
ب- عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول ال ﷺ: «أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك». و(الألوة) العود الهندي الذي يتبخر به.[19]
في هذا الحديث؛ يصف رسول الله ﷺ أصحاب الجنة وما يتنعمون به، وأنهم يعرقون وعرقهم بريح المسك، فالرشح هنا هو التَّعرُّق؛ أما حسن حنفي فهو يؤول الرشح بالزكام الذي هو علامة للبرد! يقول: “وهي صورة مثاليَّة للبشر في حسن الوجه ورفض للحدود البشرية الجسدية، والذَّهب والفضة قيمتان دنيويَّتان مع أنَّهما محرَّمان شرعًا؛ لأنَّهما يرمزان إلى نعومة النساء وليس إلى خشونة الرجال، رشحهم المسك مع أنَّ الرشح عيب وعلامة على البرد”.[20]
ج- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال :( إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا، وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ ).[21] وبوب النووي على هذا الحديث بقوله: باب الأمر بتغطية الإناء، وإيكاء السقاء، وإغلاق الأبواب، وذكر اسم الله عليها، وإطفاء السراج والنار عند النوم، وكف الصبيان والمواشي بعد المغرب.
يقول حسن حنفي: “والشياطين تحلّ في الليل؛ لذلك لا ينبغي للصبيان الخروج من المنازل إلا بعد ساعةٍ من العشاء، مع غلق الباب وذكر اسم الله عند شرب الماء أو الخمر (وخمر إناءك) وإطفاء المصباح.”[22]
فما مرتبة علم هذا الذي يفهم من قوله ﷺ «خمر إناءك» أنه الخمر، وأنه يذكر اسم الله عند شربه؟!
2- الدكتور عدنان إبراهيم
أ- طعنه في الصحابة والتابعين وأهل السنة أجمعين
من مواليد غزة – كان من الأولى أن يدافع عن القضية الفلسطينية، بدل الهروب إلى الدول المجاورة. -…ابتدأ منهجه ودينه بالطعن في معاوية رضي الله عنه ثم هبط ليطعن في أزواج النبي ثم في أبي هريرة ثم أنس بن مالك ثم طلحة بن عبيد الله ثم المغيرة ثم أبي بكر وعمر ثم جملة الصحابة ثم العلماء فلم يدع منهم أحدا ولم يذر. ثم في بني أمية والعباسين أجمعين إلى آخر طعوناته، يسلك في منهجه هذا نهج الروافض.
ثم مدح الشيعة الإمامية وأثنى على علمائها كالصدر وعلي شريعتي وياسر الحبيب الطاعن في أم المؤمنين. ثم يعترض على أهل السنة عموما ويصفهم بأوصاف التضليل والتجهيل والنقص. ثم يعترض على الدين ويشطح شطحات عجيبة في الفقه ويعترض على الدين بأقل شيء لأنه لا يوافق عقله، لا يعجبه عجب، ولا صيام في رجب وكأنه لم يفهم الدين أحد إلا هو.[23]
يقول إن القسمة للذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث، هذا كان صالحا في عهد النبي ﷺ ، أما الآن فيجب أن تكون القسمة سواء، لأن مسألة الميراث مسألة اقتصادية.[24]
وهذا اتهام لله ولدينه ولنبيه، قال الله عز وجل: (اليوم أكملت لكم دينكم)، والنبي ﷺ يقول: (تركتكم على المحجة البيضاء). وقد تولى الله تعالى قسمة الميراث بنفسه.
ب- طعنه في البخاري ومسلم وفي المحدثين:
يقول: ” إذا جاء الحديث وأثبتت التجربة أنه مخالف لها فرده ولو كان متصل السند في البخاري وإلا كنت أهبلا، وإذا أثبت التاريخ ما يخالف البخاري ومسلم فردههما وعليك أن تقول هذا كذب وغلط.”
ويقول: ” يجب أن نعيد النظر في مئات من الأحاديث في البخاري ومسلم. ويقول: “المحدثون هم الجهاز الإعلامي لبني أمية”.[25]
قلت: لقد أجمع أهل الصناعة وخاصتها، من أئمة الأمة وعلمائها من ذوي أهل الاختصاص؛ على صحة الصحيحين، وأن الأمة تلقتهما بالقبول التام لا شك ولا ريب فيه، ولا يعتد بخلاف من خالف ولا يخرق خلافهم هذا، الإجماع. ولم يخالف في ذلك إلا أهل الضلالة من الرافضة والمستشرقين ومن والاهم منا.
قال الإمام النووي: “اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن الصحيحان: البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول”.[26]
وقال في موضع آخر: “وتلقي الأمة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما، وهذا متفق عليه… وإنما يفترق الصحيحان، وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحا لا يحتاج إلى النظر فيه، بل يجب العمل به مطلقا، وما كان في غيرهما لا يُعمل به حتى يُنظر، وتوجد فيه شروط الصحيح”.[27]
ويقول أبو الحسن الندوي في مقدمة كتاب “لامع الدراري” وليس الاتفاق بين الأمة وعلمائها مجرد مصادفة، ولا عن تواطؤ ومؤامرة، وقد أعاذ الله هذه الأمة التي اختارها لحمل دينه وتبليغ رسالته أن تكون فريسة غفلة وغباوة، وأن تجتمع على الضلال، بل كان ذلك إلهاما من الله”.[28]
وقال عدنان إبراهيم عن الصحيحين: إنهما مملوءان بالخرافات والأكاذيب. مع أنه في كثير من خطبه وأحاديثه يستدل على ترويج باطله بأحاديث ضعيفة وموضوعة مكذوبة، كافترائه على الصحابي الجليل -أكثر رواة الحديث- أبي هريرة، فزعم بكل وقاحة أنه مولع بالإسرائيليات، وأسلم من أجل بطنه بالطعام، ومن أجل الخِرفان، حتى ضجِر منه النبي ﷺ فقال: “زر غبا تزدد حبا”. وبالرجوع إلى مصادر الأحاديث تبين عدم وجود أي رواية صحيحة بهذا اللفظ، فقد قال أبو بَكْر البزار: ليس في “زر غبا تزدد حبا” عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حديث صحيح”.[29]
3- رشيد أيلال
بداية نطرح السؤال لمن له الجواب: ما مستوى علم الطاعنين من بني جلدتنا، مقارنة مع ما قدمه العلماء، الذين أفنوا أعمارهم في الصحيحين حفظا، وفقها، وبحثا وشرحا، وتدريسا، وتتبعا. لا شك أن هؤلاء العلماء -وهم أهل هذا الفن- أدرى بما أجمعت عليه الأمة.
تهمة نهاية أسطورة!
من خلال عنوان الكتاب يظهر جليا أن أيلال لم يتجرأ على الشيخ البخاري فقط، بل ضرب عرض الحائط كرامة الأمة الإسلامية منذ بداية الإسلام إلى يومنا هذا، علماءها وأئمتها وحكامها وشعوبها وإديولوجيتها. فوصف الأمة بالكذب والخرافة والتخلف والأباطيل.
حين يقرأ القارئ العنوان: (صحيح البخاري نهاية أسطورة)، في أول وهلة، يتبادر إلى ذهنه قول الله تعالى، عن الكفار المعاندين للوحي الرباني -بادي الرأي-: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾[30]. وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾[31].
وهذا قول المعاندين في أول نزول القرآن؛ قالوا: “أسطورة لا غير”، وهذا معاند عصرنا يقول عن الوحي المحمدي الذي جُمعت زبدته في صحيح البخاري: أسطورة، فما أشبه الليلة بالبارحة؟
والأسطورة في اللغة: الأكذوبة الباطلة، جمعها أساطير، وهي الأباطيل والأكاذيب والأحاديث لا نظام لها.[32] قال الفراء واحدتها أسطورة، يعنون ما سطره الأولون من الكذب.[33]
كأن الكاتب يشبه صحيح البخاري بأحاديث الأولين التي لا أساس لها من الصحة فهي باطلة، تلك الأحاديث ما زالت الأمة تعتمدها في عقائدها وأحكامها وأخلاقها، ولم يتفطن العلماء لوضعها، وغفل المؤمنون عن ضعفها، حتى جاء رشيد ليضع حدا لهذه الأكذوبة التي استمرت اثنا عشر قرنا.
“ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول والتصديق، والأمة لا تجتمع على خطأ، فلو كان الحديث كذبا في نفس الأمر، والأمة مصدقة له قابلة له لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب، وهذا إجماع على الخطأ وذلك ممتنع”.[34]
“فإما أن تكون الأمة قد ضلت حين اتفقت على صحة أحاديث البخاري، أو أن يكون رشيد ومن معه من القرآنيين، قد ضلوا حين زعموا أحاديث البخاري أكاذيب الأولين”.[35]
شبهة فارسية البخاري تحول دون تأليف صحيحه!
قال أيلال : ” أن الشيخ البخاري ذو أصل فارسي، فاللغة العربية ليست لغته الأصلية، وكل المؤرخين الحفاظ والمحدثين والمترجمين وكتاب السير، لم يتحدثوا لنا ضمن أسطورة البخاري، عن متى وكيف تعلم اللغة العربية، بل جملة ما تحدثوا عنه، هو شروعه في حفظ الحديث وهو صبي لم يتجاوز العشر سنين”. [36]
وقد رد علماء كثر على هذه الشبهة أذكر منها:
أ- : إن الإمام البخاري من بلاد بخارى على نهر جيحون من بلاد ما وراء النهر، وبخارى الآن من بلاد جمهورية أوزبكستان في آسيا الوسطي، وقد دخل أهل بخارى الإسلام في أول خلافة يزيد بن معاوية (61 هـ )، فتحها سلم بن زياد مع مدن أخرى حولها، وأحب أهلها الإسلام، وبذلوا الكثير في نصرته، وشاع العلم وذاع في هذه البلاد، ونبغ فيها كثير من أئمة الإسلام، تعلموا وعلموا.
ولا شك أن العربية انتشرت سريعا في هذه البلاد المفتوحة بسبب كثرة العرب الذين استقروا بها بعد فتحها، وحاجة أصحاب هذه البلاد إلى معرفة العربية لغة دينهم الجديد، فالعربية لغة وليست عرقا، فكل من نطق بالعربية فهو عربي، والبخاري من مجتمع يتكلم العربية ويعتنق الإسلام، وكان من البارعين فيها العالمين بمداخلها ومخارجها.
واختلاف الجنسية أو اللغة لا يعوق عن تعلم اللغة العربية، فإن العربية قد برع فيها كثير من غير أهلها، وكذلك الإنجليزية والفرنسية، وعندنا سيبويه الذي يعد أول من ألف في النحو العربي وقعد له؛ فارسي الأصل، وليس عربيا، فقد تعلم العربية وأجاد فيها، فما الإشكال في إجادة البخاري للعربية؟! [37]
قال الدكتور كوركيس عواد – وهو نصراني عراقي – قولة حق:” لقد أقبل أبناء الشرق والغرب، منذ القديم على تعلم العربية، سعيا وراء الوقوف على ما تحتضنه هذه اللغة من جليل التصانيف ونفيس المباحث. هذا إلى تفردها بمأثرة فائقة لا يدانيها فيها غيرها من لغات العالم. تلك هي أنها لغة القرآن الكريم، الكتاب الأعظم، وحامي حمى هذه اللغة الكريمة، ورافع راية العرب في الخافقين.”[38]
قال ابن خلدون: “فكان صاحب صناعة النّحو سيبويه والفارسيّ من بعده والزّجّاج من بعدهما وكلّهم عجم في أنسابهم. وإنّما ربّوا في اللّسان العربيّ فاكتسبوه بالمربى ومخالطة العرب وصيّروه قوانين وفنّا لمن بعدهم. وكذا حملة الحديث الّذين حفظوه عن أهل الإسلام أكثرهم عجم أو مستعجمون باللّغة والمربى لاتّساع الفنّ بالعراق. وكان علماء أصول الفقه كلّهم عجما كما يعرف وكذا حملة علم الكلام وكذا أكثر المفسّرين. ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلّا الأعاجم.[39] وبالتالي أصبح” حملة الشريعة أو عامتهم من العجم ” .[40]
ب-: ولادته وترعرعه في جو علمي، فقد كان أبوه أحد علماء بخارى المحدثين، وهذا يتضح من قول ابن حبان في كتابه “الثقات”: “إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي، أبو الحسن، يروي عن مالك وحماد بن زيد، روى عنه العراقيون”. [41]
وذكره البخاري في التاريخ الكبير فقال: “إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي أبو الحسن، رأى حماد بن زيد، وصافح ابن المبارك بكلتا يديه، وسمع مالكا”.[42]
ج-: لم يدخل البخاري في طلب الحديث إلا بعد إتقان اللغة وفروعها، ومما يدل على ذلك ما روي عنه أنه قال لرجل سأله أن يعلمه الحديث: “يا بني لا تدخل في أمر إلا بعد معرفة حدوده والوقوف على مقاديره، فقال له: عرفني حدود ما قصدت له ومقادير ما سألتك عنه، قال: ” اعلم أن الرجل لا يصير محدثا كاملا في حديثه إلا بعد أن يتيقن من معرفة الكتابة واللغة والصرف والنحو.[43]
د-: كثرة رحلات البخاري في الأقطار الإسلامية العربية ، و تلقيه العلم عن المشايخ في العواصم الإسلامية ، سبب في استحكام ملكاته العلمية و إتقانه للعلوم و الفنون. قال ابن خلدون: أن الرحلة في طلب العلوم و لقاء المشيخة مزيد كمال في التعليم ، و السبب في ذلك أن البشر يأخذون معارفهم و أخلاقهم و ما ينتحلون به من المذاهب و الفصائل تارة علما و تعليما و إلقاء، وتارة محاكاة و تلقينا بالمباشرة، إلا أن حصول الملكات عن المباشرة و التلقين أشد استحكاما وأقوى رسوخا، فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها[44].”
ي-: اعتراف العلماء بإتقانه للعربية قال ابن حجر: ” وكان صاحب فنون و معرفة باللغة العربية و التصريف.[45]“
قال الشيخ عبد الغني عبد الخالق: ” كان أديبا بالمعنى الأعم عند المتقدمين، وهو من أدرك أسرار العربية، و عرف الأساليب البلاغية، و ألم بأهم القواعد النحوية، ووقف على بعض خطب العرب وأمثالهم، وحفظ شيئا من منثورهم ومنظومهم، سواء أزاول كتابة الرسائل ونظم الشعر، أم لا.[46] “
ج- شبهة اختلاف النسخ!
خاض أيلال في علم يجهل أبجدياته وقواعده، ففضح نفسه عند أهل الاختصاص والمعرفة، خصوصا ما يتعلق بأصول علم الرواية وآداب الضبط والكتابة. وبطرق و أصول الرواية والتحمل عند علماء المسلمين .
فهذا القاضي عياض مفخرة المالكية ألف كتابه العظيم:) الإلماع الى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع)، جاء فيه بما يبهر و قعد فيه قواعد لتحقيق النصوص و الكتب قبل أن يهتدي لذلك علماء الغرب بقرون عديدة !
قال رحمه الله: (اعلم أن طريق النقل ووجوه الأخذ وأصول الرواية على أنواع كثيرة ويجمعها ثمانية ضروب وكل ضرب منها له فروع وشعوب ومنها ما يتفق عليه في الرواية والعمل ومنها ما يختلف فيه فيهما جميعا أو في أحدها كما سنوضحه إن شاء الله تعالى: أولها السماع من لفظ الشيخ، وثانيها القراءة عليه، وثالثها المناولة، ورابعها الكتابة، وخامسها الإجازة، وسادسها الإعلام للطالب بأن هذه الكتب روايته، وسابعها وصيته بكتبه له، وثامنها الوقوف على خط الراوي فقط.” وهذا مرجعه لمن أراد الاطلاع على تفاصيل القواعد.[47]
ختاما؛ وبعد هذا البيان يتضح أن هذه الفئة من المغرضين لا أساس لهم يتكئون عليه في نقد صحيح البخاري، وإنما هي نتائج من نتائج تأثرهم بالمستشرقين والروافض، ونتائج طمعهم في الشهرة والمال من باب خالف تعرف. نسأل الله لهم توبة نصوحا قبل فواة الأوان.
[1] – أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع (8/ 105)، رقم: (6502).
[2] – التَّحبير لإيضَاح مَعَاني التَّيسير، لمحمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني الكحلاني، جزء 1. صفحة 97-98، بتصرّف.
[3] – حياة البخاري، محمد جمال الدين القاسمي، صفحة 13-15. بتصرّف.
[4] – التوضيح لشرح الجامع الصحيحين، لابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد، جزء 1. صفحة 56-57، بتصرّف.
[5] – حياة البخاري، محمد جمال الدين القاسمي، صفحة 13-15. بتصرّف.
[6] – منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها (من خلال الجامع الصحيح)، أبو بكر كافي، صفحة 47-48. بتصرّف.
[7] – التَّحبير لإيضَاح مَعَاني التَّيسير، لمحمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني الكحلاني، جزء 1. صفحة 97-98، بتصرّف.
[8] – الإمام محمد بن إسماعيل البخاري وكتابه صحيح البخاري، أبو الحسن علي الندوي، صفحة 11-16. بتصرّف.
[9] – التصنيف في السنة النبوية، خلدون الأحدب، صفحة 86.
[10] – موقع الإسلام سؤال وجواب، محمد صالح المنجد، صفحة 1695، جزء 7.
[11] – الإمام محمد بن إسماعيل البخاري وكتابه صحيح البخاري، أبو الحسن علي الندوي، صفحة 11-16. بتصرّف.
[12] – سورة التوبة، الآية 100
[13] – سورة الجمعة، الآية 4
[14] – الكفاية للخطيب البغدادي، ص: 76. والله متم نوره ولو كره الكافرون والمغرضون ومن سار في دربهم.
[15] – رواه البخاري (1901)، ومسلم (759).
[16] – من النقل إلى العقل، حسن حنفي، ج 2، ص 344.
[17] – سورة القدر، الآية 3
[18] – أخرجه البيهقي في السنن الصغرى رقم (1821).
[19] – صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة (حديث رقم: 3245 )
[20] – من النقل إلى العقل، حسن حنفي، (2/ 394).
[21] – أخرجه البخاري (3280).
[22] – من النقل إلى العقل، حسن حنفي، (2/ 371).
[23] – . https://ampei.ma/?p=6419
[24] – فيض المنان في الرد على عدنان مبتدع هذا الزمان. منتدى التوحيد. https://www.eltwhed.com › showthread › 37615
[25] – داود العتيبي. ashafi3i@hotmail.com http://saaid.org/bahoth/171.htm
[26] – شرح صحيح مسلم، النووي،(1 /116).
[27] – شرح صحيح مسلم، النووي،(1 /125.)
[28] – لامع الدراري على جامع البخاري، الكاندهلوى، (1 /10).
[29] – انظر: مسند البزار المنشور باسم البحر الزخار: أبو بكر أحمد بن عمرو البزار(16/191)، كشف الأستار عن زوائد البزار: نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، (2/390). الموقع الرسمي للأستاذ الدكتور صالح حسين https://www.drsregeb.com/index.php?action=detail&id=103
[30] – سورة الفرقان: الآية 5
[31] – سورة النحل، الآية 24.
[32] – تاج العروس، الزبيدي، ج12، ص 25.
[33] – معاني القرآن ، الفراء: ج2، ص 411.
[34] – مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 13، ص 351.
[35] – التفنيد لشبهات أيلال رشيد حول صحيح البخاري، ص 8.
[36] – صحيح البخاري .. نهاية أسطورة، رشيد أيلال ، ص 164.
[37] – دفع الشبهات عن السنة النبوية، عبد المهدي عبد القادر عبد الهادي، ص 237 و ما بعدها .
[38] – بؤس التنوير، عبد الحميد بن محمد المير، ص 292.
[39] – مقدمة ابن خلدون ، ص 747.
[40] – مقدمة ابن خلدون ج 2 ص 364.
[41] – الثقات، ابن حبان، ج 8، ص 98.
[42] – التاريخ الكبير، البخاري، ج1، ص 342 – 343.
[43] – تهذيب الكمال، المزي، ج 24، ص 462 – 463.
[44] – مقدمة ابن خلدون، ج2، ص 358.
[45] – هداية الساري، للعسقلاني، ص76.
[46] – البخاري و صحيحه، عبد الغني عبد الخالق، ص 133.
[47] – الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، القاضي عياض، ص 69.