باب وحارة المغاربة في القدس الشريف (2) تزكية النفوس والفاعلية التاريخية
باب وحارة المغاربة في القدس الشريف (2) تزكية النفوس والفاعلية التاريخية / إدريس قافو
باب وحارة المغاربة([1]) في القدس الشريف (2) تزكية النفوس والفاعلية التاريخية
بقلم: إدريس قافو
تزكية النفوس والفاعلية التاريخية (1) صلاح الدين الأيوبي نموذجاً
فقد جاء الفتح ودخل في الإسلام أقوام لم يتلقوا تربية ترفعهم عن مرتبة الأعرابية، ثم وقعت الفتنة الكبرى، ثم انقلب الأمويون على الخلافة الراشدة، فتصدع كيان الأمة، وظهر الخوارج، ثم تفرقت الأمة سنة وشيعة وطوائف أخرى بعد ذلك، وبدأ الانحطاط… وفي القرن الرابع والخامس بلغت الأمة دركات غير مسبوقة من الانحطاط الخلقي، والتشتت المذهبي، والضعف السياسي([2])… فبعث الله لها من يجدد لها إيمانها، مصداقا للحديث النبوي: (إنَّ اللَّهَ يبعثُ لِهَذِهِ الأمَّةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سنةٍ من يجدِّدُ لَها دينَها)([3])، فاجتاحها ما يشبه موجة من التغيير والتجديد.
موجة التجديد
اجتاحت الأمةَ في القرن الخامس موجة ٌمن التغيير والتجديد امتدت من المشرق إلى المغرب، وقادها على مستوى أطر الدولة رجال ممن تأثروا بحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، بَدْءًا من المشرق بالوزير نِظام المُلْك ([4])مؤسس (المدارس النظامية)، ووصولا إلى محمد بن تومرت ([5]) مؤسس دولة الموحدين في المغرب فيما بعد، وقبل قيام دولة الموحدين، كتب الغزالي رسالة إلى ابن تاشفين تُبرِز مدى متابعته ودعمه لجهاد دولة المرابطين في المغرب والأندلس، وقد اعتزم لِلِّحاق به (لكن توفي ابن تاشفين والغزالي في مصر هو طريقه إلى المغرب)… أما في القاعدة الشعبية فقد كانت المدارس (الصوفية) كمدارس الإمام عبد القادر الجيلاني تفعل فعلها، وكان من ثمار هذه الموجة أن ربَّت رجالا، من كل الأعراق: عربا وأكرادا وأمازيغ … كانوا سندا لصلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدسَ، والذي جعل للمغاربة من جنده حارة وبابا في أولى القبلتين وثالث الحرمين. فما سر تخصيص هؤلاء الأبعدون جغرافيا الأقربون مكانة بباب أو حارة في القدس؟
سر حارة المغاربة
حارة المغاربة وقف أوقفه ابن صلاح الدين الأيوبي على المغاربة الذين شاركوا في تحرير القدس، والذين أسكنهم أبوه صلاح الدين فيها وقال: (أسكنت هناك من يثبتون في البر، ويبطشون في البحر، وخير من يؤتمنون على المسجد الأقصى وعلى هذه المدينة)([6]). والكثيرون يعرفون قصة إرسال صلاح الدين طلب مدد إلى يعقوب المنصور الموحدي (ت595ه)، لكن الذي لا يعرفه الكثيرون هو أن مدارس الإمام عبد القادر الجيلاني ومثيلاتها هي التي كانت تصنع الرجال في الميدان، من جبال هكاري جنوب شرق الأناضول إلى المغرب الأقصى.
وكان الذي عبأ طلبة العلم والمجاهدين المغاربة، وبث فيهم روح الجهاد والاستشهاد، وشارك في الصفوف الأمامية، وفقد ذراعه في حطين 583ه هو الشيخ أبو مدين شعيب الغوث ([7])(520 – 594ه)، (وهو حلقة في سلسلة أسانيد التربية بين كثير من المغاربة ورسول الله صلى الله عليه وسلم مرورا بالإمام عبد القادر الجيلاني(470_561ه)، وقد بدأت قصته مع القدس بعد حضوره (مؤتمرا عالميا) في الحج (برئاسة) الإمام عبد القادر الجيلاني. وقد كانت رحلته تلك إلى الحج، كعادة العلماء في ذلك الزمان، مناسَبة له لأخذ العلم والحديث والتصوف عن الجيلاني([8]).
هذا هو سر حارة المغاربة في القدس. أما سر النصر في حطين فإنه يكمُن في تسلسل الصحبة المتصلة السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، المشار إليه في الحديث في الحديث النبوي:( يَأْتي علَى النَّاسِ زَمانٌ، فَيَغْزُو فِئامٌ مِنَ النَّاسِ، فيَقولونَ: فِيكُمْ مَن صاحَبَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، فيُفْتَحُ لهمْ، ثُمَّ يَأْتي علَى النَّاسِ زَمانٌ، فَيَغْزُو فِئامٌ مِنَ النَّاسِ، فيُقالُ: هلْ فِيكُمْ مَن صاحَبَ أصْحابَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، فيُفْتَحُ لهمْ، ثُمَّ يَأْتي علَى النَّاسِ زَمانٌ، فَيَغْزُو فِئامٌ مِنَ النَّاسِ، فيُقالُ: هلْ فِيكُمْ مَن صاحَبَ مَن صاحَبَ أصْحابَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، فيُفْتَحُ لهمْ) ([9]).
هل هي دعوة مبطَّنة إلى التصوف؟
أولا: مصطلح التصوف
إن مصطلح التصوف الذي استُعمِل كثيرا في التراث الإسلامي، واستعمله الغزالي في شهادته قد اعْتَرته من بعده عدة تشوهات حتى أصبح يضم أطيافا لا تعد ولا تحصى من الخارجين عن الشريعة كالمبتدعين لأكل الحيات وشرب الماء الساخن والمشي على النار والمعطلين للشريعة بدعوى (الوصول). ولتفادي جنايات المصطلحات يمكن القول إن المقصود بالتصوف عند الغزالي والمعتبرين من أئمة التربية هو التزكية الروحية المشار إليها بقول الله تعالى: (وَنَفْس وَمَا سَوَّيٰهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَيٰهَا قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّيٰهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّيٰهَا)([10]). وقد أشاروا في شهاداتهم إلى أن البداية الصحيحة لتغيير الإنسان هي تغيير ما بنفسه والإقبال على مجاهدتها لفطمها عن مألوفاتها.
ثانيا: هل الإمام الغزالي هو القدوة
الإمام الغزالي رحمه الله وأعلى مقامه من كبار أعلام هذه الأمة، فهو فقيه وأصولي وفيلسوف وخبير بالنفس البشرية… وهو الملقب بحجة الإسلام، وهو الذي (خرج على الناس بفقه السلوك مقَعَّدا مرتبا)([11])، وقالوا عن كتابه الإحياء (من لم يقرأ الإحياء فليس من الأحياء)، وقال أبو مدين الغوث (طالعت كتب التذكير فما رأيت كالإحياء) ([12])… ولا ينتقص من مكانته إلا من مَسَّت نفسًه لوثةُ (أنا خيرٌ منه) ([13])، أو من لا يعرف سبيلا للرفع من قدْرِه إلا بالانتقاص من الأخرين… لكن لا نريد للإمام أبي حامد وغيره من الأكابر الذين عاشوا في أزمان غير زماننا أن يحجبوا عنا رسول الله ﷺ، الذي جعله العليم الخبير قدوة للناس إلى قيام الساعة، وجعل سيرته صالحة لكل زمان ومكان؛ يأخذ منها كل مجتهد حسب ما يناسب ظروفه. فعلماءنا اجتهدوا في حدود ما سمحت به إمكاناتهم وظروفهم وإكراهات وواقعهم، وفي حدود المحافظين المشفقين على بيضة الأمة أن ترام، وعلى حماها أن يُضام، وفي دائرة الصابرين على العدوان الداخلي اتقاءً للعدوان الخارجي، أما اليوم والأمة مستباحة داخليا من طرف حكامها، وخارجيا من طرف أعدائها، والمفاسد تداعت عليها، ولم تبق منها مفسدة صغرى يمكن أن نتقيَ بها أخرى أكبر منها، فقد انتفت أحكام الضرورة التي ألجأت البعض إلى التزكية في الخلوات، وتعيَّنتِ العودة إلى النموذج الكامل في التزكية والتربية.
دعوة إلى النموذج الكامل
هذا المقال هو دعوة للاعتبار بأحداث التاريخ، ثم هو دعوة للبحث عن المنهاج النبوي للزكية الروحية الذي ربى به رسول الله ﷺ أصحابه، وألف به بين قلوبهم، وحوَّل به بدوًا في هامش التاريخ إلى خير أمة أخرجت للناس… المنهاج الُمبشَّر بتجدده في المستقبل في الحديث النبوي: (… ثم تكونُ خلافةٌ على منهاجِ نبوةِ ثم سكت) ([14]). يقول أحد خبراء التربية (لست أدعو الأجيال المقبلة للتصوف! وإن كانت التربية الصوفية هي التي احتفظت بجوهر الأمر كله، بل أدعو إلى اقتحام العقبة التي انحدر منها الصوفيَّة الكرام عن ذلك الأفق العالي الجِهادي الذي تحرك في ذُراهُ الصحابة المجاهدون، نالوا بالجهاد المزدوج، الجهاد الآفاقي والأنفسي، درجة الكمال. وجمعوا إلى نورانية القلوب المتطهرة حملَ الأمانة الرسالية إلى العالم. وبذلك لحقوا بمقعد الصدق)([15]).
الخلاصة
شًرَفُ جعلِ بابِ للمغاربة (جزائريين ومغاربة) في أولى القبلتين وثالث الحرمين هو ثمرةُ تربيةٍ وتزكية روحية بدأت مع أعلام كالإمامين الغزالي والجيلاني وغيرهم، وتُوِّجت بالنصر العسكري لصلاح الدين الأيوبي وتحرير القدس. واستعادة هذا الشرف وتلك الفاعلية التاريخية، يتطلب منا التماس المنهاج الذين غيَّر به هؤلاء الأئمة العادات، وشحذوا به الإرادات، وأخلصوا به النيات… والاستفادة من تطبيقات من سبقونا بإيمان لذلك المنهاج دون أن يحجبوا عنا القدوة الكاملة في سيرة رسول الله ﷺ وصحبه الكرام، وكل ذلك مع إتيان البيوت من أبوابها. والحمد لله رب العالمين.
([1]) _ المقصود بالمغاربة هنا هم مواطنون لدولة الموحدين التي كانت عاصمتها بمراكش بالمغرب الأقصى وتمتد في شمال ما يسمى اليوم دول المغرب العربي (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب) والأندلس.
([2]) _ انظر ابن كثير: البداية والنهاية، ج 12، ص 197
([3]) _ رواه أبو داود في صحيحه
([4]) _ نظام الملك: قوام الدين أبو علي الحسن (408ه- 485ه/1018-1092م) من مواليد طوس، في خراسان أحد أشهر وزراء السلاجقة، كان وزيرا لألب أرسلان وابنه ملكشاه، تأثر بالغزالي، وكان محبا للعلم والعلماء، فأنشأ المدارس المعروفة باسمه «المدارس النظامية»، وأجرى لها الرواتب، وجذب إليها كبار الفقهاء والمحدِّثين، وفي مقدِّمتهم حُجَّة الإسلام أبو حامد الغزالي.أنظر الزركلي: الأعلام، ج2، ص202
([5]) _ لا يتسع المجال في مقال للتفصيل أين أصاب الرجال؟ وأين اجتهدوا فأخطأوا ولهم أجر الاجتهاد؟ وأين اضطرتهم الضرورة إلى أخف الضررين، وكان ما فعلوه هو عين الصوب وإن بدا للجاهل بظروف الضرورة التي ألجأتهم إلى ذلك أنهم أخطأوا… وأين أخطأوا عن قصد؟)
([6]) _ منصور صادر سلامة: وقفات للأرض المقدسة، مؤسسات الرحاب الحديثة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2016، ص 131
([7]) _ أبو مدين شعيب الغوث (520 – 594هـ) / (1123 – 1197م)، ولد بالأندلس، ثم رحل إلى المغرب ودرس بفاس، ثم استقر ببجاية بالجزائر حيث أسس مدرسة صوفية، أخرجت – حسب مصادر تاريخية المئات من مشايخ التصوف، وهو حلقة في سند الطريقة الشاذلية لأبي الحسن الشاذلي الذي أخذ عن الشيخ عبد السلام بن مشيش عن أبي مدين شعيب عن عبد القادر الجيلاني، – http://revue.umc.edu.dz/index.php/h/article/view/1169/1277
([8]) _ محمود، عبد الحليم: أبو مدين الغوث: دار المعارف، القاهرة، ص53
([10]) _ سورة الشمس: الآيات 7 و 8 و 9 و 10
([11]) _ ياسين، عبد السلام: الإحسان، ج2، ص355
([12]) _ محمود، عبد الحليم: أبو مدين الغوث، ص37
([13]) _ إشارة إلى الآية: (قَالَ أَنَا خَيْرٞ مِّنْهُ خَلَقْتَنِے مِن نّ۪ارٖ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٖۖ (سورة الأعراف: الآية 11)
([14]) _ رواه الامام أحمد، . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله ثقات