منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تَذكّروا فَسَتَرَوْن !

د. أسامة الأشقر

0

تَذكّروا فَسَتَرَوْن !

د. أسامة الأشقر

1. ستمرّ علينا أيّام عصيبة جدّاً وقاسية، وعندما نمرّ عليها بعد دهر تكون ذكرى لا تُنسَى، ونحكي لمن حولنا كيف ثبَتْنا فيها، وتجاوزناها، وكيف بدّل اللهُ حالَنا، وأوفى إلينا وعدَه، وأنّه لم يتركنا رغم شدة الظنون التي اجتالتنا وسط الكارثة، ونحن نستعجل الخلاص .

2. وقد رأينا ذلك في فعل رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه، عندما أخبر أصحابه عندما سألوه بعد فتح مكة أو بعد حُنين في أيّ موضع سينزل! فأخبرهم أنه سينزل في “خَيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر”، وهذا الحديث في البخاري وغيره.

3. والخيف محل منحدر من الجبل مرتفع قليلاً عن المسيل في وادي المحصّب بين مكّة ومِنَى في أول بطحاء مكّة كانت تسكنه كنانة، وهو الموضع الذي تحالف فيه بطون قريش مع بني كنانة على حصار بني هاشم وبني المطلب في الشِّعب ومنع معاملتهم والزواج منهم أو تزويجهم، أو مبايعتهم، أو مخالطتهم، أو إيوائهم، وتقاسموا على ذلك، ووثقوا حلفهم الظالم في صحيفة علّقوها في جوف الكعبة، ولا ينتهي هذا الحصار حتى يُسْلِموا إليهم رسول الله، وهو حصار دام ثلاث سنين حتى السنة العاشرة للبعثة.

4. وهذا الموضع منزل نزله رسول الله وليس من مناسك الحج، مما يدلّ على أن النزول به جاء للتذكير بتلك الذكرى القديمة وما تضمّنته من رسائل؛ ويمكن فهم ذلك أيضاً من الرواية الأخرى للحديث في الصحيح: «منزلنا – إن شاء الله، إذا فتح الله – الخيف حيث تقاسموا على الكفر».

5. وهذا الأمرُ ليس لتثبيت العداوات وإنما للتذكير بالمآلات، حتى لا يغفل المؤمنون عن رحمة الله، ولا ينغمسوا في مشاعر الساعات القاتلة التي تبثّ فيهم الحزن والكآبة والحسرة، وأنّ هذه المعارك الطويلة التي صبروا فيها، وعانوا وقاسوا ما عانوا فيها وقاسوا، لن تكون عاقبتها إلا خيراً، وأنّ بركات الله عليهم ستعوّضهم ما خسروه، وستمحو آثار تلك الأيام التي تآمر فيها الأشرار والأوغاد علينا .

6. وهذا الأمر لا يخلو من تحذير الأعداء بأنّ العداوة تتجدد إذا استعادوا مواقفهم الأولى، وأن القضيّة لا تنتهي ولا تموت، وأن الحقّ لا يزول ما دام وراءه من يطالب به، وأنّه لا يسقط بالتقادم، وأن القوّة النفسيّة التي حملت الناس على مواجهتهم أوّل الأمر يمكنها الانبعاث بمثل هذه الذكريات المتوهّجة، وقد ورد ذلك في الحديث: (الودّ يُتوارث، والعداوة تُتوارث) .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.