منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

محاسبة النفس بعد العمل ضرورة ملحة (خطبة الجمعة) || بن سالم باهشام

محاسبة النفس بعد العمل ضرورة ملحة (خطبة الجمعة) || بن سالم باهشام

0

محاسبة النفس بعد العمل ضرورة ملحة| سلسلة خطبة الجمعة

بن سالم باهشام

خطيب الجمعة بمسجد أم الربيع بخنيفرة سابقا

عباد الله، لو طلب منا أحد أن ننصحه أداء لواجب حق النصح لأخيه، مصداقا لما رواه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:  (حَقُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ سِتٌّ قيلَ: ما هُنَّ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: (… وإذا اسْتَنْصَحَكَ فانْصَحْ له، …).[ أخرجه البخاري (1240)، ومسلم (2162)] ، فماذا عسانا أن نقول له؟ إن الإنسان ليرتبك عندما يفاجأ بهذا الطلب، وتختلف النصيحة من ناصح لآخر، وتبقى النصيحة دون المستوى كلما ابتعدنا عن الهدي النبوي السليم، وعن سيرة الصحابة الأبرار الأطهار رضي الله عنهم.

عباد الله، اسمعوا إلى ما کان يشغل أذهان الصحابة رضوان الله عليهم؛ ومَن بعدهم من القرون المشهود لها بالصلاح، وما كانوا يتناصحون به، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو في أنفاسه الأخيرة، مقبل على الآخرة، ومدبر عن الدنيا، ويريد أن يوصي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والذي سيصبح أمیرا للمؤمنین، وسيتقلد منصب مسؤولية السهر على مصالح الناس، نظر أبو بكر الصديق لعمر رضي الله عنهما وقال له: ( یا عمر؛ إنَّ أوَّل ما أحذِّرُكَ نفسك التي بين جنبيك).[جامع العلوم والحكم 2/23.]

كلام وجيه ووجيز، قاله خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر الفاروق، الذي فرق الله به بین الحق والباطل، وأعز الله به الدين، عمر الذي أقسم الرسول صلى الله عليه وسلم في حقه فقال فيما رواه البخاري ومسلم: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ)، [رواه البخاري (3294) ، ومسلم(2396)]، عمر المبشر بالجنة، يحذره أبو بكر الصديق من نفسه، فإذا كان هؤلاء الجبال في الأخلاق والسلوك والسماحة والرحمة والرأفة والتواضع والعلم والحلم ونكران الذات، يتواصون بهذه الأمور،فما بالنا نحن نُعرض في أحاديثنا ومحاضراتنا وكلامنا واجتماعاتنا عن هذا الأمر الخطير، الذي هو أمر النفس، والذي علق الله صلاح المجتمع كله وتقدمه وازدهاره وانتصاره، على إصلاح النفس فقال عز وجل في سورة الرعد: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) [الرعد: 11].

عباد الله، يا من أردتم أن تعرفوا عدوكم من صديقكم، هل علمتم أن أنفسكم التي بين جنبيكم هي أول أعدائكم؟ ! لهذا كانت هي الوصية الأساسية لأبي بكر الصديق إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، لأنها أعدى الأعداء الثلاثة للإنسان، قال يحيى بن معاذ رحمه الله:  (أعداء الإنسان ثلاثة: دنياه، وشيطانه، ونفسه، فاحترس من الدنيا بالزهد فيها، ومن الشيطان بمخالفته، ومن النفس بترك الشهوات).

عباد الله، كان التابعي الحسن البصري رحمه الله يقول: (ليس عدوك الذي إن قتلته استرحت منه، ولكن عدوك نفسك التي بين جنبيك). [تهذيب الآثار، للطبري 3/160].
عباد الله، بعد اكتشاف العدو من الصديق، تأتي المحاسبة والتي قال فيها الحسن البصري رحمه الله تعالى: (إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قدماً ما يعاتب نفسه).

عباد الله، هكذا عرف الصالحون خطورة النفس، وأنها أقرب عدو للإنسان، فبادروا إلى مجاهدتها قبل كل جهاد! واحترسوا من شرورها،  وحاسبوها حسابا دقيقا، فما أحوج نفوسنا إلى جهاد يردُّ عدوانها. روى الطبراني عن ابن عمرو رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (… وأفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله عز وجل) [أخرجه الطبراني (13/18 رقم 26)، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (2/600 ، رقم 639) ]، فجهاد النفس إذاً من أفضل أنواع الجهاد، قال ابن بطال رحمه الله: (جهاد المرء نفسه هو الجهاد الأكمل، قال تعالى في سورة النازعات: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى[النازعـات:40]. ويقع بمنع النفس عن المعاصي، وبمنعها من الشبهات، وبمنعها من الإكثار من الشهوات المباحة لتتوفر لها في الآخرة).

عباد الله، إن العبد المسلم التقيَّ في جهاد مستمر مع نفسه حتى لا ترديه، فيخصِّص لها وقتًا في آخر كل نهار، يحاسِبُ فيه نفسه على جميع حركاته وسكناته، فيحاسبها بدايةً على الفرائض، فإن أدَّاها على وجهها، شكر الله تعالى، وإن فوَّتها من أصلها، طالَبَ نفسه بالقضاء، وإن أدَّاها ناقصة، كلَّفها الجبرانَ بالنوافل، وإن ارتكب معصية، اشتغل بعقوبتها وتعذيبها ومعاتبتها ليستوفي منها ما يتدارك به ما فرط، بل يحاسب نفسه حتى على خواطره وأفكاره، وقيامه وقعوده، وأكله وشربه ونومه، وهل نوى بذلك كلِّه وجهَ الله أم الدنيا؟ ويحاسب النفس على جميع العمر يومًا يومًا، وساعةً وساعةً، في جميع الأعضاء الظاهرة والباطنة.

عباد الله، بعد هذه المحاسبة تأتي التوبة؛ لأن المسلمَ إذا حاسَب نفسه، عرَف ما عليه من الحق فخرج منه، والأصل أن التوبة تكون بين محاسبتين: محاسبة قبلها تقتضي وجوبها، ومحاسبة بعدها تقتضي حفظها.

النوع الأول: محاسبة قبل العمل: 

وهي أن يقف  الشخص عند أول  همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه علی ترکه، فإن رجح فعله، هل الباعث وجه الله أو الدنيا؟ فإن ترجح وجه الله، أقدم عليه.

النوع الثاني: محاسبة بعد العمل، 

وهي على أقسام ثلاثة:

القسم الأول: محاسبتها على التقصير في الطاعات في حق الله: وذلك يكون بأن يديم سؤاله لنفسه، هل أديت هذه الفريضة على الوجه الأكمل، مخلصا فيها لله، ووفق ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإن كان مقصرا – وكلنا مقصرين – فليسدد الخلل بالنوافل، فإنها ترفع النقص في الفريضة، وتربي لدى العبد جانب العبادة، وبالمجاهدة وكثرة اللوم يخف التقصير في الطاعات إلى درجة كبيرة.

القسم الثاني: الجلوس مع النفس لنقلها إلى الثمرة والنتيجة: وهذا يكون بعد المحاسبة على التقصير، وذلك بالعمل على تكفير تلك المعصية، فيتدارك الشخص نفسه بالتوبة النصوح، و بالاستغفار والحسنات الماحية والمذهبة للسيئات.

عباد الله، إن من الواجب على كل ذكر وأنثى، أن يبادر بالتوبة قبل أن يختم لأحدنا بخاتمة السوء – لا قدر الله –  ويلقى الله وهو مصر على تلك المعصية إن لم يتب منها صغيرة كانت أم كبيرة، إذ لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما.

عباد الله، علينا أن نتذكر جميعا ما ينتظرنا من حشر ونشر وهول جهنم، وما أعده الله للعصاة  والفسقة من الأغلال والحديد والزقوم والصديد في النار ، قال كعب الأحبار رضي الله عنه :(لو أنه فتح في جهنم قدر منخر ثور بالمشرق، ورجل بالمغرب، لغلی دماغه حتى يسيل من حرها.).

القسم الثالث: المحاسبة بعد العمل على ما كان تركه خيرا من فعله، أو على أمر مباح: فنضع هذا السؤال، ما سبب فعله ؟ فنوجه لأنفسنا أسئلة متكررة، لم فعلت هذا الأمر؟ أليس الخير في تركه؟ وما الفائدة التي جنيتها منه ؟ هل هذا العمل يزيد من حسناتي ؟ ومثل ذلك من الأسئلة. وأما الفعل المباح، فننظر هل أردنا به وجه الله والدار الآخرة فيكون ذلك ربحا لنا، أو فعلنا له مضيعة للوقت على حساب ما هو أنفع وأنجح.

عباد الله، هذا هو الجهاد الذي ينتظر كل واحد وواحدة منا قبل أن نفكر في جهاد الكفار وتغيير المجتمع، والتفكير في إصلاحه. إذ الجهاد على ثلاثة أصناف:

1 – جهاد الكفار: وهو جهاد الظاهر، كالذي في قوله تعالى في سورة المائدة: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [المائدة: 54] .

2 – جهاد أصحاب الباطل: ويكون بالعلم والحجة، كقوله تعالى في سورة النحل: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125].

3 – جهاد النفس الأمارة بالسوء: كالذي في قوله تعالى في سورة العنكبوت:  (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: 69]، وجهاد النفس هو الجهاد الأكبر لاعتبارات عدة:

أ – لأن الجهاد مع النفس أدوم، وجهاد الكفار يكون في وقت دون وقت.

ب  ولأن الغازي يرى العدو، بينما لا يرى النفس والشيطان، والجهاد مع عدو يراه، أسهل من الجهاد مع عدو لا يراه.

ج – ولأن الشيطان مُعانا من نفسك، وهو الهوى، ولیس  للكافر من نفسك معين، فلذلك كان أشد.

د – ولأنك إذا قتلت الكافر تجد النصر والغنيمة، وإن قتلك الكافر تجد الشهادة والجنة، ولا تقدر أن تقتل الشيطان، وإن قتلك الشيطان تقع في عقوبة الرحمن.

ه – ومن وقع في أيدي الكفار لا يسْودّ وجهه، ولا تغل يده إلى عنقه، ولا تجوع بطنه … ومن وقع في غضب الجبار جل جلاله، يسود وجهه، وتغل يده إلى عنقه بالأغلال، وتقيد رجله بقيود النار، ويكون طعامه نارا، وشرابه نارا، ولباسه من نار والعياذ بالله.   وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون إلى يوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.