منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الاستغفار والكينونة: قراءة في وعي الرحمة القرآنية؛ قراءة في قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

يحي عباسي بن أحمد

0

الاستغفار والكينونة: قراءة في وعي الرحمة القرآنية

قراءة في قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

يحي عباسي بن أحمد
كاتب و باحث في الفكر الإسلامي من الجزائر

 المقدمة

تُعدّ الآية الكريمة من سورة الأنفال:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾[1]

من النصوص التي تحمل  مفتاحا من مفاتيح  الفهم القرآني للرحمة الإلهية في بعدها الوجوديّ والإنسانيّ.

إذ تجمع الآية بين حضور النبيّ ﷺ في الأمة وبين حضور الاستغفار في الوعي البشريّ، في إطارٍ يوحي بأنّ الرحمة ليست حدثًا تاريخيًا فحسب، بل قانونٌ وجوديٌّ يتجدّد ما دام الإنسان قادرًا على العودة إلى الله.

هذا المقال محاولة لقراءة هذه الآية الكريمة خارج التفسير المألوف الذي يربطها بحادثة مخصوصة، متجهين نحو قراءة وجودية تجعلها أساسًا لفهم العلاقة بين “النبوة”، و“الاستغفار”، و“الرحمة”، في دروب المفاهيم الروحية والفلسفية الأوسع.

أولًا: التحليل القرآني للآية

يقسّم النص القرآني الحماية الإلهية إلى مرحلتين متكاملتين:

  • الحماية بالحضور النبويّ:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

أي ما دام فيهم النبيّ ﷺ، فالرحمة متجلّية في شخصه، لأنّ وجوده نفسه استغفار حيّ، كما قال الله تعالى في موضع آخر:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [2].

فوجود النبيّ بين الناس كان ضمانًا لعدم نزول العذاب ووقاية منه، لأنّ الرحمة كانت حاضرة في هيئة بشرية.

  • الحماية بالوعي المستغفر:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

أي ما دام فيهم من يذكر الله بصدقٍ وعودة وإنابة، فالرحمة مستمرة متجلية ممتدة.

فالاستغفار هنا ليس مجرد طقسٍ لغويّ لساني، بل حالة وعيٍّ متجدّدة تحفظ التوازن الروحي للمجتمع.

إنّ الجمع بين “الحضور النبوي” و“الاستغفار الإنساني” يعبّر عن انتقالٍ من الرحمة بالحضور إلى الرحمة بالوعي، وهو ما يجعل النصّ صالحًا لكلّ زمانٍ ومكان.

ثانيًا: الاستغفار بين القول والحالة

جاء في الأحاديث النبوية الشريفة :

عن الأغر المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ.”[3]

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً.”[4]

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ.”[5]

وهنا يطرح السؤال نفسه:

كيف يستغفر من غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر؟

الجواب ليس في “الذنب”، بل في الحالة.

فاستغفار النبيّ ﷺ لم يكن لذنبٍ ماضٍ، بل لتجدّد الحضور في الوعي الإلهيّ.

يقول ابن عطاء الله السكندري في الحكم العطائية:

«استغفارُ العارفين من رؤية أعمالهم، واستغفارُ المقرّبين من شهود وجودهم.»[6]

أي أنّ استغفار الكُمّل لا عن خطيئةٍ، بل عن انقطاعٍ لحظيٍّ عن كمال الحضور.

وهذا ما نلمسه في التجربة النبوية:

كان ﷺ يستغفر لأنّ الاستغفار عنده عودةٌ دائمة إلى النور، وليس توبةً من خطأٍ أو ذنبٍ محدود.

فاستغفاره اليوميّ هو إعادة انفتاحٍ على المطلق كما عبّر الفيلسوف برغسون عن حركة الوعي الحيوي بقوله:

“إنّ الحياة الحقّة هي استمرار التجدّد في الصلة بالمصدر الذي يمنحها المعنى.”[7].

ثالثًا: القراءة الوجودية والفلسفية

من منظورٍ فلسفيّ، يمكن اعتبار الاستغفار النبويّ حركة أنطولوجية، أي حركة كينونةٍ تتّجه نحو أصلها.

فهو فعل يعبّر عن العودة إلى الجوهر الإلهي في الإنسان.

عند ابن عربي، الإنسان الكامل هو “مرآة الحقّ”، وكلّ لحظة يغفل فيها عن الله تُعدّ انطفاءً يحتاج إلى استغفارٍ لتجديد النور.

يقول في الفتوحات: “الاستغفار رجوعٌ من وجودك إلى وجوده.”[8]

أمّا هيدغر، فيرى أنّ الوجود الحقّ هو انكشافٌ دائمٌ للكينونة (aletheia)، فإذا انغلق الإنسان على ذاته عاش في “سقوطٍ في العدم”.

والاستغفار بهذا المعنى هو رفعٌ للحجاب بين الإنسان ووجوده الأصيل.

وبلغةٍ قرآنية، هو ما عبّر عنه الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ…﴾ أي ما دام الوعي متّصلًا بالمصدر، فإنّ الانفصال (العذاب) لا يقع.

هكذا يصبح العذاب حالة وعيٍ مظلم، والغفران عودة الوعي إلى النور.

فليس العذاب عقوبة، بل انقطاع، وليس الغفران مكافأة، بل وصلٌ متجدّد.

رابعًا: من الحضور إلى الذكر

حين كان النبيّ ﷺ في الناس، كانت الرحمة متجلّية بالحضور ، وحين رحل جسده، استمرّ فعله عبر الذكر، أي أنّ الذكر صار الامتداد الوجوديّ لذلك الحضور.

يقول المتصوف الجيلاني: “من ذكر الله فقد دخل في ظلّ من كان يذكره قبله.”[9]

أي أنّ الذكر في الأمة هو استمرارٌ لأنفاس النبوّة، وأنّ كلّ من يستغفر بصدقٍ إنما يُعيد للعالم لحظةً من النور الأول.

وهذا ما يجعل الاستغفار مؤسسة رحمةٍ كونية، تحفظ بقاء العالم في مدار النور الإلهي، كما جاء في الحديث:

«لو لا المذنبون لذهب الله بكم، وجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم.»[10]

فالخطأ في نظر الوحي ليس سقوطًا نهائيًا، بل مناسبةٌ للعودة، وحين تتكرّر العودة يصبح الكون نفسه في حركة استغفارٍ أبدية.

خامسًا: الاستنتاج والخاتمة

الاستغفار في ضوء هذه القراءة ليس نفيًا للذنب فقط، بل إثباتٌ للحضور.

هو فعل وعيٍ كونيّ يعيد الإنسان إلى مركزه في الرحمة.

فالنبيّ ﷺ كان بين الناس استغفارًا متجسّدًا، وحين غاب الجسد، بقي المعنى؛ بقيت حركة الوعي التي تربط الإنسان بالمطلق، وظلّ الاستغفار اللفظيّ رمزًا لتلك الحالة العليا من الاتصال.

وهكذا نقرأ الآية الكريمة لا كخبرٍ عن زمنٍ مضى، بل كقانونٍ دائمٍ للوجود:

ما دام فيك وعيٌ راجع إلى الله، فلن يعذّبك الله، لأنّك في حالة رجوعٍ مستمرٍّ إليه.

فالاستغفار هو حركة الوجود في اتجاه النور، وكلّ من يستغفر بصدقٍ إنّما يُعيد إلى العالم شيئًا من حضوره ﷺ.

خلاصة القول

“الاستغفار ليس كلمةً تُقال، بل حالٌ يُعاش، هو عبورٌ من الغياب إلى الحضور، ومن الخوف إلى النور، ومن الذات إلى الله.”


[1] سورة الأنفال – الآية 33

[2] سورة الأنبياء- الأية 107

[3] لبخاري، محمد بن إسماعيل. (تاريخ غير محدد). الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (طبعة محققة). (رقم الحديث 6307).

[4] مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. (تاريخ غير محدد). المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (طبعة محققة). (رقم الحديث 2702).

[5] مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. (تاريخ غير محدد). المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (طبعة محققة). (رقم الحديث 2702).

[6]  السكندري، ابن عطاء الله. (1998). الحكم العطائية (تحقيق: أحمد فريد المزيدي). القاهرة: دار الكتب العلمية.

[7] برغسون، هنري. (1984). التطور الخالق. (ترجمة. محمد محمود قاسم). القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب. (العمل الأصلي: 1907).

[8] بن عربي، محيي الدين. (1999). الفتوحات المكية في معرفة الأسرار المالكية والملكية (تحقيق: أحمد شمس الدين). بيروت: دار الكتب العلمية.

[9] الجيلاني، عبد القادر. (1989). الفتح الرباني والفيض الرحماني. بيروت: دار الكتب العلمية.

[10] مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. (تاريخ غير محدد). المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (طبعة محققة). (رقم الحديث 2749).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.