تربية الرجال (الأمناء الأقوياء)
بقلم: بشرى بوطيب
تمهيد
قال لي صاحبي: ما الذي ينقص مسلمي الأمة رجالا ونساء حتى يستيقظوا من سنوات الموات والسبات لينهضوا بهذا الدين؟ أجبته على رسلك يا صاح. إن واقع الفتنة الموبوء بالاستبداد الجبري، وتحول المسلمين من القابضين على جمرة دينهم إلى غثاء لاهت متهافت على الدنيا أوهن عماد الأمة فرادى وجماعات. وهن في العدد والعتاد زادته جاهلية العصر تفقيرا في مكارم الأخلاق، وانصياع الفطرة لغير الله عز وجل وموعوده الاستخلافي في الأرض. إن منطلق الرجعة المباركة لهذا الدين الخالد كما خط منهاجه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التربية ” قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني”[1].
روح القرآن والنبوة
ترعرع الرجال من جيل الصحابة والصحابيات على وقع آي القرآن يتنزل غضا طريا مباشرة على القلوب، ثم في كنف معية النبوة حالا ومقالا. لم يكونوا في منأى عن مخالب جاهلية الشرك والكفر والنفاق ودسائس اليهود ومكرهم، لكنهم نجحوا في استئصال شوكة العبودية لغير الله في كل مجالاتها الحيوية. وفي جاهلية الفتن العارمة التي يموج فيها المسلمون في بقاع أمة الإسلام لا مناص للرجال من أن يعتبروا بعبر القرآن، ورجال القرآن الأوائل وحملته العالمين العاملين به كيف غيرت فيهم تربية الوحي المنزل وصدق الاتباع لجناب النبوة الشريفة ذلكم الإنسان اللصيق بمتع الحياة وأوثانها.
إن قطب تربية الطليعة الذهبية في عصر النبوة والتي خرجت المهاجرين والأنصار هو صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وتغلغل حب الآخرة في النفوس، وطلب وجه المولى عز وجل.
نقرأ في أعالي التاريخ كيف ذاب عيش الدنيا في عشق مقامات الآخرة، فكونتا عروة وثقى لا انفصام لها. بل نقول تحققت شروط تلك التربية الصافية بصدق الاتباع النبوي في السلوك لله والجهاد في سبيل الدعوة المحمدية معا في خط مستقيم. تربية تدين بالولاء الكلي لله عز وجل حبا وتنفيذا.
إن الطليعة المجاهدة التي تلقت التربية الإيمانية الإحسانية بنية التنفيذ وبروح الجهاد في سبيل الله هي الجماعة الأولى كما يسميها الإمام رحمه الله، التي سرت فيها روح القرآن، وتآلفت قلوبها بفضل الله ورحمته. يتساءل رحمه الله كيف تقوض البناء؟ أهي من سنن الله عز وجل أم انكسارات التاريخ وتقويض استكباري أبعد الناس عن روح القرآن ومنهاج النبوة؟
التربية الصحية
يسمي الإمام المجدد رحمه الله بيئة عصر النبوة “بيئة العافية”، فلذلك تجده في مكتوباته يدعو إلى العودة إلى تلك التربية الصحية التي غيرت الإنسان المشرك الجاهلي اعتقادا وسلوكا ومعاملة إلى جندي مجاهد يفتدي الله ورسوله بالنفس والمال والولد، أناس باعوا دنياهم بآخرتهم واشتروا ما عند الله بل اشتاقوا له في دنياهم وهم يعسفون فتن الحياة ولذائذها.
يتحسس المسلم المؤمن إسلامه حتى لا تخالطه الأعرابية. هي الغالبة اليوم في كل ربوع العالم الإسلامي لأن الإيمان لم يتجدد بعد، ولم يخلص لله وحده. لايزال تطبيع فتن الجاهلية المستكبرة يخالط إسلام المسلمين ويكاد يذهب بإيمانهم، لذا فلابد من سلوك درب التربية وشروطها ليتجدد وعاء القلب، فيحتضن الوحي علما وعملا ليستكمل مشوار الإيمان.
كثيرا ما حث الإمام المجدد رحمه الله على التربية أولا، ووسطا، ودائما بتعبيره رحمه الله، مجاهدة مقتحمة لعقبة النفس، لكن أبلغ منها مجاهدة مع المعية الصابرة المؤمنة من المؤمنين والمؤمنات. تلك المجاهدة زيادة في رصيد العبد المقبل على ربه لا تقبل نقصانا أو تكاسلا.
وعلى غرار العصبة الأولى دعا رحمه الله إلى التأسي بهم، وبصحبتهم ومعيتهم للنبوة، وذلتهم ورحمتهم لبعضهم البعض. يقول رحمه الله: ” فلا غرو إن جعلنا الصحبة والجماعة أولى الخصال فقد أتبع الله عز وجل في الآية[2] بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بذكر المعية له فهي أولى صفات المؤمنين، في ذلك الزمان وفي هذا وفي سائر الأزمنة”[3].
إن التربية التي يرتضيها الإمام رحمه الله للجماعة المؤمنة هي تربية متوازنة لا خلل فيها وأي خلل يعتري شروطها فهو فشل في جهاد التغيير للإنسان والأمة. تربية القوة في الرجال تنبني على ” عمق إيمان ومتانة خلق وقدرة على الإنجاز”[4].
للتربية الإيمانية شروط ثلاثة عليها ” يتوقف ميلاد المسلم إلى عالم الإيمان، ثم نشوءه فيه وتمكنه ورجولته، ولا جهاد بلا تربية”[5]. الصحبة والجماعة والذكر والصدق. هي دعامات ثلاث يتأسس عليها إيمان من يسلك درب الجهاد من كل أبوابه. يجدها المسلم التائب المؤمن المهاجر لربه في صحبة المؤمنين والانخراط في العمل الجماعي معهم محبة ومرحمة وسلوكا جهاديا.
وفي خصلة الذكر تتألف القلوب فتنزع عنها ثوب الغفلة الجاهلي. فأعلاها الإكثار من لا إله إلا الله “وقلبها القرآن تلاوة ومحبة وعملا”[6]. يعتبر الإمام رحمه الله الإقبال على الذكر ضمن الصحبة الصالحة والجماعة الصالحة هو ” نور تستمد منه القلوب بعضها من بعض. فتلك هي الطاقة الإيمانية، الجذوة الأولى التي تحرك القلوب والعقول لتلقي القرآن بنية التنفيذ. النبع لا إله إلا الله والفيض نورها”[7]. فالذكر لصيق بالرجال المجاهدين لفظا وعملا في الميدان، كما أن الغفلة عن الله والغياب عن العمل مع الجماعة المؤمنة تلصق المسلم بالأرض وأماني الدنيا فتذره مع ومن القاعدين.
يعرف الإمام رحمه الله ثالث شروط التربية لرجال التغيير ” الصدق” بأنه” استعداد الوارد ليتحلى بشعب الإيمان، ويندمج في الجماعة ويكون له من قوة الإرادة وطول النفس ما يمكنه من إنجاز المهمات”[8]. أو بعبارة أخرى المرء وما يحوزه “من غناء في ميادين الجهاد”[9]. بمعنى أن يكون على شاكلة من آمن واتبع وهاجر ونصر زمن النبوة العصماء. إن الصدق هو معيار التمحيص والتمييز بين قوة وثبات المجاهد، ومن يلوذ بالقعود والتخلف عن ركب معية الصادقين.
الربيون الأمناء الأقوياء.
نادى الشيطان الملعون في المسلمين يوم أحد أن محمدا قد قتل، ليحرك مكامن الهزيمة النفسية في المسلمين، ويحاول أن يفت في عضد الكتيبة الخضراء حول النبوة. لكن سنة الله في البلاء والتمحيص تأبى إلا أن تميز الخبيث من الطيب وتظهر معدن الرجال، ومن ثبتوا في جبل الرماة، ومن نافح واستشهد. ففي قلب هزيمة أحد منحة الاعتبار للمجاهدين والأمة في سائر الأزمنة.
سنة الله في تمحيص أمة رسوله صلوات ربي عليه وعلى آله وصحبه منحت أجيال المسلمين التعرف عيانا على أنموذج الكتيبة الخضراء المؤمنة. انبعثت من بين ركام الاستبداد العربي وحصار الاستكبار وروح الجاهلية الصهيونية للإسلام والمسلمين. الكتيبة الغزاوية قامت لما نادت روح جاهلية الاستكبار أن أمة الإسلام ماتت قوة رجالها. أعدت الكتيبة ما استطاعت من قوة وعدة بالتربية القرآنية الإيمانية والجهادية، وبالحكمة السياسية متنورين بنور منهاج سيدنا رسول الله صلوات ربي عليه. هم على ثغر جهادي كبير. لكن الثغور الأخرى لاتزال مفتوحة لسرطان قوى الاستكبار تتسلل إلى خلايا جسم الامة الواحد لتفتك به.
أي تربية ترجى في ظل غلس الفتنة التي اقتحمت واخترقت المسلم من داخل مخدع بيته؟
التربية التي ينشدها الإمام رحمه الله هي سلوك معراج المنهاج النبوي بشعب إيمانه وخصاله العشر. حتى يأتي المؤمن الأمين القوي بكليات التربية وكليات الجهاد. تربية شاملة تزكي وتعلم معاني البذل والجهاد في سبيل الله، وتخلص العمل والنية والولاء لله وحده لا شريك له. فما أكثر ولاءات الإنسان في زمان الجبر. لذلك فالتربية ضربة لازب لتجرد القلب من النفاق والشقاق وسوء الأخلاق. تفتح الأبواب الموصدة في حب الآخرة وطلبها، مثلما امتحن التأديب النبوي وصحبته صلى الله عليه وسلم قلوب ونيات وعمل المهاجرين والأنصار فصار همهم الأول والأخير عيش الآخرة.
[1] يوسف 108
[2] يقصد الإمام رحمه الله كما ذكر في كتابه المنهاج ص126 قوله عز وجل في سورة الفتح (29): ” محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم”.
[3] المنهاج النبوي ص 126
[4][4] نفسه ص59
[5] نفسه
[6] نفسه ص60
[7] نفسه
[8] نفسه ص61
[9] المنهاج النبوي ص61