منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دعوة لوقفة مراجعة مع الذات ـ خواطر في زمن الكورونا (3)

د. ابتسام زاروق

0

كل شيء في هذه الدنيا أصبح يبعدنا عن ذواتنا، فعجلة الحياة لا تتوقف، والإنسان في سعي دائم لكسب الرزق والوفاء بمسؤولياته. حتى إن بلغ منا التعب مبلغه، وبحث الانسان عن متنفس للراحة، غالبا ما يكون ذاك المتنفس أمام شاشة معينة، شاشة هاتف أو لوحة إلكترونية أو تلفاز أو حاسوب. المهم أن لحظات خلوتنا غالبا إن لم أقل دائما ما أصبحت مرتبطة بشاشة موصولة بالأنترنت، نفقد أمامها الوصال مع ذواتنا.

الأن وفي خضم الحجر الصحي، المفروض علينا بسبب جائحة كورونا، يحز في النفس أننا ما زلنا نمارس الهروب الدائم من الذات، رغم الوقت المتاح لنا للدخول معها في مواجهة حقيقية نطرح فيها أسئلة وجودية: ما الهدف من حياتي؟ ماذا قدمت؟ وإلى أين أمضي؟

المبتغى هو مراجعة ذاتية لما كان ولما سيكون، فهذه الأيام قد تكون هي الأيام الأخيرة التي يحياها الواحد منا، وقد تكون اخر الأيام التي نعيشها مع شخص عزيز علينا، وقد تكون اخر الأيام التي نعيشها في ظل العالم الذي ألفناه. لا أحد يدري ما تخبئه لنا الأيام القادمة، لذلك فلا معنى بأن نمضي وقتنا الثمين في ظل الحجر الصحي في متابعة اخر المسلسلات والأفلام، والاطلاع على اخر المنشورات في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي قتل الملل بتضييع الأوقات في النوم والمزاح.

ربما كان الموت دائما متربصا بالإنسان، لكننا في غالب الأحيان (إلا من رحم الله) نتصف بطول الأمل، ونحيا وكأن عمرا مديدا مازال أمامنا. روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: “لا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابّا فِي اثنَتيْنِ: فِي حُبِّ الدُنْيَا، وَطولِ الأَمَلِ”. ذاك قلب الكبير في السن، فما بالك بقلب الشاب الذي يظن أنه في منأى عن الموت. فماذا نحن فاعلين والموت أصبح يطرق أبوابنا جميعا في ظل هذا الوباء الذي أصبح يحصد أرواح الشباب بعد أن شاع في البداية أنه لا يفتك إلا بالشيوخ؟ ماذا نحن فاعلين ونحن ندرك أنه لا أحد يضمن عدم إصابته هذا المرض، ولا أحد يضمن عدم فتك هذا المرض به؟

الأولى بدل الهروب من الذات، مواجهتها ومحاسبتها قبل أن تحاسب، وإعلان التوبة للبارئ. روى الترمذي عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن اللهَ يقبَلُ توبة العَبْدِ ما لم يُغَرْغِرْ). فالحمد لله أن باب التوبة مازال مفتوحا على مصراعيه، والحمد لله أنه بعدما أغلقت أبواب المساجد مازالت أبواب السماء مفتوحة. فهلا صلينا جميعا صلاة التوبة، وأعلنا الحوبة إلى خالقنا.

والأولى بعد ذلك جمع العزم للعمل على الذات تطويرا ورقيا على جميع المستويات والمستوى الأهم هو علاقة الذات مع خالقها. عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْها ) . هي دعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم للعمل حتى اخر لحظة، حتى لو كانت تلك اللحظة تسبق قيام يوم القيامة، وحتى لو كان ذلك العمل زرع فسيلة لا ندري أسيتاح لها أن تثمر أم لا. ربما كان الواحد منا الأن يحيا لحظاته الاخيرة قبل أن تقوم قيامته هو وينهي الموت رحلته في هذه الدنيا، وربما كان الوقت قد حان لنزرع فسيلتنا، فلينظر كل واحد ماذا يريد أن يزرع في هذه الأيام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.