قراءة في كتاب “قوانين النهضة”
بقلم: عبد الصمد الخزروني
تقديم
الكتاب من 84 صفحة، ألّفه الدكتور جاسم سلطان مفكر قطري، الكتاب مُقسّم إلى مقدمة وعشرة مباحث ثم خاتمة. صدرت النسخة الأولى منه قبل أكثر من عقدين من الزمان، له لغة استشرافية مستقبلية. ينطلق الكتاب من واقع الأمة المتخلّف على جميع الأصعدة، ليقترح لها علاجا من أجل النهوض يتمثل في خطة أساسها عشرة قوانين هي بمثابة قواعدَ لا غنى للعامل والمنخرط في مشروع النهضة عنها فهما ووعيا وعملا وسلوكا.
تحدث الكاتب الدكتور جاسم سلطان في المقدمة عن التفاوت بين أمم الأرض في القدرات والإمكانيات باعتبارها أحدَ محركات التدافع فيما بينها. فالمتفوقة في هذه القدرات والإمكانيات تتوسع فتحتل، والمغلوبة تُقاوم هذا الاحتلال بحثا عن التحرر والاستقلال. والمستقلة من هذه الأمم المحتلة عوض أن تتقدم سقطت في براثن الاستبداد والفساد فلم تبرح مكانها. والمفارقة العجيبة في هذا التدافع أن تتقدم أمم لا موارد لها وأن تتخلف أخرى لها موارد.
هذه القوانين العشرة كما يشير الكاتب هدفُها بناء الوعي المكافئ لاحتياجات النهضة ومتطلباتها، أما مصدرها فمن تجارب الأمم التي نجحت في تحويل هذه القوانين إلى إجراءات عملية ناجحة. وهي على الشكل التالي: 1/قانون الفكرة المركزية، 2/قانون المكنة النفسية، 3/قانون التغير الذاتي، 4/قانون اختيار شرائح التغيُّر، 5/قانون الخصوبة، 6/قانون المؤشرات الحساسة، 7/قانون التدافع، 8/قانون الفرصة، 9/قانون التداول، 10/وقانون الدعائم السبع للنهضة.
مبحث الأول: قانون الفكرة المركزية
تحدّث في هذا المبحث عن الفكرة المركزية، إذ تمثل الفلسفة التي تسبق بناء النُّظم التي تقوم بخدمة النظام الكلي. فمثلا الليبرالية خطها الناظم تقليص سلطة الدولة وتوسيع السلطة الفرد والمجتمع المدني. والشيوعية خطها الناظم تقليص دور الفرد لصالح المجموعة. إن لكل نهضة فكرة مركزية تدور حولها وتعتبرها معيارا، وتعطي هذه الفكرةُ النظامَ شخصيته. ويمكن أن تستعار هذه الفكرة من نظام لآخر.
والفكرة المركزية تتكون من جزأين: جزء صلب يعطي الفكرة خطها الناظم ويفسر مسلكها ومسارها. وجزء مرن يتكيف بحسب احتياجات المجتمع ومتطلبات التغيير. الفكرة الإسلامية مثلا جوهرها طلب تحقيق العدل كمبدأ جماعي وطلب تحقيق عبادة الله رجاء في رضى الله تعالى كمبدأ فردي. بينما جزؤها المرن يظهر في جدلها الدائم مع الواقع بضابط المقاصد.
وتحدّث أيضا الفكرة المحفزة باعتبارها أهمّ ما يحرك الإنسان للفعل بدل الانتظار، إما بدافع ذاتي كالإحساس بالظلم والإهانة والفقر، وإما بدافع جماعي كالإحساس بالاستبداد والقهر. وهي تجمع بين المتسامي الأخلاقي (العبادة) والمطلب المادي (العدل)، نجد لها صدى فيما أعلنه ربعي بن عامر رضي الله عنه على بساط رستم حين قال: “جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد الى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان الى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا الى سعة الدنيا والآخرة”.
المبحث الثاني: قانون المُكنَة النفسية[1] أو القوة الدافعة
تناول فيه البعث النفسي، واعتبره بأنه انتقال من حالة نفسية سالبة (القعود) إلى حالة نفسية موجبة (الفاعلية). ومعالجة هذه الحالة السلبية، يمثل نوعا من التحدي أمام قادة التغيير في واقع مهزوم ومتخلف. فلابد إذن من معرفتهم للوضعية النفسية أولا، ثم تحديد الحالة المطلوبة ثانيا، ثم مقاييس التحسن ثالثا.
- وهذا يتطلب ثلاثة أمور:
أولا: الإيمان بالفكرة بأنها مشروع يمثل الخلاص الفردي والخلاص الجماعي.
ثانيا: الاعتزاز بالفكرة بأنها مشروع يستحق التضحية من أجله.
ثالثا: الأمل في الفكرة بأنها مشروع قابل للتحقيق في الواقع مستقبلا من خلال الدلائل الدينية، والشواهد التاريخية، والسنن الاجتماعية، والتفكير المنطقي.
- ثم أضاف أن من طرق البعث النفسي:
أولا: التركيز على الهوية التاريخية، فمن لا تاريخ له لا مستقبل له.
ثانيا: التركيز على البعد التربوي والفكري والتوعوي.
ومقابل البعث النفسي توجد الحرب النفسية لبعث الهزيمة واليأس بالاعتماد على الدعاية والإعلام لكسر المطالب الثلاثة، وللتأثير على الرأي العام الذي يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
أولا: رأي عام قائد يؤثر ولا يتأثر.
ثانيا: رأي عام مثقف فيهم الصامد الثابت وفيهم المتأثر.
ثالثا: رأي عام عامّي وهو مسرح فعل الدعاية السياسية لأنه يستعمل العاطفة.
خلاصة: البعث النفسي فن إتقانه يحتاج إلى علم ودراية وتوجيه. أما المبالغة في البعث النفسي فقد يؤدي إلى مزالق خطيرة إن لم يكن موجّها من قبل مشروع حقيقي وتصور متكامل. أمثلة تاريخية عن هذه المزالق: هناك ألمانيا أنتجت النازية. وهناك الصهيونية أنتجت الشرّ المطلق. وهناك من الحركة الإسلامية ما أنتج التطرّف.
المبحث الثالث: قانون التغير الذاتي
أشار في هذا المبحث بأن التغير الذاتي هو مطابقةُ القيّم للسلوك، بمعنى آخر حضور هذه القيم عمليا في سلوك الفرد الحامل للمشروع. وبأن رحلة القيم في أي مجتمع تمر بمراحل:
الأولى: قيم جنينية، توجد في المجتمع كمسمى.
الثانية: القيم النظرية، يتم الحديث عن أهميتها.
الثالثة: مرحلة تحول القيم إلى مبادئ في حياة الأفراد والجماعات.
الرابعة: مرحلة القيم الإجرائية التي تتحول إلى السلوك العملي.
الخامسة: مرحلة صيانة القيم والحفاظ عليها من التهاون والاختراق.
وأضاف في هذا السياق بأن الأمم لا تتفاوت في القيم الجنينية أو الحضور الإسمي، وإنما تتفاوت في التحول عبر المراحل الباقية ثم المحافظة عليها. وأخطر الحالات بقاء الأمة عند مرحلة القيم الجنينية لا تغادرها مكتفية بها في الفعل التاريخي. وبأن رحلة التغيير الذي يطال الأفكار العميقة ويلامسها هو ما يمكن أن يغير السلوك من التخلف إلى التقدم.
- هناك مراحل تصرف المجتمعات في لحظة الحاجة إلى التيار:
أولا: مرحلة الإنكار، يتم التركيز فيها على اتهام النفس بعدم التطبيق وسوء التطبيق بدل التركيز على مساءلة الأفكار والمناهج.
ثانيا: مرحلة المقاومة، تواجه فيها قوى التغيير والإصلاح طوفانا ضخما من الأذى.
ثالثا: مرحلة الاكتشاف، يتم فيها توالي خيبات الواقع الكلي وتساقط أفكاره وإقبال جموع الناس على الفكرة الجديدة على سبيل الاكتشاف والتأكد من صحتها.
رابعا: مرحلة التبني والالتزام، يتم فيها نجاح الأفكار الجديدة واكتسابها لجمهور واسع.
ثم هناك الأسس الثلاثة لعملية التغيير في رحلة إعادة التشكل، وهي:
أولا: أساس تعلُّم التّعلّم، بإعادة دور العقل الغائب بعدما أقنعت قوى التخلف المجتمع بعدم صلاحيه آلة العقل وجدواها.
ثانيا: أساس كسر الأماني والعادات، بالانفكاك منها، فمن الإهمال إلى قيمة العمل، ومن الفراغ إلى قيمة الوقت، ومن إهانة الإنسان إلى كرامته وحريته.
ثالثا: أساس التغير السلوكي، وهو الغاية العظمى التي تفعل في الواقع، والنجاح الكبير في هذه العملية. وهذا يعني أن الطريق نحو النهضة قد فُتح والباقي مسألة وقت فقط.
المبحث الرابع: قانون اختيار الشرائح
- مفهوم الشريحة تستخدم هنا كدور ووظيفة يقوم به شخص أو جماعة من الأشخاص. والشرائح ثلاثة أنواع:
أولا: شريحة البدء (التأسيس)، وهي التي تطلق الفكرة وتدفع بها كبديل.
ثانيا: شريحة التغيير (الطليعة)، وهي التي تمتلك السلطة والقرار.
ثالثا: شريحة البناء (السواد الأعظم أو الحاضنة الاجتماعية)، وهي تعني المجتمع بمختلف مكوناته وتوجهاته وأفكاره وطوائفه.
فمثلا إذا أخذنا نموذجا من حياة رسول الله صلى وسلم، نجد أن شريحة البدء تتمثل في رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابتِه، وشريحةَ التغيير تتمثل في المهاجرين ومن التحق بهم من الأنصار، وشريحة البناء بقية سكان المدينة في عقد اجتماعي مثّلته وثيقة المدينة. وتجدر الإشارة إلى أن فقدان الشريحة الأولى يعني الغياب الكامل للمشروع، والثانية عدم امتلاك المشروع للأداة التنفيذية، والثالثة عدم وجود لا استقرار ولا بناء.
المبحث الخامس: قانون الخصوبة
من الأفكار الواردة تحت هذا القانون أن الإنسان النوعي هو الإنسان الفاعل، وهو المرتكز لأي نهضة. ولذلك يؤكد الكاتب على أن إعداد الكادر البشري يحتاج إلى وجود إرادة، وإلى مشروع محكم متقدم لإقامة عملية تعليمية نافعة. ويؤكد أيضا إلى أن معضلة الكم والكيف تتجلى في غلبة الكم للكيف. وقد أعطى مثالا من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان له رؤية ودقة في اختيار العناصر وحسن توظيفها، سواء كانوا من النخبة النوعية أو من غيرها. واستهدافه لأفراد بعينهم، وكانتدابه من يتعلم لغات أمم أخرى، وحرصه صلى الله عليه وسلم على تعليم أبناء المسلمين. فلم تتعطل طاقة، ولم تتوقف عملية سدِّ الاحتياجات، ولم تختفِ النظرةُ الباعثة على الأمل.
إن الإعداد في هذا العصر دقيق ومنظم في مجال إعداد الكوادر لسدِّ الاحتياجات أو التخطيط للمشاريع، وإن المجتمعات الحريصة على الكم بدل الكيف وتُكدس الطاقات بدل تفعيلها تخسر مواردها وحاضرها ومستقبلها. وإن التربية الفاعلة قوامها تحرير الانسان وإطلاق ممكناته وتنمية ملكاته. وإن إنسان النهضة هو إنسان الفاعلية الحضارية، من مواصفاته أنه مفكر وعامل وجريء ومنتج ورباني.
وفي هذا السياق ينبه الكاتب إلى أن هناك مفاهيم ضارة يمكن إجمالها في ما يلي: تبرير الفشل، تكرار السير في الطرق المسدودة، التربية لتقليص الممكنات، الوصفة الواحدة بدل تعدّدها، القاعدة الصلبة والطليعة المؤمنة وحلم البدء من الصفر، ثم أخيرا تربية الكمون والعالم الموازي.
المبحث السادس: قانون المؤشرات الحساسة
يشير الكاتب تحت هذا القانون إلى أمور مهمة منها:
أن المطالب الأربعة لمعادلة التخطيط تقوم على إمكانية،
أولا: حساب الوقت، وثانيا: التكلفة، وثالثا: المواصفات، ورابعا: درجة التحكم في ذلك. ويشير أيضا إلى أن التغذية الراجعة والتعديل المستمر سمة المنظمات الحية وعلامة الوعي.
أن القيادات التي لا تعرف مجال الصراع الذي تأخذه مصيرُها الهزيمة.
أن كل نظام يصطدم بالواقع ويفشل في تحقيق أهدافه فهو يحتاج الى المراجعات. والتي لها مستويات متعددة، فهي إما تطال التنفيذ، وإما التنظيم، وإما الاستراتيجية، وإما النظرية برمتها. فبقدر حجم الفشل يكون عمق المراجعة.
أن لغة الأرقام ضرورية في اتخاذ القرارات، وأن القيادات التي لها الأمية في التقنية تعيش على هامش العصر أو خارجه.
المبحث السابع: قانون التدافع
في هذا المبحث انطلق الكاتب من قوله تعالى: [ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض]. ثم قام بتعريف كلمة التدافع، فقال بأن الدفع: التنحية والإزالة بالقوة إما بقوة الحجة أو بقوة السِّنان. بعد ذلك توقف عند بعض الأمور منها:
أن الخير والشر في تدافع أزلي لا يتوقف، سواء في السلم أو في الحرب.
- أن متطلبات النظام المؤسسي الثلاثة، وهي:
أولا: الوجود: وهو مطلب يرتبط بتحقيق النظام لأهدافه فبدونها يبقى في حكم العدم.
ثانيا: الاستقرار: وهو مطلب دائم ومستمر، فاعليته تأتي من قيام كل جزء فيه بدوره ووظيفته.
ثالثا: النماء (التنمية): وهو مطلب الإيفاء بمتطلبات النهضة.
- أن هناك أنواع من التدافع البشري، وهي:
أولا تدافع الصفري: (رابح /خاسر)، مثال: استسلام اليابان وألمانيا من دون قيد أو شرط في الحرب العالمية الثانية.
ثانيا: التدافع التنافسي: (رابح /رابح) مثال: تسوية إشكالية النظام العنصري في جنوب إفريقيا.
ثالثا: التدافع العدمي: (الأرض المحروقة)، مثال: خيار النظام السوري في صراعه مع الثوار، النتيجة هي: الدولة مقسمة، والموارد معدومة، والعمران خراب.
أن هناك في مجال التدافع أسئلة مهمة يجب أن تُستوعب من قبل القيادات، وهي: هل الصراع صفري أم تنافسي؟ ما موضوع الصراع؟ ما مكانه؟ ما أدواته؟ كم تكلفته؟ ما مداه الزمني؟ ما مستلزماته؟
أن هناك ثلاثة مجالات كبرى للتدافع، وهي:
- مجال الأفكار: يتصارع فيه، المحتوى والذكاء والمنطق وتتقابل عقليات القيادات وخبراتها.
- مجال التنظيم: يتصارع فيه تركيب المنظمات ودرجة تعقيدها ودرجة الإحكام والترابط في بنيتها.
- مجال الأشياء: يتصارع فيه، القدرة على توظيف الموارد والطاقات والكفاءات في هذا التدافع.
أن القوة هي قدرةُ طرف على فرض إرادته على الآخر. وأدواتها ثلاث هي:
أولا: قوة الإقناع: وتتضمن الفكرة ومنطقها، الدبلوماسية وقوتها، الإعلام وتأثيره.
ثانيا: قوة المال: وتتضمن الاقتصاد وفرض العقوبات.
ثالثا: القوة الصلبة: وتتضمن العلوم والمعارف والمصانع والسلاح والعدد والعتاد.
أن القيادة هي فن استخدام هذه الأدوات لبلوغ الأهداف. وأن القيادة الناجحة تتحقق متطلباتها بوجود رؤية واضحة للهدف، وللطريق إليه، والتزاما عاليا بالنتيجة، ومهارات التحصيل التي تتجلى في: الشرعية، وتوحيد الجهود، وتوفير الدعم، والموارد، وتوفير مناطق الأمان، والمعلومات، والانضباط. وبدونها لا تتحقق متطلبات القيادة الناجحة.
أن الأشكال السبعة للفعل التدافعي على مستوى الدول والتي ينبغي للقائد الذي يتصدى للفعل النهضوي أن يتمكن منها ومن معرفتها هي: الحروب، الانقلابات، الثورات، العمل السياسي والنضال الدستوري، التفاوض، حركات اللاعنف، الإرهاب.
أن للتغيير مساران جوهريان هما:
أولا: طريق التراكم: بأن تتراكم نجاحاتٌ على خط زمني طويل، ثم تشتعل في لحظة تاريخية حاسمة، وتظهر معالمها في المجتمع حيوية ومعرفة وازدهارا ماديا. ومثاله: على ذلك النهضة الإسلامية في عصر الرشيد والمأمون، النهضة الأوروبية ابتداء من القرن العاشر الميلادي. ومن مواصفات هذا المسار أنه لا يخضع لتخطيط مركزي.
ثانيا: طريق الاحتشاد: وهو أسلوب عصري حديث بوسائله التقنية وتطوراته الاجتماعية المتسارعة. ومن مواصفاته أنه يخضع لتخطيط مركزي من قبل الدولة. ومثاله: الصين، الهند، اليابان، سنغافورة وماليزيا.
المبحث الثامن: قانون الفرصة
يعرف الكاتب الفرصة في هذا المبحث على أنها ظرف مواتٍ للتنفيذ، تبدو فيه عوامل النجاح متوفرة، ولحظة العمل المنتج قائمة. ثم يضيف إلى أن اقتناص الفرص يلزمه أمور، وهي: معرفة الوجهة، معرفة الظرف الملائم، إعداد العدة، الانتظار، اقتناص الفرصة والتقدم. وأن الفرص نوعان:
الفرصة الجزئية: تسمح بالتقدم نحو مواقع أفضل وحيازة قدرات أكبر.
الفرصة الكلية: تسمح بتحقيق نتائج حاسمة في مسار تاريخ تكوين الأمم.
والمثال من السيرة النبوية هو في بيعة العقبة الصغرى ثم الكبرى، وهما بمثابة فرص جزئية، بينما في غزوة بدر الكبرى والخندق فرص كلية. منها ما أثبت المشروع، ومنها ما حافظ على استمراره وتوسعه وتكامله “اليوم نغزوهم ولا يغزوننا”.
وفي هذا السياق يؤكد الكاتب على أمر هام يتمثل في الجاهزية، وهي مرتبطة بشيء من خارجها. فهي لا تحدث في فراغ، بل تَجري وفي الذهن سيناريوهات الأكثر احتمالا. ودراستها بالنسبة للقادة مهم جدا، وقد أجملها في أربع، وهي:
سيناريو الوضع القائم ومعطياته، سيناريو الانقلاب الجذري في المعطيات واحتمالاته، سيناريو التحسن المتدرِّج، وسيناريو التدهور المتدرج. ويؤكد أيضا على أن إعداد هذه السيناريوهات جزء أصيل من فعل القيادة التي تقوم بالمهام الآتية: الوصف العام للسيناريو المتوقع، تحديد الأطراف الفاعلة فيه، الشروط الابتدائية لعمله، توقيت تفعيل السيناريو، المدى الزمني للسيناريو، ومن ذلك تتحدد طريقة التدخل والتأثير والاستفادة من السيناريو.
يعتبر الكاتب في هذا الصدد بأن “الاستماع إلى اللحظة التاريخية”، بتعبير عماد الدين خليل، أي السرعة في اقتناص الفرص هو جوهر الاستراتيجية. وحتى تُحسن القيادة هذه العملية، لا بد من العمل بثلاث عقليات: عقلية المفكر في مجال التحليل والتدقيق، عقلية الطبيب في التشخيص ووصف الداء والدواء. وعقلية التاجر الذي يبادر لاقتناص الفرصة. دون أن ننسى “اعقلها وتوكل”، أي اتخاذ الأسباب ثم التوكل على ربّ الأسباب.
المبحث التاسع: قانون التداول
يعتبر الكاتب أن التداول قانونٌ يسري على الجميع، فكما يحدث بين الحضارات المختلفة يحدث كذلك بين أجزاء الحضارة الواحدة. تنطلق دول وتنهض ثم تخبو. وذلك كله تحت سقف حضارة واحدة. ثم إن هذا القانون يبعث الأمل بأن قطار الحضارة يمر على كل الأمم بدون استثناء. والجاهزة منها هي التي تستطيع الركوب. وهذا القانون خاضع لشروط العصر فمن لم يدخل إلى العصر بشروطه ووفق قوانينه بقي خارجه.
المبحث العاشر: قانون الدعائم السبعة
هذه الدعائم السبعة هي: الروح، الفكرة الناظمة، العلم الغزير، القوة والاستعداد، القيم المطبقة، المال والاقتصاد، وأسُس نُظم العمران.
الخاتمة
إن طريق النهضة أساسه ثلاثة أمور:
الأمل في وجه اليأس.
العمل في وجه قلة التأثير.
الإيمان بوجود إله متحكم في الصورة الكبرى.
[1] – الْقُدْرَة والاستطاعة وَالْقُوَّة والشدة. المكنة: التَّمَكُّن والمكانة تَقول الْعَرَب إِن ابْن فلَان لذُو مكنة من النَّاس ذُو مكانة عِنْدهم، المعجم الوسيط.