خَرِقٌ أَحْرقَ فَحُرِقَ
بقلم: الأستاذ عثمان غفاري
أولا: خَرِقٌ أَحْرقَ فَحُرِقَ.
الخَرِقُ هو المتطرف المتشدد “راسموس بالودان” الذي قام بإحراق نسخة من المصحف الشريف أمام السفارة التركية في “ستوكهولم” يوم السبت 21 يناير سنة 2023، خَرِقٌ لأنه أَحْمَقٌ لم يُحسِن القول ولا العمل، وجاهل جهول دَهِشَ وَتَحَيَّرَ، فتجاوز المألوف وسعى لتقويض وإبطال الحق المعروف، فخرَق وهتك حُرْمة الشعائر ونقض كل القوانين والشرائع، خَرِقٌ لأنه إمعة استُعمل كمخلب القط من أعداء الأمة ليصيب ما يريدون فما أصاب إلا نفسه وداعميه، وهم يختارون بعناية من فيه ضعف في شخصيته أو عقله مثل إنسان مهووس بحب الشهرة أو ضعيف العقل لا إرادة له يسهل قياده، أو شره بحب المال والثروة ، أو عاشق للظهور أمام شاشات الإعلام بمنطق خالف تعرف … وهكذا، خَرِقٌ لأنه غِرٌ غفل عن حقيقة أن الله سبحانه وتعالى كما تكفل بحفظ كتابه من التبديل والتحريف فلا ينقص منه شيء ولا يزيد، “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”، توعد المستهزئين به حين قال: “وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمْ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ” وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عن القاطع للقرآن الكريم: “مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبّارٍ قَصَمَهُ الله، وَمَنْ ابَتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلّهُ الله” رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه والترمذي في سننه، فليتربص كل أخرق تناسى قيم الحوار والتسامح والتعايش السلمي وانتهك حرم الله إن لم يسارع إلى توبة وأوبة، غضب الله في عاجل غير آجل فإنا معه متربصون.
ثانيا: رَخِيصٌ رَخَّصَ لخَرَّاصٍ.
الرخيص نصرانية أصولية صهيونية متطرفة في عدائها للإسلام، الرخيص يمين عنصري متطرف حقده دفين وعداؤه للإسلام مقيم، سعى لهدمه عن طريق سلطان الحجة وسلطان القوة ففشل في الأمرين معا، فشن حملات متعددة الأشكال والمظاهر، فمن الحرب على الحجاب وسن القوانين التي تضيق على حرية المسلمة في طاعة ربها وستر نفسها، إلى التضييق على بناء المساجد، فسب الرسول صلى الله عليه وسلم والنيل منه، ثم جاء استهداف القرآن الكريم!!!
وهذا كله دليل على إفلاس الغرب في ميدان الحجة، وانبهارهم بهذا المد الإسلامي الهائل الذي أفقدهم توازنهم فهم لا يجدون حيلة في دفعه ولا وسيلة في الحد منه ووقف امتداده، ومن مظاهر هذا المد الذي أبهرهم نجد انكباب الشباب الغربي على حفظ القرآن الكريم وتحفيظه فلله الشكر والمنة.
الرخيص الذي استعمر بلاد المسلمين وبطش بالعلماء الصالحين، ودعم ومكن لوكلائه المستبدين، وعاث في الأرض فسادا، واخترع مصطلحا مطاطا فضفاضا الإرهاب ليجعله مطية لمحاصرة المسلمين المسالمين، ومعاقبتهم عقابا جماعيا بذنب لم يقترفوه وجرم لا ناقة لهم فيه ولا جمل، رخص للخراصين الموتورين المتعصبين في السخرية من عقائد المسلمين والتطاول على مقدساتهم بدعوى حرية التعبير!! وأطلقوا العنان للإسلاموفوبيا بدعوى أن أزمات الغرب الأخلاقية والاقتصادية والسياسية حلها شن حروب صليبية على الإسلام والمسلمين!! ولكن مشيئة الله غالبة “وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ“
ثالثا: حُرْقَةٌ لا خِرْقَةٌ.
النكاية في المسلمين بتشويه معتقداتهم وسب مقدساتهم يقصد منها استدراج المسلمين للوقوع في الخطأ عن طريق حماسة بعض المسلمين ممن يغارون على دينهم ونبيهم وكتابهم فيقومون ببعض الأعمال الطائشة، أو يقصد منها صرف الأمة عن علاج أصل الداء الذي جعل منا قصعة تداعى عليها الأكلة من كل حدب وصوب، ألا وهو انتقاض أولى عرى الإسلام بذهاب العدل والشورى والإحسان، وتولي الأمر من قبل الأغيلمة والخونة والصبيان!!
ومن تم يأتي دور آلة الإعلام الجبارة التي يمتلكها هؤلاء الحاقدون فيسلطون الأنظار على ردود الأفعال متناسين تماما الأفعال المشينة والمسيئة التي أدت إلى ردود الأفعال، ويهولون من شأن بيانات الشجب والتنديد، وتدابير العجز والعار
التي تصدر عن هذا الحاكم أو ذاك ليبيضوا وجوه أنظمة العض والجبر والتي لولاها لما تطاول متطاول!! ولا تجرأ متجرئ.
حرقة شعوب ومبادرات عملية تقودها همم عالية، وتحركها عزمات حانية تنشد قومات بانية، يريد البعض أن يحولها خرقة تدل على الخنوع والخضوع، قطعة ثوب ممزقة لا ترمز للفقر والخشونة كما كانت، بل ترمز للتطبيع مع كل ظلم وعدوان، خرقة لا يُلبسها الشيخ لمريده علامة على التفويض والتسليم، ولكن خرقة تلبسها الحكومات للشعوب علامة على الطاعة العمياء والشيطنة الخرساء، خرقة غير شريفة ولعبة غير نزيهة مكشوفة تماما لكل ذي بصر وبصيرة، ولا نحتاج إلى عناء في فهم أبعادها ومراميها، وليس هذا التصرف من واجب النصرة بالحجة والمحجة، بل من شرف الخصومة أن يترك الحكام إن عجزوا المبادرات للشعوب لنصرة الدين والذود عنه بنفس حجة الغرب، حجة حرية التعبير عن الرأي التي ينادون بها وهم أبعد الناس عنها قلبا وقالبا، فدعاواهم في المشرق وأفعالهم في المغرب، شاهدة على ذلك، ويقولون بألسنتهم ما لا يفعلون بجوارحهم .
رابعا: إبطال الموجود وإيجاد المفقود
لقد قرر الأخرق الأحمق الإحراق، ورخص له الرخيص الخراص، ففعلوا ما قرروه وعزموا عليه، فماذا قررنا نحن؟ هل نقف مكتوفي اليد مشلولي الجوارح ونحن نُطعن في أغلى ما نملك وهو مقدساتنا؟ أم يكون لنا دور يدل على غيرتنا الإيمانية تجاه من يحاربون ديننا ويعتدون على حرماته؟ هل يكفي القول بأن للقرآن رب يحميه؟ أم أن نصرة الدين واجبة على كل مسلم؟
والقول الجامع المانع أن نتحرك على جميع الصعد محاولين رد الاعتبار ببيان فضائل القرآن الكريم ونفي التهم الباطلة عنه، عن طريق جهاد الحجة والتعبئة والبناء والنموذج الناجح، عن طريق التعريف بحقيقة الإسلام ودفع الشبهات لجمهور الغربيين، عن طريق إبراز العلماء إعجازه الدائم بدوام المدارس القرآنية المتنقلة عبر الأجيال، عن طريق الواجهة القانونية برفع دعاوي قضائية ضد الفاعلين والداعمين والمنظرين لهذه الجريمة النكراء، ومن خلال الخطاب الإعلامي الحكيم واللغة الرصينة على المنابر وفي الصفحات والشاشات، وكذلك عبر التدافع الميداني بتنظيم كل الفعاليات المباحة المتاحة، وأخيرا وليس آخرا عبر التوبة الجماعية للأمة بإعادة النظر في تعاملنا مع القرآن الكريم ، وصحبته عبر الحفظ والتحفيظ والتعلم والتعليم ، فأكبر إهانة للقرآن هي هجر المسلم له، سواء كان هجر تلاوة أو هجر تدبر وتفكر أو هجر عمل وتطبيق أو هجر دعوة وبلاغ، وهذا عتاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ” وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا“، والدعوة والدعاء لهؤلاء المتهكمين بالتوبة النصوح، فكم من متهكم عن القرآن الكريم ومنتقص من رسوله الرحيم صلى الله عليه وسلم قد أعلن إسلامه وصحت وتوبته.
فإن لم يكن منا الآن ذو سلطان يمكنه ردع هؤلاء الحمقى بالفعل والقول كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون، فهذا هو المتاح في عصرنا حتى يصير لنا أولياء أمور منا نستجير بهم فنجار، ونستنصر بهم فننصر.
قال تعالى: “إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ”.