اليمين واليسار بين الإسلام والماركسية|قراءة نقدية في كتاب “اليمين واليسار في الإسلام”
أ.د. مصطفى عطية جمعة
اليمين واليسار بين الإسلام والماركسية
قراءة نقدية في كتاب “اليمين واليسار في الإسلام”
أ.د. مصطفى عطية جمعة
أستاذ الأدب العربي والنقد والإسلاميات
لكي نعي دلالة اليمين واليسار في ثقافتنا العربية بجذورها الإسلامية، يحسن بنا أن نوظف المنهج السيميائي (علم العلامات) الذي يعنى بدراسة الإشارات / العلامات بمختلف أنواعها اجتماعيا وثقافيا، ومعرفة الدوافع والمعاني والأفكار والعقائد والانفعالات وما وراءها ([1]) وذاك نهج واضح في التراث العربي القديم لدى البلاغيين والفلاسفة وعلماء الأصول، وإن اختلفت دلالات العلامات والقصد منها، ولكن بلاشك هناك إضافات مهمة قدمها العلماء القدامى حول العلامات وكيفية تأويلها. وأبرز من تناولها أبو حامد الغزالي الذي تكلم عن ” الإشارة “ وأنها ذات وجود ذهني، وعيني، ولفظي وكتابي ([2]).
وبالنظر إلى الدلالة اللغوية والتراثية للفظتي ” اليسار واليمين “ نجد أنها تخالف ما هو دارج الآن في الاستخدام السياسي والفكري لهما. فاليسار لغةً يعني: الغِنَى والثروةُ والسَّعةُ والرَّخاءُ، خلاف اليمين، الذي يعني لغةً: الجهة الأخرى المضادة لليسار([3])، وفي البعد الثقافي الإسلامي، نجد اليمين وهو الجهة المضادة لليسار (تعريف مكاني اتجاهي )، وهو دال أيضا على البركة والقوة والقسم / الحلف ([4])، وهو دال أيضا على طريق الهداية، ومن الخير أن يتيمن المسلم في سائر شؤونه، بينما اليسار يحمل إشارة إلى أهل الشمال الذين هم العاصون في الدنيا، فنصيبهم في النار يوم القيامة ([5])، كما يقاس عليها ما يستجد في عالم الحياة؛ لأنه كل ما كان مستحسنا يبدأ به باليمين؛ ولذلك أصبحت قاعدة ما كان من الأشياء المستحسنة يبدأ به باليمين، وما كان العكس فهو يكون باليسار، وكان دأب الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) التيمن في سائر شؤونه ويأمر الغلام أن يأكل بيمينه، ومنه جاءت دلالة القوة والبركة، كما أنه من حسن الإتباع. لأن الاتباع ليس دعوى مجردة ولا ادعاء أجوف إنما هو التزام خطى النبي (أعماله وأوامره) بدقة متناهية وتطبيق مستمر([6]). فاليمين واليسار باتا علامتين ثقافيتين بأبعاد دينية واجتماعية،في كثير من السلوكيات والقناعات فيما يخالف المصطلح السياسي والفكري المستخدم. ولو أخذنا برؤية الغزالي، سنجد أن اليمين واليسار دالان على ضدين لا يجتمعان إلا في أعضاء الجسد أو الماديات، ولكنهما محملان بمعطيات دينية، تحولت بمرور الوقت إلى تقاليد وأعراف اجتماعية، فمثلا من التقاليد أن يشرب المسلم بيمينه، ويأخذ الكأس باليمين، ويعطيها أيضا باليمين، بل إن الدخول بالقدم اليمنى إلى البيوت يعد من قبل التبرك، جنبا إلى جنب مع مفهوم الإثابة الديني.
واللافت في الأمر أن التوجهات المعجمية الحديثة قبلت تحديثات الكلمة دلاليا، بمعنى أنها قبلت الدلالة الاصطلاحية السياسية، فهي تنعت اليساري بأنه: المتطرف في سياسته أو رأيه، مثلما تنعت اليميني بأنه يميل إلى المحافظة والاعتدال في رأيه ([7])، متسقة في ذلك مع الاستخدام الشائع للفظين في مجال العلوم السياسية، وفي ميدان ممارستها.
لقد رأى اليساريون أنهم أصحاب فكر جديد، يدعون من خلاله إلى تجديد شامل في الحياة والقناعات والتصورات، وإلى التحديث المجتمعي والفكري والسياسي، وتعاملوا في ذلك بنظرة كلية تجلت في نعوتهم وحواراتهم مع علماء الدين والإسلاميين، كما تجلت في كثير من طروحاتهم، وفي قراءاتهم التراثية، وقد استخدموا مصطلح ” اليمين” في نعت كل من يحافظ على التقليدي الديني المتوارث.
إن مصطلحي ” اليمين واليسار ” وافدان من الغرب، ولم يستقرا في الحياة السياسية والثقافية العربية إلا حديثا، ففي النصف الأول من القرن العشرين، كانت هناك تيارات سياسية وفكرية حملت أسماء بعينها، ولم تُنعَت باليسار إلا مؤخرا، فقد كانت هناك الليبرالية، والماركسية، والاشتراكية، والديمقراطية، والقومية، والوجودية..، وندر من حمل نعت ” اليسار ” وربما كان المصطلح يتردد، ولكنه كان ضعيفا في استخدامه، وقد برز بشكل واضح في السبعينيات من القرن العشرين، خاصة أن كثيرا منها انضووا تحت مسمى اليسار، واختلط القومي بالقطري، والاشتراكي بالاجتماعي، وأيضا احتوى في طياته دعاة حقوق الإنسان والحركات الاجتماعية وجماعات النسوية وغيرها. وكل هذا ناتج عن انتقال المصطلح من الثقافة الغربية إلى الثقافة العربية المعاصرة، ولكن يمكن الجزم بأن المصطلح استقر ثقافيا وسياسيا، وإن ظل في حالة فكرية ملتبسة نوعا ما، فلا يزال يُحَمَّل على التيار الاشتراكي الماركسي والاشتراكي القومي بكافة تنوعاتهما وأطيافهما.
أما اليمين، فهو مقتصر على ذوي التوجهات الليبرالية، سواء كانوا تقليديين مثل حزب الوفد، أو الأحزاب المساندة للسلطة، أو المرجعيات الدينية التقليدية.
وقد تنازع الكثيرون مصطلحي اليمين واليسار، فعلماء الدين والصوفية ومن تابعهم من العامة والنخب التقليدية حافظوا على دلالة اليمين واليسار مستحضرين المعنى التراثي، مستمسكين به بوصفه من العلامات الدالة على مفاهيم ومعان أساسية في الدين وأيضا في الأعراف والتقاليد، وعدّوا اليساريين وما يطرحونه كفرا في أسوأ الأحوال، وخروجا عن ثوابت الدين والأعراف في أحسنه. بينما تمسك اليساريون بالمصطلحين في دلالتهما الاصطلاحية الحديثة، ونعتوا المقلدين بأنهم يمينيون أي أنهم رجعيون متجمدون، وقرأوا التراث والمعاصرة في ضوء ذلك.
كتاب اليمين واليسار في الإسلام:
لعل كتاب ” اليمين واليسار في الإسلام ” ([8]) يمثل نموذجا في التعاطي الفكري أو القراءة الفكرية المعاصرة للإسلام وثقافته، دينا وتطبيقا وشخصيات وتاريخا، وتماشيا مع التطبيق الإيجابي لدعاوى تيار ” الاشتراكية القومية “ في تطبيقاته العربية، التي وجدناها في نظام عبد الناصر، وإيديولوجية حزب البعث وغيرهما. لذا، فمن المفيد في هذا السياق التوقف عنده، وعرض موجز عن طرحه، ومناقشته ؛ فهو بمثابة لبنة أولى في الكتابات التي قرأت الإسلام وتاريخه وفق منظور يساري، فهو تجربة للتطبيق غلب عليها حماس البدايات.
استهل المؤلف كتابه بالتعريف الموجز باليمين واليسار في الثقافة الإسلامية، ومن ثم تطرق إلى المفهوم المراد من كتابه، وهو تناول اليمين واليسار بمنظورهما المعاصر، وقراءة الثقافة الإسلامية وفق هذا المنظور، فاليسار أو اليساريون هم: المعنيون بالمسألة الاجتماعية ويؤمنون بأن الإسلام الصحيح قد قصد إلى حلها، واعتبرها طريقا إلى النجاة في الحياة الآخرة، وللصلاح في الحياة الدنيا، أي أن الدين هو عقيدة وفكر وشريعة لرفع الجور عن الفقراء والمستضعفين، والمساواة بين أبناء المجتمع الواحد، وبعبارة أخرى: دراسة النزعة الاشتراكية في الإسلام.
وأما اليمين فهو الاتجاه المعارض لهذا، الذي سمح بالفروق الشاسعة بين أفراد المجتمع الإسلامي، وهو الذي حارب ضد اليسار لتظل فئة متحكمة في الثروة وتتحكم سياسيا واجتماعيا في غالبية المسلمين، ويصرح المؤلف أنه سيستخدم مصطلح “النزعة الاشتراكية” بوضوح، محددا أن المقصود بها ليس الاشتراكية التي تأتي في مرحلة الإنتاج الصناعي، بعد الزراعي، وإنما الاشتراكيون هم أصحاب الاتجاه الجماعي الذين يعملون لصالح الأغلبية ويقدمون صالح الأغلبية والجماعة، أما اليمين فهم أصحاب الاتجاه الفردي، الذين يسعون إلى الثروة والسلطة ومصالحهم الخاصة ([9]) ويضاف إلى ذلك وجود تيار الوسط بين اليسار واليمين، والذي يمثّله بعض ([10])الصحابة وأبرزهم أبو بكر وعمر بن الخطاب، واللذان استفادا من الظروف المواتية بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) من أجل الاستيلاء على السلطة وتوجيهها وفق وجهتهما الخاصة أو رغباتهما الشخصية ([11]) وهو يؤكد في قراءته على أن الحضارة الإسلامية استمدت أصولها من الإسلام، وأنه ساع إلى اكتشاف عوامل استمرار هذه الحضارة، وقراءتها قراءة شاملة جديدة([12]). فالطرف اليميني ساع إلى المزيد من الثروة والجاه والمنصب، ويتآمر في سبيل ذلك ؛ بتحالفهم مع التجار في اللعبة الشهيرة المتمثلة في تحالف السلطة والمال، فكلاهما يفيد الآخر ويدعمه ([13]). والمثال على ذلك هو عثمان بن عفان الشيخ السهل الطيب، الذي تصدر القيادة في الأمة الإسلامية، ومن ثم تم تكوين الملكيات الزراعية الواسعة، وتأسست ارستقراطية عربية، ودعمتها الدولة الأموية، بل كانت امتدادا لخط عثمان وسياسته، التي تخالف ما درج عليه أبو بكر وعمر في سياستهما([14]) وانطلقت ثورة اليمين بعد مقتل عمر بن الخطاب، بتولية عثمان، في حين برز اليسار ممثلا في شخصية أبي ذر الغفاري، الذي عارض أصحاب الأموال في توجهاتهم([15])، كما أن كبار الصحابة في المدينة – المنتمين طبقيا إلى اليمين – ضاقوا بسياسة عمر بن الخطاب وتقشفه الشديد، ودعموا عثمان، ومن ثم دعموا معاوية خاصة وبني أمية عامة، ضد المحرضين على الثورة مثل طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وتضامنت أيضا السيدة عائشة رضي الله عنهم في التحريض على الثورة ([16])، ومن ثم يتبنى النهج الثوري – وفق التصور الماركسي – في قراءته أحداث الفتنة الكبرى، التي أدت إلى مقتل عثمان وطلب الثوار تولي علي بن أبي طالب ([17])، الذي يمثل النزعة الاشتراكية في الإسلام، والتي ظلت جذوتها مشتعلة، وقبلتها الشعوب الإسلامية، وسعى ” علي ” إلى التعامل مع الواقع الجديد، وتغير المراكز الاقتصادية وكثرت الأموال بفعل اتساع الفتوحات، وتدفق الأموال على عاصمة الخلافة ([18]).
إن أول ما يستوقفنا في هذا الكتاب – وقد جاءت قراءته لتاريخ الإسلام منطلقة من مفاهيم حديثة – ؛ أن منهجه يكاد يكون تحليلا سياسيا، ينحّي البعد الديني والروحي والتشريعي في الإسلام، ويقرأ أحداث السيرة والصحابة ويحلل سلوكهم وفق الرؤية السياسية المعاصرة، التي تمثل المنفعة أساسها والصراع وسيلتها، أي أن كل طرف ممن أسماهم ” اليمين واليسار “ يحرص على تحقيق مصالحه، ويتآمر ويتحالف في سبيلها، وهو ما يتنافى مع جوهر الإسلام نفسه، وقد ذكر والمؤلف مرات في ثنايا كلامه أن الإسلام دين شامل، أحدث ثورة كبيرة في العقيدة والتشريع ونظرة الإنسان إلى الكون، فمن خطأ بلاشك أن ينحّي منظور الإسلام نفسه الذي هو مصدر للقيم والتشريع والحكم، ويذكر نعوتا وأحكاما تعميمية من قبيل أن الإسلام وحركات الجهاد فيه ما هي إلا صراع من أجل التطبيق الاشتراكي، الذي يحارب الأغنياء والموسرين، وينتصر للفقراء والمعوزين ([19])، وهي قناعة إيديولوجية معاصرة، تم إسقاطها على الإسلام الدين والشريعة والتجربة التاريخية بافتعال واضح، فالإسلام دين انتصر للفقراء والمهمشين في أحكام كثيرة، مذكورة في أبواب الفقه وأحكام المال، وأوجب مهامها للحاكم نحو رعيته، وحقوق الرعية في محاسبة الحاكم. فلا يمكن قراءة الإسلام بمنظور أحادي، يستند إلى الاشتراكية بوصفها نظرية إنسانية فيها جوانب جيدة ولكنها نابعة من سياق ثقافي غربي، ثقافته السياسية مبنبة على المنفعة والصراع من أجلها. وعندما نقول قراءة أحادية، فإننا نعني أن الكاتب ابتسر أولا الإسلام الدين، فلم يتوقف عند شريعته وموقفها من الفقر، بل انطلق إلى أحداث السيرة والخلفاء الراشدين والأمويين، يناقش أفعالهم وسلوكهم من منطلق واحد وهو متى تعاطفهم مع الفقراء والمضعفين، ونسى أن الحكم في هذا الأمر كله كان التشريع الإسلامي، الذي لا يحرّم الثروة ولا السعي الاجتهاد في جمعها، وفي ذلك يتفاوت الأفراد في مواهبهم واستعداداتهم وجهودهم.
فالقضية ليست في وجود الأغنياء والموسرين، وإنما في واجب الأغنياء نحو الفقراء، وواجب الدولة نحو الفقراء أيضا، و هناك مئات النصوص والأحكام التي أثبتت حق الفقراء في مال الأغنياء، وحق الدولة نحو الفقراء، وهي أحكام شرعية، عكف الحكام والولاة على تطبيقها ، وكانوا على دراية بها، وعمر بن الخطاب هو الذي أسس بيت المال وجعل رافديه: الزكاة والخراج , ولا ننسى أن الإسلام حارب الفقر بالحض على العمل للقادر، وحث على التكافل الاجتماعي لغير القادر، في منظومة فصلتها الكثير من الكتب الفقهية قديما، وناقشتها وفصلتها بلغة العصر دراسات حديثة منذ منتصف القرن العشرين ([20]).
كما أننا نلاحظ في الكتاب أمرا جوهريا، ألا وهو غياب التوثيق للمرويات التاريخية الواردة، بل ولسائر المراجع الأخرى، وهذا من شأنه أن يجعل الكتاب أقرب إلى الكتابة الصحفية، منه إلى الدراسة العلمية. فغياب التوثيق في دراسة تاريخية لهو طامة كبرى، لأنه يشير إلى أحداث مختلف عليها بين الرواة، وبعضها مدلس ومكذوب تم الرد عليه في كتب السيرة والتاريخ، مثل قضية التحكيم وموقف عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري منها، فلم نجد مرجعا واحدا لما يذكره من روايات وكأنها معروفة سلفا للقارئ، ومسلم بها من حيث دقتها ؛ وهذا غير صحيح بالمرة، بجانب إشارته إلى كتب معاصرة، ونقله عنها مرويات تاريخية أخرى دون تثبت أو مراجعة لها ؛ أي قام بعملية ” نقل علمي عبر كتاب وسيط ” دون رجوع إلى المصدر التاريخي، أو حتى الإشارة إليه، وهذا خطأ علمي بلا شك.
والأدهى في ذلك، أنه أعطى مصطلحات إسقاطية واضحة تمتاح من قناعته الإيديولوجية، مثل نحته مصطلح ” اليسار الإسلامي “([21])، بزعامة علي بن أبي طالب ( كرم الله وجهه )، وقراءته حركة ” علي ” التاريخية في ضوء هذه الرؤية، وهذا ما لا يمكن قبوله على الإطلاق فلم يكن النزاع في جوهره انتصارا للعدالة الاجتماعية، وإنما كان صراعا على قضايا عديدة أهمها الخلافة، ودم عثمان، وأشعلتها أحداث الفتنة الكبرى.
وقد واصل المؤلف تعميماته مؤكدا أن حركة المجتمع المسلم طيلة القرون التالية كانت صراعا بين يمين ويسار، وتناسى أن هذا الصراع حسمه الإسلام وشريعته، فالقضية كانت القيام على أمر الشريعة، فهي خير كلها للفرد والأمة والمجتمع، كما يقول ابن خلدون بأن ” الدول العامة الاستيلاء، العظيمة الملك، أصلها دين ؛ إما من نبوة أو دعوة حق ” وأن الخلاف يحدث عندما تتصارع النفوس على الدنيا، وتنأى عن شريعة الله وهدي نبيه، فإذا أقبلت على الإسلام، ” وانصرفت إلى الحق، ورفضت الدنيا والباطل، وأقبلت على الله ؛ اتّحدت وجهتُها، فذهب التنافس وقلّ الخلاف، وحسن التعاون والتعاضد، واتسع نطاق الكلمة لذلك فعظمت الدول ” ([22]). مع اعترافه بأن الجاه مفيد للمال، وأن السعادة والكسب يتحصلان غالبا لأهل الخضوع والملق ( التملق ) وأن هذا الخلق من أسباب السعادة ([23]).
وهذا باعتراف المؤلف نفسه بما أسماه ” المبادئ الإسلامية في التكافل ” بين الأغنياء والفقراء، والتي لا تخرج عن الشريعة وأحكامها وتطبيقاتها المخول بها الحكام والولاة ومن ينيبونهم، كما يعترف المؤلف أنه أطلق الكثير من التحليلات البعيدة عن الروح العلمية، وطرح تساؤلات ومظانّ، دون مرويات تاريخية تدعمها([24]). وهذا دال على إسرافه في المعالجة الفكرية الإيديولوجية على حساب الواقع التاريخي والمجتمعي، وبعبارة أوضح: هي قراءة متعسفة للتاريخ الإسلامي، تهدف للانتصار لفكرة إيديولوجية بدون التدقيق كثيرا في مدى تطابق الأحداث وفهم الشخصيات وحركة التاريخ نفسها لما يتم طرحه، فيمكننا نعت كتابه بأنه: قليله تاريخ كثيره سياسة، ظاهره الحيدة، وباطنه الانحياز لقناعات مسبقة.
وبالتالي يكون السؤال: إذا كانت المثل العليا للإسلام تؤكد على المبادئ الاشتراكية والعدالة الاجتماعية باعتراف المؤلف، فلماذا لا يكون الطرح من أساسه حول مدى التزام الشخصيات والحكام بهذه المُثُل، وسعيهم إلى تطبيق الشريعة السمحاء؟ وساعتها يكون معيار الحكم نابعا من خصوصية التشريع الإسلامي، ومدى اقتراب الحكام والدول والناس منه. وبذلك، لا تكون القراءة إسقاطية لفكر معاصر على قديم، وإنما قراءة استنباطية مؤصلة، نابعة من الإسلام الدين وحركة تاريخه.
فلا بأس من وجود قراءة معاصرة للتاريخ القديم، على أن تكون القراءة متأملة بعمق للتاريخ الإسلامي وحركته، وتعي القوى الدافعة لحركة التاريخ العربي الإسلامي، و ما جاء به الإسلام تحديدا، وخصائص الشخصية العربية، وما أحدثه الإسلام بها، ومن ثم تنظر إلى حركتها، في ضوء المواهب الفردية للشخصيات، وأنهم من كبار الصناع والقادة التاريخيين، وليسوا مجرد سياسيين يتقاتلون. وساعتها ستكون القراءة المعاصرة أكثر دينامية وفهما للتاريخ والثقافة، وتكون النتائج المستنبطة من أحداث التاريخ في خدمة الواقع المعاصر المعيش، وليس سببا في سوء الفهم، الناتج عن التعامل الجامد / السياسي / الإيديولوجي مع الشخصيات.
ويظل هذا الكتاب محاولة أولية بكل ما تعطيه دلالة الأولية من معان، فيها قدر من الريادة مع حماسة، ومن شأن هذين أن يحملا معهما مثالب عديدة.
[1] ) معجم السيميائيات، فيصل الأحمر، الدار العربية للعلوم، ناشرون، بيروت، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 2010م، ص265، 266.
[2] ) معجم العلوم السياسية الدولية، ص37، 38.
[3] ) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، ط4، 2004م، ص1064.
[4] ) السابق، ص1067.
[5] ) أطلق اليمين على الحلف لتنتقل دلالتها من اليد إلى القسم، لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه، وقيل لأن اليمين تحفظ الشيء كما تحفظه اليد، واليمين، والحلف، والإيلاء، والقسم ألفاظ مترادفة، وقد عرّف الفقهاء اليمين بتعريفات متقاربة منها: أبرزها: تحقيق الأمر وتوكيده بذكر اسم الله تعالى أو صفة من صفاته، وتوكيد المحلوف عليه بذكر معظم على وجه الخصوص، وهو عقد قوي به عزم الحالف على الفعل أو الترك. انظر للمزيد: الأحكام الفقهية المتعلقة بالأيمان، د. عبد السلام بن سالم السحيمي، مجلة البحوث الإسلامية، الرياض، 1428هـ، مج81،ص95. بجانب الدلالة القرآنية ” أهل اليمين ” وهم أهل الجنة، وأهل الشمال: أهل النار، كما في قوله تعالى في سورة الواقعة: ” وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين “، وأصحاب الميمنة ” فقد أثنى الله عليهم، وجعلهم أبرارا فائزين بجناته، وهم يلون السابقين المقربين، أما ” أصحاب الشمال ” فهم على النقيض. انظر: تفسير ابن كثير، دار طيبة للنشر، الرياض، 1422هـ، 2002م، ج7، ص527.
[6] ) وقد جاء في كتاب عون المعبود، أن التيمن ” قاعدة مستمرة في الشرع وهي أن ما كان من باب التكريم والتشريف كلبس الثوب والسراويل والخف، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وترجيل الشعر، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك ومما هو في معناه يستحب التيامن فيه، وأما ما كان بضده كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط والاستنجاء، وخلع الثوب والسراويل والخف، وما أشبه ذلك فيستحب التياسر فيه وذلك كله لكرامة اليمين وشرفها “. شرف الحق العظيم آبادي أبو عبد الرحمن، المحقق: أبو عبد الله النعماني الأثري، دار ابن حزم، 1426 – 2005م، ج1، ص135.
[7] ) المعجم الوسيط، ص1063، 1067.
[8] ) اليمين واليسار في الإسلام، أحمد عباس صالح، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 1973م.
[9] ) السابق، ص5-7
[10] ) السابق، ص54
[11] ) السابق، ص59
[12] ) السابق، ص10
[13] ) السابق، ص61، 62
[14] ) السابق، ص65- 68
[15] ) السابق، ص83.
[16] ) السابق، ص94، 95
[17] ) السابق، ص105
[18] ) السابق، ص113
[19] ) السابق، ص135
[20] ) منها على سبيل المثال: التنمية الاقتصادية الشاملة في منظور الإسلام، د. فرهاد محمد علي الأهدن، سلسلة كتاب التعاون، القاهرة، ط1، 1994م. وهو دراسة مقارنة للإسلام بوصفه منظومة كاملة: الاقتصاد جزء منها، وبين النظم الاقتصادية الوضعية، ويؤكد المؤلف على سوء القراءات السابقة للجانب الاقتصادي في الإسلام.
[21] ) السابق، ص138
[22] ) المقدمة، عبد الرحمن بن خلدون، تحقيق: د. عبد السلام الشدادي، منشورات: خزانة ابن خلدون ( بيت العلوم والفنون والآداب )، الدار البيضاء، ط1، 2005م، ج1، ص266.
[23] ) السابق، ج2، ص259، 261
[24] ) السابق، ص140، وفي ص 141 يؤكد على أن المثل العليا للإسلام غاية سامية.