منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حكم المبيت بمنى ليلة عرفة

حكم المبيت بمنى ليلة عرفة/ د. أبو الحسن ابن الطيب

0

حكم المبيت بمنى ليلة عرفة

د. أبو الحسن ابن الطيب

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن الحج ركن من أركان الإسلام وشريعة من شرائع النبي العدنان جاء الأمر به والحض عليه والتحذير من تركه في الكتاب والسنة، قال الله جل وعلا: “وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ[1]“، وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بُنِيَ الإسْلامُ على خَمْسٍ: شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضانَ[2]“، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وذلك أن الله يقول: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا..[3]“.

وقد حج رسول الله صلى الله عليه وسلم –في السنة العاشرة- بأزواجه وحج معه جمع غفير من الصحابة الكرام وبين للناس مناسك الحج بأقواله وأفعاله، فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أَيُّها الناسُ خُذُوا عَنِّي مناسكَكم، فإني لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بعد عامي هذا[4]“.

وقد استنبط الفقهاء من ذلك أحكام الحج وقسموها إلى ثلاثة أقسام هي:

1- أركان لا بد من الإتيان بها إذ لا يصح الحج إلا بفعلها وهي ثلاثة باتفاق: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، وتسعة باختلاف الثلاثة المتقدمة والسعي بين الصفا والمروة وطواف القدوم والوقوف بالمشعر الحرام ورمي جمرة العقبة والنزول بالمزدلفة والحلق، قال الحطاب –رحمه الله-: ” فتحصل من هذا أن الواجبات المستقلة تسعة ثلاثة مجمع عليها، وهي الإحرام والوقوف والطواف وثلاثة مختلف فيها في المذهب وخارجه، وهي السعي والمشهور أنه ركن، والوقوف بالمشعر، ورمي جمرة العقبة، والمشهور: أنهما ليسا بركنين بل الأول: مستحب، والثاني: سنة أو الأول سنة والثاني واجب يجبر بالدم على الخلاف الآتي وواحد مختلف فيه في المذهب فقط، وهو طواف القدوم والمعروف من المذهب أنه واجب يجبر بدم، والثاني: مختلف فيهما خارج المذهب فقط، وهما النزول بمزدلفة والحلاق والمذهب: أنهما ليسا بركنين بل سنتان أو واجبتان يجبران بالدم على الخلاف أيضا، ولكن ينبغي للإنسان أيضا إذا أتى بهذه الأشياء أن ينوي بها الركنية ليخرج من الخلاف وليكثر الثواب؛ إذ ثواب الواجب أكثر من ثواب السنة[5]“.

2- الواجبات وهي ما يجب فعله ابتداء فإن فات جبر بدم، ” وهذا القسم على ثلاثة أقسام: قسم متفق على وجوب الدم فيه، وقسم مختلف فيه، والمشهور الوجوب، وقسم مختلف فيه، والمشهور عدم الوجوب، فالأول: كترك الإحرام من الميقات لمريد النسك، وترك التلبية بالكلية وترك ركعتي الطواف حتى يرجع إلى بلده وترك الجمار كلها أو حصاة منها حتى مضت أيام الرمي، وترك المبيت بمنى ليلة كاملة من أيام الرمي، وترك الحلاق حتى يرجع إلى بلده أو يطول لغير عذر أو لوجع برأسه لكن لا إثم مع العذر وتأخير طواف الإفاضة أو السعي أو هما معا إلى المحرم وترك البداءة بالحجر الأسود في الطواف ثم لم يعده حتى رجع إلى بلده والدفع من عرفة نهارا قبل الإمام، ولم يخرج منها إلا بعد الغروب والتفريق بين الطواف والسعي بالزمن الطويل ثم لم يعاوده حتى رجع إلى بلده والقسم الثاني: كترك التلبية في أول الإحرام حتى يطول أو فعلها في أول الإحرام ثم تركها على ما شهره ابن عرفة، وظاهر كلام المؤلف عدم وجوب الدم في هذا وكترك طواف القدوم لغير المراهق وترك السعي بعده وتركهما معا كترك أحدهما من ذي الجمار إلى وقت القضاء، ولو كان لمرض به، ولو رمى عنه غيره، ولكن لا يأثم حينئذ وكترك المشي في الطواف للقادر ثم لم يعده أيضا وترك المشي في السعي لقادر ثم لم يعده أيضا وكترك الوقوف بعرفة مع الإمام نهارا للمتمكن وتأخير شيء من الجمار إلى وقت القضاء، ولو كان لمرض به، ولو رمى عنه غيره، ولكن لا يأثم حينئذ وترك المبيت بمنى جل ليلة من ليالي الرمي وترك النزول بمزدلفة ليلة النحر وترك السعي في حق من أنشأ الإحرام من مكة وطاف وسعى قبل خروجه إلى عرفة وتقديم الإفاضة على الرمي والقسم الثالث: كترك الإحرام من الميقات لمن يريد دخول مكة، ولا يريد النسك وترك طواف القدوم والسعي بعده نسيانا حتى يخرج لعرفة وترك المبيت بمنى ليلة يوم عرفة… وترك الحلق أو الإفاضة حتى خرجت أيام منى … وتقديم النحر على الرمي وتقديم الحلق على النحر وترك الرمل في الطواف وترك الخبب في السعي وتفريق الظهر من العصر بعرفة[6]“.

3- سنن يجمل بالحاج فعلها فإن تركها فلا شيء عليه، ” والقسم الثالث من أفعال الحج، وهو ما يطالب بالإتيان به، فإن تركه فلا دم، ولا إثم، وهو كثير وأكثره مستحبات كالغسل للإحرام والركوع له ومقارنة التلبية نية الإحرام، وذلك عند توجهه واستوائه على الراحلة إلا بالمسجد الحرام كما سيأتي، وتكرار التلبية عند كل شرف وصعود وهبوط، وأن يسمع بها نفسه، ومن يليه، وأن تسمع بها المرأة نفسها، والغسل لدخول مكة، والدخول من أعلاها، وقطع التلبية إذا دخلها، والمبادرة للمسجد عند دخوله، والدخول من باب بني شيبة وتقبيل الحجر أول مرة ثم تقبيله في غير الأولى، واستلام الركن اليماني، والإقبال على الذكر، والدعاء، وتقبيل الحجر عند الخروج للسعي، والخروج للسعي عقب فراغه من الطواف من باب الصفا أو غيره، والصعود على الصفا والمروة إلى أعلاهما إن أمكن، والتوجه عليهما للقبلة، والسعي متطهرا، والخروج إلى منى يوم التروية قدر ما يصلي بها الظهر، والغسل للوقوف، والوقوف راكبا، وإن لم يجد ما يركب فعلى قدميه، والابتهال بالدعاء، والذكر، والدفع مع الإمام بعد الغروب، والإتيان إلى المزدلفة من طريق المأزمين والإسراع في بطن محسر والدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس ورميه العقبة حين وصوله على هيئته من ركوب أو مشي والوقوف عند الجمرتين للدعاء والتكبير مع كل حصاة وتتابع الرمي ولقط الحصاة لا كسرها وإيقاع الرمي قبل صلاة الظهر بعد الزوال في أيام التشريق والمشي في رمي الجمار في الأيام الثلاثة والجهر بالتكبير في أيام التشريق وقتا بعد وقت والنزول بالأبطح وطواف الوداع والإحرام بالحج في أشهره، وفي ميقاته المكاني وسوق الهدي فيه والإحرام في البياض وإيقاع أعماله كلها بطهارة وإيقاع ركوع الطواف خلف المقام”.

المبيت بمنى ليلة التاسع من ذي الحجة

يسن الخروج إلى منى يوم التروية والمبيت بها ليلة التاسع من ذي الحج وأداء خمس صلوات بها تبدأ بظهر التروية وتنتهي بصلاة الصبح بها قبل الذهاب إلى عرفة بعد طلوع الشمس، فعن جابر بن عبد الله قال: “لما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها[7]“.

من خلا ما تقدم يتبين أن المبيت بمنى ليلة عرفة يعد من القسم الثالث من أقسام الحج الذي لا يترتب على تركه دم ولا إثم بل منهم من نقل الإجماع على ذلك ولكن فيه سنتان:

1- أداء خمس صلوات بها كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة من بعده.

2- أن يبيت الحاج بمنى هذه الليلة وهي ليلة التاسع من ذي الحجة، “وهذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب، فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع[8]“، وقال ابن رشد: ” واتفقوا على أن الإمام يصلي بالناس بمنى يوم التروية الظهر والعصر والمغرب والعشاء بها مقصورة، إلا أنهم أجمعوا على أن هذا الفعل ليس شرطا في صحة الحج لمن ضاق عليه الوقت، ثم إذا كان يوم عرفة مشى الإمام مع الناس من منى إلى عرفة ووقفوا بها[9]“.

ولكن يكدر هذا الإجماع ما روي عن ابن العربي –رحمه الله- من وجوب الدم على تركه، قال الحطاب عن ترك المبيت بمنى ليلة عرفة: “فإن لم يبت فالمشهور لا دم عليه، وقال ابن العربي: عليه الدم[10]“، فلا أدري هل ابن العربي مسبوق بالإجماع فلا حجة في قوله أو ناقل عمن كان قبل الإجماع فينتقض بذلك هذا الإجماع.

والحاصل مما سبق أن المبيت بمنى سنة من سنن الحج فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس من بعده فأن يعمد المنظمون للحج إلى فرض تركها على الناس لأسباب واهية يطغى عليها تضخيم الجانب الأمني بغير حق فهذا مما لا ينبغي السكوت عنه، وقد تركت سنن أخرى قبلها كالمبيت بالمزدلفة –إلا لمن فعل ذلك بنفسه- والنزول بالمحصب…الخ فهذا مما يجب التحذير منه لأن أصحابه إذا تركوا تمادوا حتى لا تبقى في الحج سنة قائمة بل قد انتقلوا إلى الواجبات فدفعوا الناس لتركها كرمي الجمرات فالواجب أن تفعل بعد الزوال ولكنهم يحرضون الناس على الرمي قبل الزوال وهذا يخالف ما عليه علماءهم كابن باز وابن عثيمين.

 فعلى من وجد من نفسه عزما وقدرة على الذهاب إلى منى يوم التروية والمبيت بها أن يفعل وأن يحيي هذه السنة النبوية التي يراد إماتتها فمن تركها فلا شيء عليه وحجه صحيح.

والحمد لله رب العالمين


[1] سورة آل عمران، الآية 97.

[2] رواه البخاري في صحيحه.

[3] رواه الترمذي، وقال عنه الشوكاني: “حسن لغيره”.

[4] رواه مسلم في صحيحه.

[5] مواهب الجليل للحطاب، ج 3، ص 10.

[6] مواهب الجليل للحطاب، ج 3، ص 10/11.

[7] رواه مسلم.

[8] نيل الأوطار للشوكاني، ج 9، ص 314.

[9] بداية المجتهد لابن رشد، ج 2، ص 112.

[10]  مواهب الجليل للحطاب، ج 3، ص 118.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.