الهدف من هذه المقالة هو تسليط الضوء على الإطار الفلسفي المرجعي الذي يحدد العلاقة بين قوة السلطة الحاكمة والحقوق المكفولة للمواطنين، مستندا على آراء فلاسفة ينتمون إلى مدارس واتجاهات مختلفة. ذلك أنه ونحن نعيش فترة الحجر الصحي، تابع الجميع من وراء الشاشات، محاولات السلطة إدخال الناس إلى بيوتهم حفاظا على صحتهم وصحة غيرهم، لكن رافق ذلك تداول بعض المشاهد التي توحي باستعمال القوة في التنفيذ، مما خلف موقفين متضاربين لدى جل المتتبعين، موقف مؤيد متوجس من الضرر الذي قد يصيب المجتمع جراء عدم التقيد بالاجراءات الوقائية، وموقف معارض متخوف من تغول السلطة إلى حد خنق كل صوت لا يسبح بحمدها. هذا التضارب في الموقفين أعاد طرح سؤال العلاقة بين حقوق المواطنين وقوة سلطة الحاكم. فما الأسس الفلسفية التي تؤطر هذه العلاقة؟
لعل ارتباط الحق بالقوة ليس وليد اللحظة، فالمجتمع اليوناني بطبقاته الثلاث وخضوع الأدنى للأعلى يعد مثالا شاهدا على خضوع وذلة الإنسان لأخيه الإنسان منذ القدم، وهذا ما أكده هنري برغسون (1859 – 1941م) حيث اعتبر ” تقسيم المجتمعات القديمة إلى طبقات خاضع بعضها لبعض مرده في الأصل إلى القوة “[1]، لأن الحق من صنيع القوة السياسية الحاكمة ويخدم مصالح الحاكم أولا وأخيرا، وهذا الحاكم – فردا كان أم جماعة – لن يكون سوى الأقوى، لذلك فسلطته تخول له سن القوانين وإلزام الاخرين بها بل وومحاسبتهم على تركها. وهذا ما يؤكده أفلاطون (427 ق.م – 347 ق.م)في جمهوريته من خلال محاوراته على أن القوة تصنع الحق وتلزم الاخرين به ” فتضع الحكومة القوانين لصالحها، فالديموقراطية تضع قوانين ديموقراطية والملكية تجعلها ملكية وهكذا الحال في الأنواع الأخرى…وبعد سن القوانين تعلن الحكومات أن ما هو مشروع عادل بالنسبة إلى رعاياها.. وتعاقب من يخالف ذلك على أنه خارج عن القانون والعدالة “[2]
لكن هل صاحب القوة على حق؟
يرى جون جاك روسو (1712- 1778م) أن صاحب القوة لا تدوم قوته ولا تستمر سيادته لأن “القوي لا يكون قويا، لكن يكون دائما سيدا إلا إذا حول قوته إلى حق وطاعته إلى واجب.”[3] فالخضوع لمنطق القوة يعتبره روسو إكراها وليس إرادة وحرية، ولا يستمد الحاكم شرعيته إلا من القانون. موقف روسو من الإكراه السالب للحريات جاء كمحاولة لتجاوز الهفوات التي ارتكبها طوماس هوبز (1588 – 1679م) الذي يرى ضرورة تأسيس الحق في حالة الاجتماع والتنظيم على القوة، وذلك “بترك هذا الحق من قبل الأفراد إما بالتخلي عنه ببساطة أو بتفويضه إلى آخر مقابل توفير الأمن وحماية حياتهم، فتجمع قوتهم وقدرتهم باتجاه شخص أو مجموعة أشخاص”[4] ويصبحون تبعا لذلك خاضعين له ولإرادته ويمنح قوة فرض نفسه على الجميع، ويتنازل له الأفراد عن حرياتهم الطبيعية.
اختلاف الرأيين ناتج عن الاختلاف في المنطلقات، ذلك أن هوبز انطلق من تصور سلبي للطبيعة الإنسانية واعتبرها شريرة، وأن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان. فحالة الطبيعة عند هوبز هي “حالة حرب الجميع ضد الجميع”[5]، إنها حالة صراع وعنف وفوضى، إن الحق الطبيعي في حالة الطبيعة، يفتقر إلى الوازع أخلاقي، لأنه يرتكز أساسا على رغبة الفرد واندفاعاته في الحصول على كل شيء، ما يجعل الإنسان في حرب دائمة. ومنه يرى هوبز أن قوة الحاكم تمنح الحق في الحياة والأمن للرعية، لذا يجب على الأفراد التنازل عن حرياتهم كمقابل.
بينما يرى روسو أنه” إذا تقرر أن القوة هي التي تصنع الحق فإن المعلول يتغير بتغير العلة”[6]، بمعنى آخر، كل قوة تتغلب على قوة أولى، فلابد أن تخلفها وتحل محلها. أما والأقوى دائما على حق فما على المرء إلا أن يعمل ما في استطاعته حتى يصير هو الأقوى، فأي قيمة إذن للحق الذي يزول عند انقطاع القوة؟. ولكي يحل الحق محل القوة يقترح العقد السياسي حيث “يصبح الإنسان تحت سلطة القانون، ولا يكون ملزما بالطاعة للسلطات غير الشرعية” [7].
هذا الحل الذي يقترحه روسو يحاول من خلاله تدارك الحق في الحريات الفردية والجماعية التي أسقطها هوبز من حساباته، حيث يؤكد “أن الإنسان يولد حرا ويوجد مقيدا في كل مكان “[8]، معادلة بمجهولين، إذ كيف يكون الفرد حرا ومقيدا في آن واحد؟ في تصوره حرية الأفراد مكبلة بقيود القانون أينما وجد، فهنا يصبح الإنسان مقيدا في حالة المدينة، وهذه القيود ما هي إلا حصارات، تكبح جماح سلطة الحاكم وحرية المحكوم سواء بسواء، والالتزام بها واجب أخلاقي قبل أن يكون سياسيا أو حقوقيا. إن “روسو” يؤكد على أن العقد السياسي هو الحل، حتى يحل الحق محل القوة وفي هذا الإطار يصبح الإنسان تحت سلطة القانون لا الهوى والنفس. لكن ورغم الانتقادات التي انهالت على “هوبز” بسبب تفضيله للنظام الملكي على الارستقراطي أو الديموقراطي، يمكن تسجيل ملاحظة إيجابية على فلسفته السياسية، ميزته عن أنصار الحكم المطلق الذين ابتُلينا بهم في عصرنا الحاضر، وهي أنه يجوز الخروج على الحاكم إن هو أخل بشروط الاتفاق متعمدا، كفقدان السلم الداخلي وطمأنينة الأفراد وسيادة القانون.
وفي الضفة المقابلة للفلسفة الغربية، سلك محمد عزيز الحبابي (1922 -1993م) رحمه الله تعالى، فيلسوف الشخصانية الإسلامية مسلكا مغايرا، فالحقوق بالنسبة إليه لا تمنح بل “ينبغي السعي وراءها وانتزاعها على رغم العقبات التي تعترض طريقها” [9]، مستدلا بالقول العربي المأثور “ما ضاع حق وراءه طالب” موقف الحبابي لم يكن اعتباطيا، بل عن وعي تام، لأنه عاش مرحلة الاستعمار وذاق من ويلات مابعد الاستقلال، فالظروف التي عاشها ليست كسابقيه، لذلك خلص إلى أن الوضع الحقوقي المتردي في الدول العربية والإسلامية ما هو إلا أحد مخلفات الاستعمار.
لذا مافتئ يوجه نقده للاستكبار العالمي وينتقد رحمه الله الوضع الحقوقي والسياسي المحلي والدولي، معتبرا أن “القوة” تعطي كل الحقوق، فالأمم المتحدة وأمينها العام، بالنسبة إليه، لا تُحترم قراراتهم من قبل الدول الظالمة المستبدة لأنها لا تؤمن إلا بالقوة. كما يستنكر كيل الغرب بمكيالين، حين يطالب بتطبيق حقوق الإنسان وفي نفس الوقت لا يطالب بتطبيقها بنفس الحدة في بلدان أخرى من العالم. نقده اللاذع للغرب سببه الرئيسي، ما تعيشه الشعوب المسلمة من انحطاط اقتصادي وسياسي وثقافي، كل ذلك يعتبره من تدبير المستعمر الذي عمل على المحافظة على غنائمه في مستعمراته، عن طريق استخلاف حكومات، ماهي إلا وجه آخر لعملة استعمارية زائفة.
إن الدول الغربية في نظر الحبابي لا تصغي إلى الشعوب المستضعفة وما لديها من كلمة حق، شعورها بالقوة المطلقة يفقدها السمع وتصاب بالصمم أمام نداءات استغاثة الشعوب المقهورة. وما يؤكد وجهة نظر مفكرنا هو التجاهل التام من وكالات الأنباء العالمية لجرائم الإبادة في الدول المستضعفة عموما وفلسطين خاصة، فرغم جلل الحدث، إلا أن ذلك لا يحرك ساكنا لدى الدول الغربية، لكن يصيبها الهلع حين يصاب الرجل الأبيض وتتحرك المسيرات المنددة بالمجزرة. أية مفارقة هاته ؟ شواهد عديدة تؤكد موقف الحبابي من “حق القوة” المسلطة على الضعيف من قبل الغرب بدل “قوة الحق” التي تجلب الأمن والطمأنينة والسلام للعالم.
إن تأسيس المجتمعات على القوة خطر على الفرد والجماعة معا، لذلك قام فلاسفة الحق الطبيعي بصياغة نظرية “العقد الاجتماعي” التي تقوم على نوع من المشاركة والتعاون والاتحاد. حيث يتنازل الفرد للدولة وفق هذا العقد عن حريته بإرادته مقابل أن تضمن له الدولة حقوقه الطبيعية. فالعقد الاجتماعي بهذا المعنى هو ما يضمن للفرد حقوقه الطبيعية. إن القوة تتميز بالطابع الاكراهي، والحق لا يكون بالقوة، لأنه لو كان كذلك فسينتهي هذا الحق بمجرد انتهاء القوة لأن القوة هي مجرد مرحلة مؤقتة وغير دائمة، ولهذا لا يمكن تأسيس الحق على القوة.
أما الحبابي رحمه الله تعالى، فقام بفضح زيف ادعاءات الغرب، فالقوانين الدولية صيغت على مقاسه ووفق معاييره، لأنها محكومة بمنطق القوة، ولتنهض الشعوب من كبوتها دعاها إلى السعي نحو حقوقها لأن الحق لا يعطى بل يطلب فالسلطة الماسكة بالقوة لاينتظر منها أن تتكرم بفضول من حقوق الناس، بل على الناس السعي من أجل انتزاع حقوقهم وكل من يرى غير ذلك فليأت ببرهان صدقه.
وختاما نجيب على الإشكال بإشكال، هل تستطيع “سلطاتنا” المبجلة أن تعي بأن القوة لا تصنع الحق بل الحق هو الذي يصنع القوة؟ وهل تدرك أن الخضوع لا يجوز إلا للسلطات الشرعية المصادق عليها من طرف الشعب، لأنها بذلك فقط تكتسب قوتها الشعبية، أي من الشعب ومعه وفي خدمته؟ أم أنها على رأي الحبابي، وتنتظر أن تُنتزع الحقوق بالقوة؟
لائحة المصادر والمراجع:
- برغسون هنري منبعا الأخلاق والدين ترجمة د سامي الدروبي ود عبد الله عبد الدائم، الهيئة لمصرية العامة للتاليف والنشر1971.
- أفلاطون جمهورية أفلاطون دراسة وترجمة فؤاد زكريا دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر الاسكندرية 2004
- روسو جون جاك “العقد الاجتماعي أو مبادئ الحقوق السياسية” نقله إلى العربية عادل زعيتر مؤسسة الأبحاث العربية اللجنة الدولية لترجمة الروائع الإنسانية (الأونسكو)
- هوبس توماس الليفياتان الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة
- la modernite attitude islamique Mohamed Aziz Lahbabi cordination Fatima Jami-Lahbabi ;
[1] – برغسون هنري منبعا الأخلاق والدين ترجمة د سامي الدروبي ود عبد الله عبد الدائم، ص:78 الهيئة لمصرية العامة للتاليف والنشر1971.
[2] – أفلاطون جمهورية أفلاطون دراسة وترجمة فؤاد زكريا دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر الاسكندرية 2004، ص:192
[3] – روسو جون جاك “العقد الاجتماعي أو مبادئ الحقوق السياسية” نقله إلى العربية عادل زعيتر مؤسسة الأبحاث العربية اللجنة الدولية لترجمة الروائع الإنسانية (الأونسكو)، ص:33
[4] هوبس توماس الليفياتان الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ترجمة ديانا حرب وبشرى، ص:عب الطبعة الأولى هيئة أبوظبي للثقافة والتراث كلمة 2011، ص: 141
[5] – هوبس توماس الليفياتان الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ص:138
[6] – روسو جون جاك “العقد الاجتماعي أو مبادئ الحقوق السياسية”، ص:33
[7] – روسو جون جاك العقد الاجتماعي، ص:29
[8] – روسو جون جاك “العقد الاجتماعي أو مبادئ الحقوق السياسية”، ص:34
[9] – la modernite attitude islamique, Mohamed Aziz Lahbabi, cordination Fatima Jami-Lahbabi, p:156