أحكام الغسل
سهام مهدي
الطَّهَارَةُ قِسْمَانِ: صُغْرَى وَكُبْرَى، وَالْحَدَثُ أَيْضاً قِسْمَانِ: أَصْغَرُ وَأَكْبَرُ، فالطَّهَارَةِ الصُّغْرَى يُوجِبُهَا الْحَدَثُ الْأَصغر، و الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى يُوجِبُهَا الْحَدَثُ الْأكْبَرُ، وَهِيَ الْغُسْلُ.
فَمَا هُوَ الْغُسْلُ؟ وَمَا فُرُوضُهُ وَسُنَنُهُ وَمندوباته وموجباته وموانعه.؟
قال الْإِمَامُ ابْنُ عَاشِرٍ رَحِمَهُ اللهُ
فَصْلٌ فُرُوضُ الغسل قَصْدٌ يُحْتَضَرْ *** فَوْرٌ عُمُومُ الدَّلْكِ تَخْلِيلُ الشَّعَرْ
فَتَابِعِ الْخَفِيَّ مِثْلَ الرُّكْبَتَيْنْ *** وَالِابْطِ وَالرُّفْغِ وَبَيْنَ الَالْيَتَيْنْ
وَصِل لِّمَا عَسُرَ بِالمِنْدِيلِ *** وَنَحْوِهِ كَالْحَبْلِ وَالتَّوْكِيلِ
سُنَنُهُ مَضْمَضَةٌ غَسْلُ الْيَدَيْنْ *** بَدْءاً وَالاِستِنْشَاقُ ثَقْبُ الُاذْنَيْنْ
مَنْدُوبُهُ الْبَدْءُ بِغَسْلِهِ الَاذَى *** تَسْمِيَةٌ تَثْلِيثُ رَأْسِهِ كَذَا
تَقْديمُ أَعْضَاءِ الْوُضُو قِلَّةُ مَا *** بَدْءٌ بِأَعْلَى وَيَمِينٍ خُذْهُمَا
أَوَّلاً: الغسل وفرائضه
- تعريفه:
الْغَسْلُ لُغَةً بِالْفَتْحِ: اسْمٌ لِلْفِعْلِ، وَبِالضَّمِّ: اسْمٌ لِلْمَاءِ، وَالْمُرَادُ هُنَا: الْفِعْلُ.
وَاصْطِلَاحاً: إِيصَالُ الْمَاءِ لِجَمِيعِ الْجَسَدِ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ مَعَ الدَّلْكِ.
وَالْمُرَادُ: الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَنِ الْحَدَثِ الْأكْبَرِ، قَصْدَ رَفْعِهِ عَنِ الْبَدَنِ، وَاسْتِبَاحَةِ الْعِبَادَاتِ الْمَمْنُوعَةِ بِالْحَدَثِ.
- فَرَائِضُهُ
لِلْغُسْلِ أَرْبَعُ فَرَائِضَ:
- النِّيَّةُ؛ وَهِي قَصْدُ الِاغْتِسَالِ لِرَفْعِ الْجَنَابَةِ عِنْدَ الشُّرُوعِ فيهِ. وَيِنْوِي الْمُغْتَسِلُ إِنْ كَانَ الْغُسْلُ وَاجِباً مَا يَنْوِي فِي الْوُضُوءِ، إِلَّا أَنَّهُ هُنَا يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ الْأكْبَرِ مَكَانَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَمَحَلُّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ، فَلَا يُلْفَظُ بِهَا وَتَكُونُ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ؛ إِمَّا عِنْدَ إِزَالَةِ الْأَذَى إِنْ بَدَأَ بِهَا كَمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ، أَوْ عِنْدَ غَيْرِهَا مِمَّا بَدَأَ بِهِ، أَوْ عِنْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إِزَالَةِ الْأَذَى إِذَا غَسَلَهُمَا بِنِيَّةِ رَفْعِ الْجَنَابَةِ. وَإِنْ نَوَى رَفْعَ الْجَنَابَةِ عِنْدَ إِزَالَةِ الْأَذَى لَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِعَادَةِ غَسْلِ مَحَلِّ الْأَذَى؛ لِأَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ تَنْدَرِجُ فِي الْغُسْلِ لِعَدَمِ تَوَقُّفِهِ عَلَى النِّيَّةِ، بَيْنَما لَا يَنْدَرِجُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ فِي إِزَالَةِ الْأَذَى لِتَوَقُّفِهِ عَلَى النِّيَّةِ، كَمَا لَا تُجْزِئُ الْغَسْلَةُ الْوَاحِدَةُ لِغَسْلِ الْأَذَى وَغَسْلِ الْجَنَابَةِ؛ فَيَجِبُ تَقْدِيمُ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ عَلَى غَسْلِ رَفْعِ الْحَدَثِ.
وَمَنِ اِقْتَصَرَ عَلَى نِيَّةِ إِزَالَةِ الْأَذَى لَزِمَهُ إِعَادَةُ غَسْلِ مَحَلِّهِ بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهِيَ لُمْعَةٌ لَمْ تُغْسَلْ، يَلْزَمُ غَسْلُهَا بِنِيَّةِ جَدِيدَةٍ. وَهَذَا يَقْتَضِي إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ قَبْلَ طَهَارَةِ الْحَدَثِ. وَفِي الرِّسَالَةِ: « وَأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بَعْدَ أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْلِ مَا بِفَرْجِهِ أَوْ فِي جَسَدِهِ مِنَ الْأَذَى». - اَلْفَوْرُ؛ وَهُوَ: فِعْلُهُ فِي زَمَنٍ مُتَّصِلٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ.
- الدَّلْكُ؛ وَهُوَ هُنَا كَالْوُضُوءِ؛ يَتَدَلَّكُ بِيدِهِ، فَإِنْ لَمْ تَصِلْ يَدُهُ لِبَعْضِ جَسَدِهِ دَلَكَهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ حَبْلٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، أَوِ اسْتَنَابَ غَيْرَهُ مِمَّنْ تَجُوزُ لَهُ مُبَاشَرَتُهُ كَالزَّوْجَةِ، عَلَى أَيِّ مَوْضِعٍ عَجَزَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ غَيْرَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ عَلَى دَلْكِهِ أَجْنَبِيّاً، وَإِنْ تَعَذَّرَ بِكُلِّ وَجْهٍ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ بِيَدِهِ وَلَا بِخِرْقَةٍ، وَلَمْ تُمْكِنِ الِاسْتِنَابَةُ، سَقَطَ عَنْهُ. وَإِلَى هَذِهِ الِاسْتِنابَةِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: (وَصِل لِّمَا عَسُرَ بِالْمِنْدِيلِ *** وَنَحْوِهِ كَالْحَبْلِ وَالتَّوْكِيلِ).
- تَخْلِيلُ الشَّعْرِ؛ وَيَجِبُ التَّخْلِيلُ فِي الْغُسْلِ سَواءٌ كَانَ كَثِيفاً أَوْ خَفِيفاً، وَسَواءٌ كَانَ شَعْرَ اللِّحْيَةِ أَوِ الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَتَضْغَثُ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا أَيْ تَضُمُّهُ وَتَجْمَعُهُ وَتُحَرِّكُهُ وَتَعْصِرُهُ مَرْبُوطاً أَوْ مَضْفُوراً، وَلَيْسَ عَلَيْهَا حَلُّ عِقَاصِهَا إِذَا كَانَ رِخْواً يَدْخُلُهُ الْمَاءُ، وَإِلَّا حَلَّتْهُ وُجُوباً لِيَدْخُلَهُ الْمَاءُ.
وَيَجِبُ التَّخْلِيلُ مَعَ صَبِّ الْمَاءِ عَلَى الرَّأْسِ أَوْ بَعْدَهُ، وَيُسْتَحَبُّ قَبْلَهُ لِيَنْفَشَّ الشَّعَرُ فَيَدْخُلَهُ الْمَاءُ، وَلِتَنْسَدَّ مَسَامُّ الشَّعَرِ مَنْعاً لِلْبَرْدِ وَدَفْعاً لِلزُّكَامِ وَفِي هَذِهِ الْفُرُوضِ قَال النَّاظِم: (فَصْلٌ فُرُوضُ الْغَسْلِ… إلى: تَخْلِيلُ الشَّعَرْ).
ثَانِياً: سنن الغسل ومندوباته
- سُنَنُهُ
سنن الْغُسْلِ خَمْسٌ، وَعَدَّهَا النَّاظِمُ أَرْبَعاً لِاسْتِلْزَامِ الِاسْتِنْشَاقِ لِلِاسْتِنْثَارِ، وَهِيَ: غَسْلُ الْيَدَيْنِ أَوَّلاً، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَالِاسْتِنْثَارُ، وَمَسْحُ صِمَاخِ الْأُذُنَيْنِ. وَالْمُرَادُ بِالصِّمَاخِ: الثُّقْبَةُ الْكَائِنَةُ فِي الْأُذُنَيْنِ كَمَا عَبَّرَ النَّاظِمُ، وَأَمَّا غَيْرُ الصِّمَاخَيْنِ فَغَسْلُهُ وَاجِبٌ كَظَاهِرِ الْجَسَدِ. وَفِي هَذِهِ السُّنَنِ قَال النَّاظِم: (سُنَنُهُ مَضْمَضَةٌ… إلى: ثَقْبُ الُاذْنَيْنْ).
- مَنْدُوبَاتُهُ
عَدَّ النَّاظِمُ مَنْدُوبَاتِ الْغُسْلِ سِتّاً، وَهِيَ:
- اَلتَّسْمِيَةُ أَوَّلَ الْغُسْلِ، وَهِيَ: قَوْلُ بِسْمِ اللهِ.
- اَلْبَدْءُ بِغَسْلِ النَّجَاسَةِ مِنَ الْبَدَنِ، لِيَقَعَ الْغُسْلُ عَلَى أَعْضَاءٍ طَاهِرَةٍ.
- تَثْلِيثُ غَسْلِ الرَّأْسِ؛ أَيْ غَسْلُهُ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ مِنَ الْمَاءِ.
- تَقْدِيمُ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِ بَاقِي الْبَدَنِ، لِشَرَفِهَا عَلَى غَيْرِهَا.
- اَلْبَدْءُ فِي الْغُسْلِ بِمَيَامِنِ الْجَسَدِ، لِشَرَفِ الْمَيَامِنِ عَلَى الْمَيَاسِرِ.
- اَلتَّقْلِيلُ مِنَ الْمَاءِ حَسَبَ الْكِفَايَةِ وَالْمَعْرُوفِ دُونَ إِسْرَافٍ أَوْ إِخْلَالٍ.
- وَفِي هَذِهِ الْمَنْدُوبَاتِ قَالُ النَّاظِمُ: (مَنْدُوبُهُ الْبَدْءُ… إلى: بِأَعْلَى وَيَمِينٍ خُذْهُمَا).
- موجبات الغسل وموانعه
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَاشِرٍ رَحِمَهُ اللهُ:
تَبْدَأُ فِي الْغُسْلِ بِفَرْجٍ ثُمَّ كُفّْ * عَنْ مَسِّهِ بِبَطْنِ أَوْ جَنْبِ الْأَكُفّْ
أَوُ اُصْبُعٍ ثُمَّ إِذَا مَسِسْتَهْ * أَعِدْ مِنَ الْوُضُوءِ مَا فَعَلْتَهْ
مُوجِبُهُ حَيْضٌ نِفَاسٌ اِنْزَالْ * مَغِيبُ كَمْرَةٍ بِفَرْجٍ إِسْجَالْ
وَالَاوَّلَانِ مَنَعَا الْوَطْءَ إِلَى * غُسْلٍ وَالآخِرَانِ قُرْآناً حَلاَ
وَالكُلّ مَسْجِداً وَسَهْوُ الِاغْتِسَالْ * مِثْلُ وُضُوئِكَ وَلَمْ تُعِدْ مُوَالْ
- موجباته:
1)انقطاع الحيض والنفاس.
2) خروج المني بلذة معتادة.
3)مغيب الحشفة في الفرج.
4)غسل الميت.
5) الإسلام.
جميع الموجبات تمنع دخول المسجد.
الحيض والنفاس يمنعان الجماع.
الإنزال ومغيب الحشفة يمنعان قراءة القرآن.