منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العلماء ومعضلة الاستقلال

الدكتور محماد رفيع

0

العلماء ومعضلة الاستقلال

بقلم: الدكتور محماد رفيع

            ظلت مؤسسة العلماء عبر تاريخنا الإسلامي محل تجاذب وصراع بين حراس استقلالها عن السلطة الزمنية، وبين السلطة التي تحرص على جعلها أداة من أدواتها، فأنتج لنا هذا الصراع نموذجين من أهل العلم: نموذج تابع للسلطة وداعم لها ومتنعم بريعها، ونموذج آخر يصر على حفظ استقلاله عن السلطة ليتمكن من أداء واجبه الشرعي في المراقبة والنقد والتوجيه لتصرفات السلطة، وظل النموذجان مترافقين ومتعاصرين عبر التاريخ إلى الآن.

            غير أن التمايز بين الصنفين يتسع ويتفاحش عند الأحداث الكبرى والنوازل العظمى التي تحل بساحة الأمة، حيث تصطف السلطة مع أعداء الأمة المعتدين ومعها علماؤها التابعون يتولون سلطة الانتحال والتحريف للكلم عن مواضعه، وينبري أهل العلم والمروءة الذين يملكون رأيهم ولا يستتبعهم غيرهم للدفاع عن مصالح الأمة، وكشف وجوه الزيف والتآمر، فتلتف الأمة حول أئمتها الناصحين الصادقين، وتنفر بكل احتقار وازدراء من علماء السلطة الخائنين لأمانة النصح والتبليغ.

            ولعل ما نعيشه من دواهي النوازل كالتطبيع مع كيان الشر، ومذبحة غزة العزة، وإسقاط النظام الدموي بسوريا، كاشف ناصع لما وصفناه، لندرك تماما نعمة استقلال العلماء عن السلطة، وإلا فمن يصلح الملح إذ الملح فسد، فالعلماء هم ملح البلاد، ورحم الله العلامة محمد رشيد رضا الذي أدرك بيقين قيمة استقلال العلماء، وخطورة فقدانها، فقال: “واعلم أنه لا مفسدة أضر على الدين وأبعث على إضاعة الكتاب ونبذه وراء الظهر واشتراء ثمن قليل به من جعل أرزاق العلماء ورتبهم في أيدي الأمراء والحكام، فيجب أن يكون علماء الدين مستقلين تمام الاستقلال دون الحكام –لا سيما المستبدين منهم– وإنني لا أعقل معنى لجعل الرتب العلمية ومعايش العلماء في أيدي السلاطين والأمراء، إلا جعل هذه السلاسل الذهبية أغلالا في أعناقهم يقودونهم بها إلى حيث شاءوا، من غش العامة باسم الدين وجعلها مستعبدة لهؤلاء المستبدين، ولو عقلت العامة لما وثقت بقول ولا فتوى من عالم رسمي مُطَوَّق بتلك السلاسل”. (المنار: 4/232).

            ختاما نرجو الله تعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال الأمة، وأن يعجل بنصرها على من ظلمها وتجبر عليها من الصهاينة المجرمين ومن والاهم من الحكام المستبدين، اللهم نصرك الذي وعدت به عبادك المؤمنين المجاهدين، والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.