أحكام التَّيمُّم
د. محمد جعواني
تعريف التيمّم:
التيمّم لغةً: هو القصدُ والطَّلب والعزم. قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾[1].
وشرعاً: هو القصد إلى الصّعيد، ومسحُ الوجه واليدين به على صفة مخصوصة بشروط مخصوصة.
حكمُه:
التيمّم مشروع بالكتاب والسنّة والإجماع.
أما الكتاب، فقول الله تعالى ﴿ وإن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِنَ الغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾[2] وقوله سبحانه ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ﴾[3]. وسبب نزول آية التيمم أن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا استَعارت من أَسْمَاءَ قِلاَدَةً فضاعت منها وهي في سَفَر مع النبيّ صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه « فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَاسًا مِنْ أَصحَابِه فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُم الصَّلاَةُ، فَصَلَّوا بِغَيرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم شَكَوا ذَلِكَ إِلَيهِ، فَنَزَلَت آيَةُ التَّيَمُّمِ فَقَالَ: أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ، إلا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَة”[4] وفي لفظ آخر في الصحيحين “ما هي بأوّلِ بَرَكَتِكُم يا آل أبي بكر” .
وأما السُنَّة، فعن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم”… وَجُعِلَت لي الأَرْضُ مسجِدا وطَهُورا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ من أمَّتي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فليُصَلِّ”[5]، وحديث حذيفة قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم”… وَجُعِلَت لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَم نجِدِ المَاء”[6] ، وعن عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الخُزَاعِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلا لَمْ يُصَلِّ فِي القَوْمِ، فَقَالَ: يَا فُلاَنُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي القَوْمِ؟ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلاَ مَاءَ، قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ)[7] وحديث عَمْرو بن العَاص قال: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾[8]، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا)[9] وحديث عمّار قال: أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْه)[10].
وأما الإجماع، فقال النّووي:” أجمع العلماء على جواز التيمّم عن الحدث الأصغر بلا خلاف، وكذا أجمع أهل هذه الأعصار ومَن قبلهم على جوازه للجُنُب والحائض والنُّفساء، ولم يخالف فيه أحد من الخلف والسلف”[11]
والتيمّم من خصوصيات الأُمّة المسلمة، وهو رخصة للمسافر والمريض عند جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية، وقال الحنابلة وبعض الشافعية وابن حزم بأنه عزيمة.
أحكامه:
التيمّم طهارة تُرابية بديلة عن الوضوء والغُسل، ولها أسباب، وفرائض، وسنن، ومبطلات، وصفة خاصّة.
أ) أسباب التيمم:
- فَقْدُ الماء حقيقة أو حُكْمًا:
ويشمل هذا السّبب من لم يجد الماء أصلا، أو وجد ماءً غير كافٍ للوضوء أو الغسل، أو وجد ماءً يكفيه لطهارته ولكنّه يحتاج إليه لطعامه وشرابه أو لشراب من معه من مُحْتَرَم شرعا آدميّ أو حيوان.
ويشمل أيضا من وجد الماء الكافي ولكنه عجز عن استعماله، إما لمرض أو جُرْح واقع أو متوقَّع[12]، وإما لعدم القدرة على الوصول إليه، كالعاجز عن الحركة، أو فاقد آلة استخراجه.
ويجب على المسلم طلب الماء والبحث عنه من غير تكلّف أو مشقّة كبيرة كُلٌّ حَسَب قُدرته.
ومن وجد الماء بعد شروعه في الصّلاة أو بعد إتمامها فصلاته صحيحة، ويستحبّ له الإعادة في الوقت. ويستثنى من ذلك من تذكَّر الماء أثناء صلاته وكان الماء قريبا منه جدّا، فيجب عليه قطعها وإعادتها بالوضوء وجوبا لتفريطه وتقصيره إن كان الوقت متسعا، وأما إن تذكَّر بعد إتمام الصلاة فصلاته صحيحة، ويستحب له الإعادة في الوقت.
ومن فقد الطهوران (الماء والصّعيد) كالمحبوس والمكره…صلّى بغير طهارة ولا يقضي عند زوال عذره[13].
ويستحبّ لمن كان يرجو الحصول على الماء أن يؤخِّر الصّلاة إلى آخر الوقت المختار، ويصلي اليائس أوّل الوقت، أما المتردِّدُ فيصلي في وسط الوقت.
قال ابن عاشر ‑ رحمه الله ‑ :
آخِرُهُ لِلرَّاجِ، آيِسٌ فقَط أَوَّله والمتـردِّد الوسَط
- خوف خروج وقت الصلاة، أو فوات رفيق:
يتيَمَّمُ من خاف خروج وقت الصّلاة الاختياري إن هو اشتغل بإحضار الماء، أو استعماله في الوضوء أو الغسل[14]. كما يتيمّم المسافر إذا خاف فوات رفاقه إن هو ذهب للبحث عن الماء.
فمن حصل له سبب من أسباب التيمم السابقة جاز له التيمم لجميع الصّلوات، فرضا كانت أو نفلا، جمعة أو جنازة أو غيرها، حاضرا كان أو مسافرا، صحيحا أو مريضا[15].
ومن احتلم في المسجد فإنه يُبادر إلى الخروج منه للاغتسال.
ولا يُصلَّى بالتيمّم إلا فرضا واحدا، لأن الأصل وجوب الطهارة لكل صلاة، وقد خَصَّصت السنّة من ذلك الطّهارة بالماء حيث صلّى النبيّ صلّى الله عليه وسلم يوم فتح مكّة صلوات بوضوء واحد، فبقي التيمم على أصله. وقد صحَّ عن ابن عمر رضي الله عنهما إيجاب التيمم لكل فريضة[16]، ولم يُعْلَمْ له مخالف من الصحابة[17]. وذهب بعض المالكية كابن أبي زيد القيرواني وابن العربي إلى جواز الصلاة بالتيمم الواحد أكثر من فرض لمن له عذر ملازم. ويجوز لمن صلّى بالتيمم فريضة أن يصلي بعدها على الجنازة، أو يصلي السنن والرواتب بشرط الاتصال وعدم الفصل الطويل. كما يجوز التيمم استقلالا للطاعات ونوافل الخير كقراءة القرآن والنوم.
ب) فرائض التيمّم:
قال ابن عاشر ‑ رحمه الله ‑:
فُرُوضُهُ مَسْحُكَ وَجْهًا واليَدَين للكُوع والنية أولى الضَّرْبَتين
ثمّ المُوالاة، صَعيـــدًا طَهُرَا وَوَصْلُها به، وَوَقْتٌ حَضَـرَا
‑ النية:
ينوي المتيمم فَرْضَ التيمّم أو إباحة فرض الصلاة، أو إباحة فرض الصلاة من الجنابة أو الحيض، ولا ينوي رفع الحدث لأن التيمم لا يرفع الحدث[18]، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص “صلّيت بأصحابك وأنت جنب”[19].
‑ الصّعيد الطّاهر: والصعيد في اللّغة: وَجْهُ الأرض، والمراد به ما يُتيَمّم عليه من أجزاء الأرض، ويشمل التّراب والرّمل، وما لم يُطْبَخ بالنار من الحجر والآجر…وجميع المعادن ‑ ماعدا الذّهب والفضّة ‑ قبل أن تدخلها الصَّنعة، والأفضل في كل ذلك التراب.
‑ الضّربة الأولى: وهي مَسُّ الصعيد الطاهر بالكَفَّين قبل مسح الوجه واليدين.
‑ مسح الوجه واليدين إلى الكوعين: مرّة واحدة من غير تكلف.
‑ الموالاة: وهي فِعْلُ التيمّم من غير فصل بين أجزائه، أو بينه وبين ما فُعِل له، فيشترط دخول الوقت لصحة التيمم. وهو قول جمهور الفقهاء.
ج) سنن التيمم:
قال ابن عاشر ‑ رحمه الله ‑:
سُنَنُهُ مَسْحُهُما للمرْفــق وضَرْبةُ اليدَين، ترتيبٌ بَقِي
‑ مسح اليدين إلى المرفقين: يسنُّ مسح اليدين إلى المرفقين لفِعْلِ ابن عمر رضي الله عنهما، ومن اقتصر على مسح الكوعين صحَّت صلاته ويعيد في الوقت استحبابا.
‑ الضربة الثانية[20]: ودليلها القياس على الوضوء، وفعل ابن عمر رضي الله عنهما[21].
‑ ترتيب الأفعال: فيمسح الوجه أوّلا ثم اليدين، لوروده في الآية وحديث عمار السابق، فإن نكّس أعاد مسح اليدين، فإن صلى منكسا أجزأته[22].
د) مندوبات التيمم:
قال ابن عاشر ‑ رحمه الله ‑:
مندوبُه تسمِيةٌ، وَصْفٌ حميد …………………..
‑ التسمية: تندب التسمية عند بداية كل أمْرٍ ذي بال، ومن ذلك التيمم.
‑ الوصف الحميد: فيجلس المتيمم مستقبل القِبْلة، ناويًا فرض التيمّم أو إباحة الصلاة من الجنابة أو الحيض، ثمّ يسمّي الله، ويضع يديه مبسوطتين على الصعيد الطّاهر، ثمّ ينفضُ ما عَلق بهما، ويمسح بهما وجهه من غير تكرار ولا تكلّف، ثمّ يضع يديه مجدَّدا على الصعيد ويمسح يده اليمنى فيضع ظهر أصابعها في باطن كفّه اليسرى، ويمرِّر كفَّه اليسرى على ظاهر ذراع اليمنى نازلا حتى يصل إلى المرفق، فيُدَوِّر يده اليسرى عليه، ثم يرجع بها على باطن ذراع اليمنى صاعدا إلى رؤوس الأصابع. ثم يمسح يده اليسرى بأن يجعل ظاهر أصابعها في باطن كفّه اليمنى، ويفعل بها ما فعل باليد اليمنى، ثم يخلّل أصابع اليمنى بباطن أصابع اليسرى، ويخلّل أصابع اليسرى بباطن أصابع اليمنى، وينزع الخاتم إن وجد[23].
هـ) مبطلات التيمم:
قال ابن عاشر ‑ رحمه الله ‑:
…………………… ناقضُه مِثْلُ الوُضـوء ويَزِيد
وُجُودُ ماءٍ قَبْلَ أن صلَّى… ………………………
يبطل التيمم بما يبطل به الوضوء، ويزيد بأمرين، وهما:
‑ وجود الماء: يبطل التيمم بوجود الماء قبل الشّروع في الصلاة وانتفاء موانع استعماله، ولا تبطل صلاة من وجد الماء بعد أن صلى بالتيمم على التفصيل الذي سبق ذكره.
ويجوز لمن فَرْضُه التيمم أن يتعرَّضَ للجنابة، أو ينقُضَ وضوءه إذا احتاج لذلك.
كما تجوز إمامة المتيمّم للمتوضّئ ولكنها خلاف الأولى[24].
فائدة:
* قال الحافظ ابن عبد البرّ: “معلوم عند جميع أهل المغازي أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل منذ افترضت الصلاة عليه إلا بوضوء ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند”[25]
* أجمع وأصح حديث في صفة التيمم:
عن عبد الرحمن بن أبْزَى عن أبيه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبْتُ فلم أُصِب الماء، فقال عمّار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذْكُر أنا وأنت؟ فأما أنت فلم تصلِّ. وأما أنا فتمَعَّكْتُ فصلَّيت، فذكرتُ ذلك للنبيّ صلّى الله عليه وسلم فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلم :”إنما كان يكفيك هكذا، وضرب النبيّ صلّى الله عليه وسلم بكَفَّيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه”[26]
[1] سورة البقرة، الآية: 267
[2] سورة النساء، الآية: 43
[3] سورة المائدة، الآية: 6
[4] رواه البخاري ومسلم.
[5] رواه البخاري ومسلم.
[6] رواه مسلم.
[7] رواه البخاري ومسلم.
[8] سورة النساء، الآية: 29
[9] رواه أبو داود وصحّحه الألباني.
[10] رواه البخاري ومسلم.
[11] شرح مسلم للنووي 4/57.
[12] يُعتمَد في ذلك على التجربة أو إخبار طبيب عارف ثقة، ولا يُعتمَد على الأهواء والظُّنون.
[13] وقيل تسقط الصلاة، وقيل يُصلّي ويقضي، وقيل لا يصلّي ويقضي.
[14] وقال بعض المالكية لا يتيمم ويصلي بالوضوء وإن خرج وقت الصلاة. مواهب الجليل1/337، حاشية الصاوي1/182.
[15] عند متأخِّرِي المالكية لا يتيمّم الحاضر الصّحيح لصلاة الجمعة، ولا لصلاة الجنازة إن لم تتعيّن عليه، ولا للسُّنن والنّوافل استقلالا، ولا لدخول المسجد لغير ضرورة. انظر: مواهب الجليل 1/328 وحاشية الصاوي على الشرح الصغير1/184، وهذا كلّه مخالف للدَّليل ولما في موطأ الإمام مالك. انظر: الموطأ 1/55.
[16] سنن الدارقطني1/184
[17] انظر: الموطأ1/54 ، فتح الباري1/463
[18] هذا قول جمهور الفقهاء، وذهب الحنفية وابن تيمية إلى أن التيمم يرفع الحدث إلى زوال العذر.
[19] سبق تخريجه.
[20] التيمم ضربتان عند جمهور الفقهاء، وذهب الحنابلة وعامة أهل الحديث إلى أنه ضربة واحدة.
[21] الموطأ 1/56، المدونة 1/43
[22] ويبطل التيمم عند الشافعية والحنابلة في الحدث الأصغر لأن الترتيب عندهم واجب.
[23] انظر: مواهب الجليل 1/349
[24] انظر: الموطأ 1/55
[25] انظر: فتح الباري 2/517
[26] رواه البخاري ومسلم.