منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تعاونية رواد روتشدال المنصفين

تعاونية رواد روتشدال المنصفين/ يوسف العلوي السليماني

0

تعاونية رواد روتشدال المنصفين

بقلم: يوسف العلوي السليماني

إن التعاونية من إبداع قَوْمِ عيسى عليه السلام، عمال وعلماء بأمور دينهم وَبالعلم. ذاق العامل البريطاني الأمرّين وسط إعصار الثورة الصناعية وتحت سوط ضفرته الرأسمالية الصناعية بآلتها البخارية ومناجمها ومصانعها. في هذا السياق استقل بتقرير مصيره ثمانية وعشرون نسّاجًا[1] من روتشدال[2]، فلما رأوا مصانع النسيج تَسُلُّ لعابها خيوطا تنسجها مصائد تصيد بها إذا هم يبدعون، هكذا نشأت التعاونية، من أزمة عنكبوتية، وهي تعاونية استهلاكية.

أبدع روّاد روتشدال تعاونيّة استهلاكيّة عام 1844، من ألفها إلى يائها، لمحاربة الغلاء وجشع الوسطاء والتّجار الكاسر، وضبط جودة الموادّ الغذائيّة والمستلزمات المنزليّة ومَصْدَرِهَا وتَكْلُفَتِهَا، ليتمّ عرض السّلع والبضائع على أعضاء التّعاونيّة، أي مالكوها ومسيّروها ومُمَوِّنُوها وزبائنها معًا، وذلك بسعر التّكلفة وبأعلى جودة وبأقلّ مشقّة، تطوّر المتجر التّعاوني حتّى أضحى يملك مطاحن ومصانع، المتعاون مالك التّعاونيّة والمستفيد من خدماتها، حامل وَمحمول. ساعدهم تأسيس تعاونيّة استهلاكيّة على الاِنعتاق من رقّ التّجار الجشعاء، ومن ثقل الفوائد وإثمها، وديون الموادّ الغذائيّة التي كانوا يُجبَرون على استقراضها بسبب الدخل الشهريّ الذي لا يغطّي احتياجاتهم الأساسيّة، فتَمَّ الاِكتتاب التّعاونيّ سَنْتًا – سَنْتًا أي بجهد المقل، لِيُفْضِي إلى رأس مالٍ بسيط جدا، ولكن كافٍ لانطلاق المشروع. تعاهدوا على ألا يستقرضوا مبالغ احتياجاتهم الأوليّة كما استقرضوها بالأمس فُرادى ومُنزَوِيِّين، مضطرّين مُكَبَّلين بأسعار الفوائد وبتسديد دُيون الخبز الثّابتة إلى تجّار الاِحتكار الجشعاء. رفضوا الرِقّ وتعلّموا الدّرس ونبذوا القروض الرِّبويَّة وجعلوها مُحَرَّمَةً عليهم في معاملاتهم بينهم وبين التّعاونيّة، وبين التّعاونيّة وشركائها، أَخَذَت التعاونية من أعضائها وشركائها نَضًّا أي نَقْدًا؛ قرر الروّاد الإقلاع عن الخمر وتوجيه ماله نحو الخير، اهتموا بتربية الأعضاء وخَصُّوا لها ميزانية سنوية نسبتها 2.5% مِن الفائض، أحدثوا خزانة وقاعة للمطالعة يزودونها باستمرار بالكتب والجرائد والصحف والمجلات، سُنَّةٌ أخرى سنّها الروّاد تُرجمت إلى المبدأ التعاوني الخامس: “التربية والتكوين والمعلومة”.

استطاع الروّاد استقطاب منخرطين جدد إلى أن أضحى المتجر التّعاونيّ يَضُمُّ أزيد من عشرة آلاف وستمائة متعاون عام 1880، برأس مال يفوق سبعة ملايين فرنك، مَوَّلَ مصانع ومتاجر ومخازن، وكان صافي المبيعات الإجمالي خلال نفس السَّنَة سبعة ملايين فرنك، نَتَجَ فائضًا مبلغه مليون ومائتي ألف فرنك وزيادة، يعود توزيعه على الأعضاء أي زبائن المتجر التعاوني.

يتم توزيع الفائض حسب حجم العمليات المتداولة بين العضو وَتعاونيته، وليس حسب مساهمته في رأس المال كما هو الشّأن في الشّركة التّجاريّة، العمل محوري في التعاونية إذ يُقَدَّمُ على المال دون تعطيله، العمل قابل للطفو فوق المال طفو الزيت فوق الماء، هذا لا يعني أن التعاونية تستثني المال وتهمل إفراز رأس المال الجاري، بل تعتمده لتمويل العمليّات اليوميّة؛ علاقة المال بالعمل في التعاونية علاقة اِئتلاف وتكاتف، وهذا راجع إلى مركزية المتعاون: صاحب المال وصاحب العمل، وصاحب السلطة وصاحب القرار، متعاون بماله وجهده وعقله، يبذلهم معا، لا يطغى المال ولا يُستصغر العمل، والأعضاء سواسية أمام السلطة بموجب المبدأ: عضو واحد يساوي صوت واحد، وَهم شركاء في اتخاذ القرار وبذل الجهد والمال، والتصدي للأزمات.

حوربت المنشأة التعاونية وفكرتها حيث اعتبرها رجال الدولة شكلا مذهلا للتركيبات السياسية، ونظر إليها الأغنياء كأنها مخطط اختلاس، أدانها علماء الاِقتصاد أمام البرلمان البريطاني، والتحم الإعلام والكنيسة ضدها. عارضت المنافسةُ التعاونَ وسخِرت منه فقاوم الروّاد جالوت حتى أصبحت التعاونيات الاِستهلاكية البريطانية تُجَيِّشُ أزيد من مليون عضو بداية القرن الماضي.


[1]  التُقطت الصورة التي تصاحب المقال سنوات بعد إنشاء المتجر التعاوني، توفي خلالها طائفة من المتعاونين المؤسسين

[2]  بلدة تقع شمال إنجلترا وشمال مانشستر حاضرة القطن الصناعية حينئذ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.