ربيع الأول ……ذكرى ونفحات
ربيع الأول ......ذكرى ونفحات/ زهرة سليمان أوشن
ربيع الأول ……ذكرى ونفحات
بقلم: زهرة سليمان أوشن
في ربيع الأنور من كل عام تمر علينا ذكرى عزيزة على قلوبنا، فيها نفحات ولها تجليات، تملأ أيامنا بهجة وحبورا، وتعطرنا فرحا وسرورا.
تقبل علينا بغيثها المدرار، الذي يتنزل علينا بردا وسلاما، أنسا وجمالا، تمتد بنا إلى هناك، فنتجاوز الزمان والمكان، لتعبر بنا إلى مكة المكرمة وتحط بنا في رحابها المباركة، فإذا بنا نستنشق عذب النسيم وحلو الأثر، ونحيا مع جميل الذكريات التي وإن كانت قبل مجيئنا إلى هذه الدنيا الفانية، فلم نعش تفاصيلها ولم نمر بين دروبها، فإننا تفيأنا بظلالها وأهتدينا بأنوارها ونالنا حظ من ثمارها.
فصاحبها كان معنا كريما وبناء روؤفا رحيما فلم يتركنا إلا على المحجة البيضاء، وما سار بنا إلا على درب النور والضياء.
ومع دورة كل عام نقف مع محطات مزهرة، وربيع مميز، ونهر متدفق، نستذكر فيها حدث عظيما وبداية لانطلاقة جليلة وسيرة مشرفة مشرقة.
تلكم هي سيرة خيرالمرسلين وإمام المتقين وسيد الأولين والآخرين، المبعوث رحمة للعالمين، الهادي إلى الخيرات، صاحب المعجزات.
والذكرى ذكرى مولده الشريف، ويالها من ذكرى بهية، جليلة زكية، تطل علينا فنزدان بها ونزداد بها ألقا وإشراقا، كيف لا… ؟
وصاحبها بأبي هو وأمي قد جاء إلى الدنيا فأنارها وبدد ظلامها وأزال ركامها وسعى ليقيم على الحق بنيانها.
أزاح عن الجاهلية لثامها فأظهر مقابحا وبدل سوء معتقدها وغير سقيم عاداتها.
ولد يتميا وعاش كريما، كان صادقا أمينا، برا رحيما.
العالم قبله كان غارق في الظلمات، يقوده الطغاة، الناس في غيهم غارقون وفي ضلالهم سادرون، قد أتخذوا من دون الله أربابا، فتنكبوا هداه، وانحرفوا عن منهجه المستقيم.
وجاء هو بأبي وأمي، وبدات رحلة وأي رحلة، وكانت سيرة وأي سيرة.
سيرة تجسدت فيها القيم النبيلة والأخلاق الكريمة، وتمثلت فيها الفضائل السامية، وعبقت فيها المكارم العالية.
اصطفاه ربه خيار من خيار من خيار، انبته نباتا حسنا، رفع مقامه وأعلى شأنه، رباه وزكاه، نقاه ورقاه.
وصدق وهو الصادق المصدوق حين قال: (أدبني ربي فأحسن تأديبي).
عاش مع قومه أربعين عاما قبل بعثته الشريفة فما عرفوه إلا عذب السيرة، زكي المسيرة، طاهر الباطن والظاهر، عف اللسان، صادق الأقوال، جليل الأعمال، يشاركهم في كل خير ويعتزلهم في كل شر، اختاروا له لقبا فكان الصادق الأمين.
اجتمعوا على رأيه الحكيم ورأيه السديد، أحسن الوصل معهم في كل جميل سلكوه، وابتعد عنهم في كل قبيح انتهجوه.
تقول له زوجه الكريم خديجة بنت خويلد رضي الله عنها،عندما جاءها يرجف من غار حراء بعد أن جاءه الوحي: ( كلا. أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الدهر )
وبعد أن جاءهم بالهدى أعرضوا عنه لأن ما جاء به لم يوافق أهواءهم، فدعاهم بإحسان وتحداهم بالحجة والبرهان، فكذبوه وأذوه وحاولوا أن يوقفوا، وعن دعوته أن يصدوه، بكل شين وصفوه ومرارا سعو ليقتلوه ومن مكته أخرجوه.
لكنه كان أهلا للصبر والثبات والتضحية والبذل، فاستمر حبيبنا العظيم في تبليغ رسالته مستجيبا لقول ربه: ( يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ ) المائدة من الآية 67
كانت الرحلة شاقة والطريق طويل، لكن ربه زوده باليقين والصبر الجميل، غمره بالسكينة والطمأنينة، وزكاه وسدد خطاه بكتابه المبين، تقلب في محطات كثيرة، خاض غزوات، ومر بصعوبات وواجه تحديات، وفي كل تلك المحطات كان يقدم الانموذج الرفيع والمثل السامي، الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة.
أعداؤه قبل أصحابه شهدوا له بالرفعة والعلو، وما قدروا أن يقولوا عنه إلا انه صاحب الخلق السني، أقوالهم وردود أفعالهم وجولة في مقولاتهم تظهر لك جميل وصفهم له وروعة بيانهم فيه وجمال حديثهم عنه.
وحق لهم ذلك وحبيبنا نور على نور على نور
وصدق سيدنا حسان ابن ثابت رضي الله عنه حين قال فيه:
وأحسن منك لم تر قط عيني
وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرأ من كل عيب
كأنك قد خلقت كما تشأ
وفي مولده فرصة لنتأمل سيرته ونتعرف على أوصافه ونحيأ مع شمائله، وندرس جوانب من حسن قيادته، ونتعلم من حكمته ونرصد جوانب من عظمته.
واليوم في زمن الفرقة والشتات ومحاولة النيل من القدوات، اليوم ونحن نعيش حاضرا مؤلما، نمر بأحداث جسام، تعصف بنا فيه أحوال صعبة،وأهوال عظيمة.
اليوم وقد تشتت شمل الأمة وغزتها ثقافات كثيرة، وتمددت بين رباها أفكارمتنوعة بعضها يدعو للتفريط والانفلات، وأخرى ترفع رأية الغلو والتشدد.
وبين هذا وذاك ضاعت هوية الأمة وهوت أركانها وتصدع بنيانها وتمزقت وحدتها، وتكالب عليها الأعداء وأصابها الهوان، فصارت في أغلبها في حال يحزن الصديق ويفرح العدو.
ولا مخرج لها إلا بعود حميد إلى كتاب مجيد وسنة حميدة وسيرة عطرة.
ولا شك أن هذه الذكرى فرصة طيبة ومنحة سنية لنعيش في ظلال صاحب رسالة الإسلام السمحة وأنوارها الساطعة جبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم.
يقول سيدنا حسان رضي الله عنه في صاحب هذه الذكرى العطرة
لما رأيت أنواره سطعت
وضعت من خيفتي كفي على بصري
خوفا على بصري من حسن صورته
فلست أنظره إلا على قدري
روح من النور في جسم من القمر
كحلية نسجت من الأنجم الزهر
ولعلي هنا أقف وقفات حول ذكرى مولد سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم
- الغرض من الاحتفال بهذه الذكرى ليس مجرد الاحتفال بل هي ذكرى وتذكير، فيها مواعظ وعبر، دروس وحكم، وقفات وتأملات، لذا علينا أن نستفيد منها ونحقق أهدافها ونقيم أحوالنا من خلالها لنقوم أنفسنا ونصنع تغيراعميقا فيها يحقق سلوكا قويما وعملا رفيعا.
إننا من خلال هذا الاحتفاء بصاحب السيرة العصماء نحاول أن نقترب منه أكثر ونقرب الناس إليه بالتعريف بشخصيته وذكر فضائله وتسليط الضوء على شمائله، ونحن مع كل جولة نستحضر أننا نحن المحتاجون لهذا التكريم والاحتفاء وهذه الوقفات التأملية في سيرته وأننا نحن من نعلو بذكره ونرفع أنفسنا بالحديث عنه والتغني بمناقبه، أما هو فيكفيه تزكية ربه له حين قال عنه: ( وإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ) القلم 4
وحين قال لنا عنه: (لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ) التوبة 128
- أننا جميعا علينا أن نتعرف ونعرف بهذا النبي الكريم وننشر مناقبه في العالمين.
- من واجبنا تجاه هذا الحبيب أن نكثر من ذكره والصلاة عليه، ونجعل من هذه الذكرى الكريمة فرصة للتذكير بأهمية الصلاة والثناءعليه صلوات ربي وسلامه عليه.
- لنحقق مزيدا من النفع بهذه لذكرى فلتكن هناك دروسا ومحاضرات وبرامج مسموعة ومرئية حول سيرته وحياته، صفاته وأوصافه، مناقبه وأخلاقه، وأيضا يمكننا استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر جوانب من سيرته ومواقفه، مع إرشاد الناس للكتب التي تناولت سيرته صلى الله عليه وسلم.
- من المهم أن نهتم بتربية أبنائنا على حب وتوقير رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون ذلك من خلال القدوة العملية التي يراها الأبناء في والديهم ومن يتولى رعايتهم، وأيضا من خلال عقد مجالس حول سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وتفعيل هديه وسمته في بيوتنا والتذكير بأخلاقه والحرص على إحضار الكتب التي تتحدث عنه للبيت واهداؤها لأبنائنا وحثهم على قراءتها، كل ذلك يتم وفق منهجية محددة الأهداف واضحة الخطوات، تنطلق من الرفق وحسن التعامل وزرع حب المصطفى صلى الله عليه وسلم بالقدوة وجميل الأسلوب، مع الاستفادة من هذه ذكرى، ذكرى ربيع الأول لخلق أجواء أفضل لتقريب أبناءنا من السيرة وصاحبها العظيم صلى الله عليه وسلم.
- وضع السيرة النبوية في المقررات المدرسية والجامعية في مراحلها وتخصصاتها المختلفة، وفقا لمنهجية علمية وموضوعية وتدريسها بأساليب متطورة وعبر مراجع دقيقة مع التركيز على الجوانب العملية في فهمها واستيعابها ومن تم تطبيقها في حياتنا.
- البعد عن المظاهر السيئة في الاحتفال بهذه الذكرى العطرة، والتي تسربت إلى بعض البلدان الإسلامية مثل استخدام الألعاب النارية والمفرقعات لما تسببه من أضرار على الصحة والبيئة مع ما فيها من تشويه لهذه الذكرى العظيمة.
واختم بأبيات للمفكروالأديب المرحوم الدكتور:عمرو النامي:
رسول الله لست بذي بيان
فليس لما أكابده عناء
جلالك معجز وأنا عيي
وإن حاولت يصرفني الحياء
أحوم حول ذاك النور
جهدي فيبهرني بروعته الضياء