منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في جواز تشييع جنازة غير المسلم

في جواز تشييع جنازة غير المسلم/ د. يوسف القسطاسي

0

في جواز تشييع جنازة غير المسلم
د. يوسف القسطاسي

بداية فمن تمام شكر الله ﷻ أن جعل أحكام الشريعة تسع حاجات المسلمين وتراعي أحوالهم وتجيب عما نزل بهم من أقضيات وحوادث ومستجدات، بل إن اختلاف المجتهدين شكل مدخلا كبيرا لرحابة وسعة الشريعة وخلودها، وتجاوز حد انحصار الاجتهاد أمام فتوى خاصة أو تأويل فقهي محصور بسياق معين أو تنزيل حكم وفق مناط خاص…فلم يسلِم العلماء بوحدة الحكم فيما كان فيه اختلاف، مما جعل أهل العلم يتدارسون قضايا قديمة بأسلوب تجديدي يراعي الحاجة إلى نظر فقهي يحقق مصالح الناس. ومن تلك المسائل التي وقع فيه اختلاف بين العلماء مدى جواز مشاركة المسلم في تشييع جنائز غير المسلمين، الشيء الذي يجعل هذه المسألة ملحة عند البعض في بحث حكمها خاصة إذا كان السبب هو القرابة أو المصاهرة أو صداقة أو الجوار…بل إن تناول هذه المسألة وإعادة بحثها وتدارسها أصبح أشد إلحاحا في زمن تستعمل فيه مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة لنيل من مسلم أو مسؤول في بلاد المسلمين شارك تشييع جنازة يهودي أو نصراني…

ورفعا لأي لبس في المسألة ودرءا لأي تعصب، فالورقة التالية تعرض لسبع نقط تؤطر مسألة جواز مشاركة المسلم في تشييع جثمان غير المسلم:

  • مشاركة وحضور فئة من المسلمين لجنازة غير المسلم قد يقتضيها سياق أو مصلحة عامة أو خاصة أو سبب يشهد له بالاعتبار كحق أو التزام أو عهد… فالحكم عن الشيء فرع لتصوره، وإذا عرف السبب بطل العجب. فقد يكون غير المسلم جارا أو قريب أو صاحب عهد أو من أهل الذمة؛ أي في ذمة الله وعهده وأمانه، مما يقتضي حفظ حقه حيا كان أو ميتا، كالمواطن القبطي(النصراني) المصري أو المواطن اليهودي المغربي… في علاقته مع المواطن المسلم في نفس البلد أو غيرها.
  • إن مسألة النظر الشرعي في حضور جنائز غير المسلمين أو دفنهم أو حمل نعوشهم…خاضع لفهم الفقهاء للنص الشرعي ومراعاة واقع الحال ومقتضى المصلحة، ناهيك عن وجود خلاف مذهبي معتبر في جزئيات الموضوع، وحيث أن الأمر كذلك فأن القاعدة الأصولية تقول: “لا إنكار في مسائل الخلاف”.

فكما أن للمانعين أدلة فإن للمجيزين أدلة منها:

  • حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: “مر بنا جنازة، فقام لها النبي ﷺ وقمنا به، فقلنا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي، قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا»[1].
  • وعن سهل بن حنيف، وقيس بن سعد رضي الله عنهما قالا: إن النبي ﷺ مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفسا» [2].
  • شيع الصحابة رضي الله عنهم جنازة نصرانية؛ هي أم الحارث بن أبي ربيعة رضي الله عنه؛ فعن الشعبي قال: “ماتت أم الحارث بن أبي ربيعة رضي الله عنه، وكانت نصرانية، فشيعها أصحاب محمد ﷺ”[3]. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الرازق الصنعاني في “مصنفيهما”. فقد شيعها الصحابة رضي الله عنهم ولم تكن قريبة لهم، وهذا يدل على جواز ذلك لغير الأقارب.
  • وعن عبد الله بن شريك رضي الله عنه قال: “سمعت ابن عمر رضي الله عنهما، سئل عن الرجل المسلم يتبع أمه النصرانية تموت؟ قال: يتبعها ويمشي أمامها”[4].

ومن أقوال الفقهاء في جواز تشييع جنازة أهل الكتاب:

  • نص الفقهاء من الحنفية والشافعية على جواز تشييع جنازة أهل الكتاب واتباعها؛ سواء كان المتوفَّى من الأقارب أو الجيران أو لم يكن كذلك.
  • قال العلامة ابن مازة البخاري الحنفي: “وفي “السير الكبير”: سأل رجلٌ ابنَ عباسٍ رضي الله عنهما: أن أمي ماتت نصرانيَّةً؟ فقال: اتبع جنازتها واغسِّلها وكفِّنها، ولا تصلي عليها، وادفنها. وإنَّ الحارث بن أبي ربيعة ماتت أُمُّهُ نصرانيَّةً، فتتبع جنازتها في نفرٍ من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين”[5].
  • وقال الإمام النووي الشَّافعي: “ولا بأس باتباع المسلم جنازة قريبِه الكافر”[6].
  • وقال العلامة شمس الدين الرملي:”ولا بأس باتباع المسلم جنازة قريبه الكافر.. ولا يبعد كما قاله الأذرعي إلحاق الزوجة والمملوك بالقريب، ويلحق به أيضًا المولى والجار كما في العيادة فيما يظهر”[7].
  • وقال العلامة عبد الحميد الشرواني في حاشيته:” وللمسلم زيارة قبر كافر. قال: في “شرحه”: أي يُباح له ذلك كما قطع به الأكثرون وصوبه في “المجموع” انتهى. وظاهر قطع الأكثرين هذا الذي صوَّبه في “المجموع” أنه لا فرق بين القريب والأجنبي. ويؤخذ من ذلك عدم الحرمة أيضًا في اتِّباع جنازته لقريبٍ أو أجنبيٍ”.[8]

إن عموم ما يستدل به المانعون من نصوص في مسألة حضور وتشيع غير المسلم، لا يدل صراحة على المنع المطلق، كما أنه لم يرد في القرآن أو السنة ما يمنع من تشييع جنائزهم وتقديم العزاء لهم…

وحيث إن المسألة خلافية وليس فيها نص قطعي فإن أقوال المانعين استندت إلى الاجتهاد المبني على أسس منها:

  • التمييز العقدي: حيث ينظر إلى المقابر وكيفية الصلاة كرمز لهوية الجماعة، وعليه استصحب هذا التمييز في كل ما يرتبط بغير المسلمين بعد وفاتهم.
  • ما جر به العمل في المجتمعات الإسلامية من تخصيص مقابر خاصة بغير المسلمين، فأضحى ذلك عرفا اجتماعيا له وزن في الفقه.
  • القياس على الصلاة والدفن: فكما لا يصلى على جنائز غير المسلمين قيس على ذلك منعه من الدفن مع المسلمين…

هذه المنطلقات الاجتهادية قد يفهم منها البعض عدم مشاركة غير المسلمين في كل ما يتعلق بجنائزهم، بما في ذلك حمل نعوشهم وتعزيتهم ومواساتهم، وهذا لا يستقيم في ظل النظر الكلي للمصالح المرتبطة بحفظ حق الذمي والوفاء بعهده ومواساته… فهذه قيم إنسانية مرتبطة بأخلاقنا الإسلامية لا علاقة لها بالتمييز العقدي أو موالاة غير المسلمين، بل إن أثرها الآني أو المستقبلي مما يحقق نشر الإسلام وبقاءه والدعوة إليه؛ ولنا في عهود الرسول ﷺ عليه وسلم ورحمته وعفوه وعموم شمائله العبرة الحسنة.

إن الاستدلال بقوله الله ﷻ في سورة التوبة: (وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)) وما بعده؛ لا يستقيم في إنكار المشاركة في تشييع جثمان غير المسلم، لأن الآية أعلاه نزلت في المنافقين وليس في غيرهم. إضافة إلى أن مسألتنا خاصة بالتشيع وتقديم العزاء والمشاركة في حمل النعش وليست في الصلاة أو القيام على القبر أو الدعاء.

والله أعلى وأعلم.


[1] – حديث متفق عليه

[2] – حديث متفق عليه.

[3] – أخرجه محمد بن الحسن في “الآثار”.

[4] – أخرجه ابن أبي شيبة في “مصنفه.

[5] – “المحيط البرهاني”، (2/194)، ط. دار الكتب العلمية.

[6] – “منهاج الطَّالبين”، ص: 62، ط. دار الفكر

[7] –  “نهاية المحتاج”، (3 /22)، ط. دار الفكر.

[8] – حاشية الشرواني على “تحفة المحتاج” (3/ 200)، ط. المكتبة التجارية الكبرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.