منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تقديم كتاب: الدين والعقل في فكر محمد بن الحسن الحجوي للدكتور محسن الدكني

د.  أحمد بوعود

0

تقديم كتاب

الدين والعقل في فكر محمد بن الحسن الحجوي[1]

للدكتور محسن الدكني

 أحمد بوعود

 مر المسلمون بفترات انحدار حضاري، بدءا من الانكسار التاريخي وتحول الحكم الإسلامي من خلافة على ملك، إلى ظهور طوائف وعصبيات ومذاهب، واغتيال العقل الحر، وطغيان التقليد في شتى المجالات الفكرية. لقد توقف العقل المسلم عن الإبداع وانفصلت شريعة الله عز وجل عن واقع المسلمين. ولا ننكر ظهور فلتات حضارية ونبوغ فكري من حين لآخر. وظهرت من حين لآخر أصوات تنادي بإصلاح حال المسلمين وتدعو إلى تجديد الدين في واقع الناس. وفي القرن التاسع عشر الميلادي فتح المسلمون أعينهم على صدمة غرب متقدم مستعمر حامل لقيم حداثة ينبه المسلمين إلى الهوة الكبرى بين واقعهم وواقع شريعتهم، وبين واقعهم وواقع الغرب المتحضر. وقد أحسن أحمد أمين وصف حالة المسلمين آنذاك بالقول: “وعلى الجملة فقد كان العالم الإسلامي إذ ذاك شيخا هرما حطمته الحوادث، ونَهِكَه ما أصابه من كوارث: فساد نظام، واستبداد حكام، وفوضى أحكام، وخمود عام، واستسلام للقضاء والقدر… فقد الدين روحه، وصار شعائر ظاهرية لا تمس القلب ولا تحيي الروح. سادت الخرافات، وانتشرت الأوهام، وأصبح التصوف ألعابا بهلوانية، والدين مظاهر شكلية، ووسيلة النجاح في الحياة ليست الجِدّ في العمل، ولكنِ التمسح بالقبور والتوسل بالأولياء، فهم الذين يُنْجِحون في العمل، وهم الذين يَنْصُرون في الحروب. والحارات مملوءة بالدجالين والمشعوذين”[2] .

أمام هذا الواقع لجأ المسلمون إلى البحث عن مرجعيتهم وتراثهم ليجددوا التواصل معهما ويبحثوا عن زاد يعينهم على ردم الهوة التي تفصل بينهما وبين واقعهم، تؤرقهم مجموعة من الأسئلة من قبيل: كيف نتعامل مع صدمة الحداثة؟ وكيف نحقق نهضة حضارية تناسب هويتنا؟ كيف نقرأ التراث؟ هل مازال صالحا ونحن نتطلع إلى الحداثة؟ وهل يصلح لتحصيل تقدم في مستوى تقدم الغرب؟ وما هي حدود الاستفادة من الغرب والفكر الغربي؟

هذه الأسئلة شغلت العلماء المسلمين منذ القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا. وقد أجابوا عنها انطلاقا من مدارسهم الفكرية المختلفة، منهم الفقيه العالم الذي تقلد مناصب في الدولة محمد بن الحسن بن العربي بن محمد الحجوي الثعالبي (1291-1376ه/1874-1956م) موضوع هذه الدراسة القيمة والفريدة من نوعها.

لقد أحسن الدكتور محسن الدكني بارك الله فيه الاختيار، سواء من حيث الشخصية أو من حيث الإشكال؛ فلا شك أن هناك دراسات حول الحجوي، لكن ربما لا نجد دراسات تدور حول العقل والدين عند الحجوي. وهذا يجعل من الكتاب قيمة مضافة إلى المكتبة المغربية وإلى الفكر الإسلامي عامة. وهكذا، فإن قيمة هذا الكتاب تكمن في قيمة موضوع الإشكال الذي يجيب عنه وهو إشكال العلاقة بين العقل الدين، وتزداد القيمة عندما يتعلق الموضوع بشخصية بصمت الفكر المغربي المعاصر بمجالات فكرية ما زالت اليوم موضع البحث والدراسة، وهو محمد بن الحسن الحجوي. تفرعت عنه مجموعة من الأسئلة أجاب عنها الدكتور محسن الدكني في فصول كتابه، من قبيل: ما الأصول المعرفية التي اعتمدها الحجوي للإجابة عن هذا الإشكال؟ وهل الدين الإسلامي فوق العقل والعلم؟   وكيف يسهم كل من العقل والدين في النهوض الحضاري؟ وما مكانة العقل في الاجتهاد الفقهي؟ وما مكانته في إثبات العقائد الإسلامية؟

للإجابة عن تلك الأسئلة قسم الدكتور الدكني دراسته هاته إلى بابين بعد مدخل خصصه للحديث عن شخصية الحجوي، ثم باب أول تناول فيه الدين من زواياه العقديةـ. وهنا اهتم الكاتب بدراسة إشكال العلاقة بين العقل والدين في مجال العقيدة؛ حيث عرف كلا من العقل والدين في اللغة وفي اصطلاح الفقهاء وعلماء الأصول والفلاسفة، وانتقل بعدها للحديث عن الاستدلال بالعقل على العقائد كوجود الله، محاولا بيان اجتهاد الحجوي في التوفيق بين العقل والدين في هذا المجال. ولنباهة الكاتب محسن الدكني لم يفته أن يبين حقيقة الخلاف بين العلم والدين في الفكر الإسلامي، ومقارنته بنظيره عند المسيحيين، مستنتجا أن الإسلام دين العلم والمعرفة.

وفي باب ثان أجاب الدكتور محسن الدكني عن إشكال العلاقة بين العقل والدين من زواياه التشريعيةـ، حيث ركز حديثه عن علاقة العقل بالنص عند المذاهب الفقهية المشهورة في العالم الإسلامي ضمن أصولها المعتمدة، وذلك حسب ظهورها زمنيا. ثم خام حديثه هذا بلفت انتباهنا إلى أن مصادر التشريع الإسلامي العقلية في منظور الحجوي، هي القياس والاستحسان وسد الذرائع، والحيل… والجميل في هذه الدراسة أن الدكتور محسن الدكني حفظه الله لم يكتف بالجوانب النظرية في فكر الحجوي واجتهاده، وإنما عززه بنماذج تطبيقية من فتاواه وآرائه، وذلك بمقارنتها مع غيرها من الاجتهادات.

لقد خلص الكاتب مع الحجوي إلى أن تخلف الأمة يكمن في فساد عقلها الذي حرف الفهم السليم لدينها عن معناه الصحيح، ومن ثم، فلا نهضة إلا بإصلاح هذا العقل. أن الإسلام لا يعارض العقل، بل يدعو إلى استخدامه كما يدعو إلى العلم.

هذا، وقد تميزت الدراسة بلغة جميلة وسليمة وسلسلة من غير تعقيد ولا تكلف، تجذب القارئ إلى متابعة التحليلات العميقة والمقارنات الدقيقة التي يعقدها الكاتب، فضلا عن العدة المرجعية الغنية والمتنوعة شملت ميادين معرفية مختلفة. وهذا يجعله قيمة مضافة للفكر الإسلامي الحديث.

أسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب ويجعله لبنة من لبنات النهوض الحضاري المنشود، وأن أن يتقبل من الدكتور محسن الدكني. آمين.


[1] – صدر عن إفريقيا الشرق ماي 2026.

[2] – أحمد أمين، زعماء الإصلاح في العصر الحديث، (دار الكتاب العربي، بيروت)، ص 8.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.