أضحية العيد؛ أحكام وآداب
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي
لقد أمر الله أبا الأنبياء؛ سيدنا إبراهيمَ عليه السلام أن يذبح ابنه إسماعيلَ، فاستجاب لأمر الله دون تردد؛ فأنزل الله له فداءً من السماء؛ “وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم” (الصافات:107).
ثم شرع نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم الأُضحيَّة؛ إحياءً لهذه التضحية العظيمة من النبيّـين الكريمين سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل عليهما السلام. ثم أصبحت سنة مؤكدة على المسلمين، وبقيت نُـسُـكا وشعيرة وطاعة من أفضل الطاعات.
فجعلها الله تعالى نسُكا نتقرب بها إليه سبحانه، فقال عز وجل: “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”. (الأنعام:162).
والنُّسُك: الذبيحة لله ابتغاء وجهه، فإنهما أجَلُّ ما يتقرب به إلى الله، وأجَلُّ العبادات البدنية الصلاةُ، وأجل العبادات المالية النَّحْرُ، وما يجتمع للعبد في الصلاة وفي النحر؛ لا يجتمع له في غيرهما، إذا قارنه الإيمان والإخلاص، وحسن الظن بالله تعالى.
أولا: من أحكام الأضحية.
1- حكم الأضحية:
الأُضحيَّة: اسم لما يُذبح من الإبل والبقر والغنم، يوم النحر، وأيام التشريق؛ تقربًا إلى الله تعالى؛ وهي من شعائر الإسلام المشروعة بالكتاب الله، والسنة والإجماع، قال الله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام:162-163).
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ذبح بعد الصلاة، فقد تم نُسُكَه، وأصاب سُنَّة المسلمين). (رواه البخاري، ومسلم).
ومن السنة الفعلية؛ ضحَّى النبي صلى الله عليه وسلم، وضحَّى أصحابه رضي الله عنهم، ولهذا أجمع المسلمون على مشروعيتها.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: “ضحَّى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشَينِ أملحَينِ، ذبحهما بيده، وسمَّى وكبَّر، وضع رجله على صِفاحهما”(رواه الإمام البخاي).
لكن اختلفوا هل هي سنة مؤكدة، أو واجبة لا يجوز تركها:
– ذهب جمهور العلماء إلى أنها سُنة مؤكدة؛ وهو مذهب الإمام الشافعي، والإمامين مالك، وأحمد في المشهور عنهما.
– ذهب آخرون إلى أنها واجبة؛ وهو مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: هو أحد القولين في مذهب مالك، أو ظاهر مذهب مالك.
2- على من تُجزِئ الأضحية؟
– تُجزِئ الشاة عن الواحد فقط وأهل بيته، ولو كثُر عددهم؛ عن عطاء بن يسار قال: سألت أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: «كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويُطْعِمون»؛ (رواه الترمذي).
– تجزئ البَدَنَة والبقرة عن سبعة وأهل بيوتهم؛ لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: “نحَرْنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البَدَنَة عن سبعة، والبقرة عن سبعة”. (رواه مسلم).
– ذبح الأُضحيَّة أفضل من الصدقة بثمنِها، فقد أصاب الناس مجاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: (من ضحَّى منكم، فلا يصبحن بعد ثالثة في بيته منه شيء)، فلما كان العام المقبل، قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا في العام الماضي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلوا وأطعموا وادخروا؛ فإن ذلك العام كان في الناس جهدٌ، فأردت أن تعينوا فيها). (متفق عليه).
– تصح الأُضحيَّة عن الميت، إذا كانت إنفاذًا للوصية، أما أن يُفرِدَ الميت بأضحية تبرعًا، فهذا ليس من السُّنَّة، وقد مات عم النبي صلى الله عليه وسلم حمزة وزوجته خديجة، وثلاث بنات متزوجات، وثلاثة أبناء صغار، ولم يرِد عنه أنه أفردهم أو أفرد أحدا منهم بأضحية، وإن ضحى الرجل عنه وعن أهل بيته، ونوى بهم الأحياء والأموات، شملهم الثواب جميعا، بإذن الله تعالى.
3- شروط الأضحية:
يشترط للأضحية ستة شروط:
1- أن تكون من بهيمة الأنعام؛ الإبل، والبقر، والغنم.
2- أن تكون ملكًا للمضحي. وكذلك لا ينبغي أن يتعلق بها حق للغير، فلا تصح التضحية بالمرهون.
3- أن تبلغ السن المحدود شرعًا؛ بأن تكون جَذَعَة من الضأن، أو ثَنِيَّة من غيره؛ أخرج مسلم في صحيحه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تذبحوا إلا مُسنَّة، إلا أن يُعسَر عليكم، فتذبحوا جَذَعَة من الضأن».
والْمُسنة: الثَّنِيَّة فما فوقها، والجذعة ما دون ذلك، فالثِّنْيُ من الإبل: ما تم له خمس سنين، والثني من البقر: ما استكمل سنتين وطعن في الثالثة، والثني من الغنم: ما تم له سنة، والجذع: ما تم له نصف سنة، فلا تصح التضحية بما دون الثني من الإبل والبقر والمعز، ولا بما دون الجذع من الضأن.
قال ابن عبد البر في كتابه؛ الاستذكار: (وثني المعز إذا تمت له سنة، ودخل في الثانية، وثني البقر إذا أكمل له سنتان، ودخل في الثالثة، والثني من الإبل ما كمل له خمس سنين، ودخل في السادسة). وقال الإمام ابن القيم في “زاد المعاد”: (وأمرهم أن يذبحوا الجذع من الضأن، والثني مما سواه؛ وهي المسنة؛ روى البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر، قال: “قسم النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ضحايا فصارت لعقبة جَذَعَة، فقال: ضحِّ أنت بها”).
4- أن تكون خالية من العيوب المانعة من الإجزاء؛ وهي أربعة:
العور البيِّن، والمرض البين، والعرج البين، الهزال المزيل للمخ؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والعجفاء التي لا تنقي) رواه الإمام أحمد في مسنده.
يعني: لا نقي فيها؛ أي: لا مخ في عظامها، وهي الهزيلة العجفاء، فلا يجزئ في الأُضحيَّة سوى السليمة من كل نقص في خِلْقَتِها.
5- أن يضحي بها في الوقت المحدّد شرعا:
يبدأ وقت ذبح الأُضحيَّة من بعد صلاة العيد؛ لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن نحر قبل الصلاة، فإنما هو لحم قدَّمه لأهله، ليس من النُّسُكِ في شيء»؛ (رواه البخاري، ومسلم).
ويمتد وقت الذبح إلى آخر أيام التشريق؛ وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، فتكون أيام الذبح أربعة؛ لحديث جبير بن مطعم رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كل أيام التشريق ذبح” (رواه الإمام أحمد).
ثانيا: الحكمة من مشروعية الأُضحيَّة:
1- إحياء سنة أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام؛ إذ أوحى الله إليه أن يذبح ولده إسماعيل، ثم فداه بكبش فذبحه بدلًا عنه؛ قال تعالى: “وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ”.
2- التقرب إلى الله تعالى بها؛ إذ قال سبحانه: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (الكوثر:2)، وقال عز وجل: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام:162)، والنسك هنا هو الذبح تقربًا إلى الله سبحانه وتعالى؛ وقال تعالى: “لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ”.(الحج:37).
3- تعويد للنفس على بذل المال في سبيل الله؛ لأن النفس جُبِلت على حب المال؛ كما قال سبحانه: “وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا” [الفجر: 20]، وبذل المحبوب في سبيل الله دليل على صدق الإيمان، وطاعة الله تعالى.
4- إدخال السرور، والتوسعة على النفس والأهل. وإشاعة الفرحة بين الفقراء والمساكين لما يتصدق عليهم منهم؛ وقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على التصدق منها فقال: «فكلوا وادخروا وتصدقوا»؛ (رواه الإمام مسلم).
5- شكر الله تعالى على ما سخر لنا من بهيمة الأنعام؛ قال تعالى: “فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (الحج:36).
ثالثا: من فضائل الأُضحيَّة:
لم يَرِدْ حديث صحيح في فضل الأُضحيَّة، سوى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على فعلها، كما وردت أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، عن الأضحية وفضلها، بعضها يعضد بعضا[1]، نذكر منها:
– قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما عمل ابن آدم يوم النحر عملًا أحبَّ إلى الله عز وجل من إراقة دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم لَيقع من الله عز وجل بمكان، قبل أن يقع على الأرض؛ فطِيبوا بها نفسًا”. (رواه ابن ماجه والترمذي).
– سئل النبي صلى الله عليه وسلم؛ “ما هذه الأضاحي”؟ قال: “سنَّة أبيكم إبراهيم”، قالوا: ما لنا منها؟ قال: «بكل شعرة حسنة»، قالوا: فالصوف؟ قال: “بكل شعرة من الصوف حسنة”. (رواه ابن ماجه، والترمذي).
– عن زيد بن أرقم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنه سُئل: ما هذه الأضاحي؟ قال: «سُنَّة أبيكم إبراهيم»، قالوا: ما لنا فيها من أجر؟ قال: «بكل قطرة حسنة) (رواه ابن ماجه).
– رُوِيَ عنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما أُنْفِقت الورق في شيء أفضل من نحيرة يوم عيد»؛ (رواه البيهقي عن ابن عباس، والحديثان ضعيفان عند أهل العلم، لكن يُستأنس بهما مع الأدلة الأخرى).
– قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “أمر الله أن يجمع بين هاتين العبادتين؛ وهما؛ الصلاة والنسك الدالتان على القرب والتواضع، والافتقار إلى الله، وحسن الظن به، وقوة اليقين، وطمأنينة القلب إلى الله وعدته، عكس حال أهل الكِبْرِ والنفرة، وأهل الغِنى عن الله الذين لا حاجة لهم في صلاتهم إلى ربهم، ولا ينحرون له خوفًا من الفقر؛ ولهذا جمع الله بينهما في قوله تعالى: “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”.
قال ابن بطال: (الذبح بالمصلى هو سُنَّة للإمام، خاصة عند مالك؛ قال مالك فيما رواه ابن وهب: إنما يفعل ذلك لئلا يذبح أحد قبله، زاد المهلب: وليذبحوا بعده على يقين، وليتعلموا منه صفة الذبح. قلت: والذبح قرين الصلاة في مواضعَ من كتاب الله؛ وذلك دليل على فضله وعظم التعبد لله به؛ قال تعالى: “فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ”).
ونختم بآداب الأضحية؛
يستحب أن يباشر المسلم دبح أضحيته بنفسه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإن أناب غيره في ذبحها؛ جاز له ذلك بلا خلاف.
ولا يُعطَى الجازر أجرة عمله من الأُضحيَّة؛ لقول سيدنا علي رضي الله عنه: (أمرني رسول الله أن أقوم على بَدَنَة، وأن أتصدق بلحومها وجلودها وجُلالها، وألَّا أعطيَ الجازر منها شيئًا، وقال: نحن نعطيه من عندنا)؛ (متفق عليه).
وذكر سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أن؛ النبي صلى الله عليه وسلم، كان يضع قدمه على صِفاحهما؛ يعني: صفحة عنق الذبيحة عند ذبحها؛ لئلا تضطرب، وهذه رحمة منه؛ كما ذكر أنس، وهو يشاهد الرسول صلى الله عليه وسلم يذبح.
قال الإمام ابن حجر في فتح الباري: (واتفقوا على أن اضطجاعها يكون على الجانب الأيسر، فيضع رجله على الجانب الأيمن؛ ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين، وإمساك رأسها باليسار).
ويجمُـل بنا أن نذكّر بالسنة من نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، وهي؛ الإحسان في الذبح، فقد أمر عليه السلام الناس إذا ذبحوا أن يُحسِنوا الذبح، وإذا قتلوا أن يحسنوا القتلة، فعن شداد بن أوس قال: “ثِنْتان حفِظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسِنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذِّبحة، ولْيُحِدَّ أحدكم شفرته ولْيُرِحْ ذبيحته”. (رواه الإمام مسلم).
ويُستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته، ويُهدي، ويتصدق؛ لقوله تعالى: “فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ” (الحج:28). وقوله عز وجل: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”[2] (الحج:36).
وعن أمنا عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كلوا وادخروا وتصدقوا”. (رواه مسلم). والإطعام يشمل الصدقة على الفقراء، الهدية للأغنياء، ويستحب أن تقسم الأُضحيَّة ثلاثًا؛ يأكل أهل البيت ثُلُثًا، ويتصدقون بالثلث، ويُهدون لأصدقائهم ثلثًا، وإن لم يقسمها هذه القسمة، جاز كأن يتصدق بها كلها، أو يأكلها كلها، أو يهديها كلها.
نسأل الله أن يجعل أضحيتنا خالصة لوجه الله، وأن تكون صوابا على السنة،
لتكون نسكا متقبلا عنده سبحانه. ءامين، والحمد لله رب العالمين.
[1] – والعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؛ هو رأي الجمهور.
[2] – القانع: السائل المتذلل، والمعترُّ: المتعرض للعطية بدون سؤال.