أحكام صيام الست من شوال.
بقلم: الدكتور أحمد الإدريـسي
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
لقد منَّ الله على عباده المؤمنين بصيام ستة أيام من شوال، بعد انقضاء شهر رمضان، ورتب عليه عظيم الأجر والثواب، وثبت في فضائلها العديد من الأحاديث؛ منها حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: “من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر”[1].
وفي صيام الست من شوال فوائد كثيرة، منها؛ أن صيام النفل قبل وبعد الفريضة يكمل به ما يحصل في الفرض من خلل ونقص، فإن الفرائض تجبر وتكمل بالنوافل يوم القيامة، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وكثيرا ما يتساءل الناس، هل يصح صيام الست من شوال والقضاء بنية واحدة؟،
وهل يجوز صيام الست من شوال قبل قضاء الدين من رمضان؟
أولا: الجمع بين عبادتين بنية واحدة.
في الجمع بين عبادتين بنية واحدة حالات، ومنها:
– إذا كانت إحدى العبادتين غير مقصودة، والأخرى مقصودة بذاتها صح الجمع ولا يقدح ذلك في العبادة كتحية المسجد مع فرض أو سنة أخرى، فتحية المسجد غير مقصودة بذاتها، وإنما المقصود هو شغل المكان بالصلاة، وقد حصل.
– إذا كان في الوسائل أو مما يتداخل صح، وحصل المطلوب من العبادتين، كما لو اغتسل الجنب يوم الجمعة للجمعة ولرفع الجنابة، فإن جنابته ترتفع ويحصل له ثواب غسل الجمعة.
– الجمع بين عبادتين مقصودتين بذاتهما كالظهر وراتبته، أو كصيام فرض أداءً أو قضاء كفارة كان أو نذراً، مع صيام مستحب كست من شوال فلا يصح التشريك، عند بعض العلماء، لأن كل عبادة مستقلة عن الأخرى مقصودة بذاتها لا تندرج تحت العبادة الأخرى.
ثانيا: صيام الست من شوال والقضاء بنية واحدة.
اختلف العلماء في صيام الست من شوال والقضاء بنية واحدة، كما يلي:
– ذهب كثير من الفقهاء (كالشافعية وفتوى دار الإفتاء المصرية) إلى جواز صيام القضاء مع الست من شوال بنية واحدة، فيحصل المسلم على أجر القضاء والسنّة معاً، مع تقديم نية الفرض.
– يرى آخرون (كالحنابلة والمالكية) عدم الجواز، وأن الأفضل والأحوط هو صيام القضاء أولاً ثم الست من شوال منفردة للحصول على الأجرين كاملا. فلا يصح التداخل والجمع بينهما بنية واحدة. لأن صيام القضاء لشهر رمضان مقصود لذاته، وصيام ست من شوال مقصود لذاته لأنهما معا كصيام الدهر.
– وأما إن صام في شوال بنية القضاء فقط ووافق ستاً من شوال فأكثر، فهل يحصل له ثواب صيام الستة من شوال أم لا؟ الأقرب أنه يرجى له أن يحصل له ثواب دون ثواب من أفرد الست بالصوم تطوعاً، لاحتمال أن يندرج النفل تحت الفرض.
قال الشيخ زكريا الأنصاري: (ولو صام فيه – أي شوال – قضاء عن رمضان أو غيره نذراً أو نفلاً آخر، حصل له ثواب تطوعها، إذ المدار على وجود الصوم في ستة أيام من شوال… لكن لا يحصل له الثواب الكامل المترتب على المطلوب إلا بنية صومها عن خصوص الست من شوال، ولاسيما من فاته رمضان لأنه لم يصدق أنه صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال)[2].
خلاصة:
الأحوط والأفضل؛ صيام القضاء أولاً، ثم صيام الست من شوال، لقوله صلى الله عليه وسلم: “دين الله أحق أن يقضى”، لكن من صام القضاء في شوال: يرجى له أن يحصل على ثواب صيام الستة من شوال أيضاً، لأن النفل يندرج تحت الفرض.
ومن عليه أيام كثيرة: يمكنه صيام القضاء خلال شوال بنية القضاء والستة معا؛ تخفيفا وتيسيرا له.
ثالثا: حكم صيام الست من شوال قبل قضاء الدين من رمضان.
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن؛ البدء بصيام ست من شوال قبل قضاء رمضان صحيح، وقالوا؛ إن القضاء وقته موسع، بينما الست يفوت فضلها بفوات شوال.
وهو جائز مع الكراهة عند المالكية والشافعية. لكن الأفضل والأكثر إبراءً للذمة تقديم القضاء، خاصة وأن القضاء واجب والست نافلة.
وجائز بلا كراهة عند الحنفية، وهو الراجح والله أعلم؛ لأن القضاء موسع يجوز فيه التراخي، وصيام الست قد يفوت فيفوت فضله. بمعنى أن؛ تقديم صيام الست من شوال صحيح ولا كراهة فيه.
وخلاصة القول:
الأفضل تقديم القضاء، لكن من صام الست من شوال قبل القضاء فلا حرج عليه، والجمع بينهما أفضل لضمان الأجر، أي؛ تقديم قضاء رمضان هو الأفضل والأكثر براءة للذمة، لقوله ﷺ: “دَيْنُ الله أحقُّ أن يُقضَى”.
كما يجب قضاء ما عليك من رمضان قبل دخول رمضان التالي.
والحمد لله رب العالمين.
[1] – رواه الإمام مسلم في صحيحه.
[2] – حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب شرح “تحرير تنقيح اللباب”، للشيخ زكريا الأنصاري.