منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

توجبهات نبوية لتنمية الإبداع لدى الطفل

توجبهات نبوية لتنمية الإبداع لدى الطفل/ ليلى المساوي

0

توجبهات نبوية لتنمية الإبداع لدى الطفل

بقلم: ليلى المساوي

الطفولة هي الأرض الخصبة التي تُبذر فيها بذور الإبداع والتميز، والتربية الذكية هي التي لا تكتفي بملء عقل الطفل بالمعلومات، بل تُعلم كيف يفكر، وكيف يتخيل، وكيف يبتكر. وإذا تأملنا السيرة النبوية المطهرة، سنجد أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وضع أسسًا في التعامل مع الصغار، لم تكن مجرد نصائح عابرة،بل توجيهات بانية، تهدف إلى بناء شخصية مبدعة، واثقة، وقادرة على التفكير الحر المستقل.

فما هي هذه التوجيهات النبوية ، وما دورها في بناء شخصية الطفل المتوازنة؟

1-إعطاء الأمان النفسي (بوابة التخيّل والإبداع)

لا يمكن لعقل طفل أن يبدع  إلا داخل أسرة تمنحه مساحة للتعبير الحر دون خوف أو تردد؛ فالخوف يضعف الذكاء، فالتربية النبوية قامت أولًا على ركيزة الأمان والحب غير المشروطين. هذا القرب النفسي يمنح الطفل “منطقة أمان” تجعله جسرا  في طرح الأفكار دون خوف من السخرية أو العقاب. الطفل الآمن نفسيًا هو طفل يملك الشجاعة ليجرب، والخطأ عنده ليس نهاية العالم، بل خطوة للتعلم.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: “قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ علَى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقالوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ قالوا: نَعَمْ، قالوا: لَكِنَّا وَاللَّهِ ما نُقَبِّلُ، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَوَأَمْلِكُ إنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ”[1]

2- تقدير الذات وتكليفهم بالمسؤوليات

الإبداع يحتاج إلى ثقة عالية بالنفس، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يبني هذه الثقة عبر إشراك الأطفال في عالم الكبار وعدم تهميشهم، مما ينمي مهارات التخطيط والحل الإبداعي للمشكلات لديهم.

عن سهل بن سعد رضي الله عنه: “أُتِيَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بشَرَابٍ فَشَرِبَ منه، وعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وعَنْ يَسَارِهِ الأشْيَاخُ، فَقالَ لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لي أنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟ فَقالَ الغُلَامُ: لا والله يا رَسولَ اللَّهِ، لا أُوثِرُ بنَصِيبِي مِنْكَ أحَدًا، فَتَلَّهُ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في يَدِهِو[2]الغلام هنا هو ابن عباس، وانظر كيف استأذنه النبي احتراما لحقه، مما يبني شخصية قوية قادرة على إبداء الرأي وتحمل المسؤولية “يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: “خَدَمْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، وَاللَّهِ ما قَالَ لِي أُفًّ قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟ وَلَا لِشَيْءٍ: أَلَا فَعَلْتَ كَذَا”[3]وفي رواية أخرى أن النبي أرسله في حاجة فكتم أنس سر النبي ولم يخبر به أحداً حتى أمه، مما يوضح حجم الثقة والمسؤولية الملقاة على عاتق الطفل.

3-أسلوب الحوار وإثارة التفكير (العصف الذهني)

لم تكن التربية النبوية قائمة على التلقين الجاف، بل اعتمدت بشكل كبير على تحفيز العقل عبر السؤال واستخراج الإجابة من الطفل نفسه ، وتنمية الذكاء التحليلي والربط بين المفاهيم.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” إنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ ورقُهَا، وإنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي ما هِي؟ فَوَقَعَ النَّاسُ في شَجَرِ البَوَادِي، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: ووَقَعَ في نَفْسِي أنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قالوا: حَدِّثْنَا ما هِيَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: هِيَ النَّخْلَةُ”[4]

هذا الأسلوب القائم على الحث والتحفيز هو جوهر التعليم التفاعلي الحديث.

4- اكتشاف المواهب الفردية وتوجيهها

لم يتعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الأطفال كقالب واحد، بل كان يطلق “الشرارة الإبداعية” في كل طفل ويوجهها في مسارها الصحيح ليتفوق ويتميز منها :

 (موهبة الذكاء واللغات): أَمَرَ النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت وهو غلام يافع أن يتعلم لغة اليهود لكتابة الرسائل، فقال له: “إني واللهِ ما آمَنُ يَهودَ علَى كِتابي”. يقول زيد: “فما مرَّ بي نِصفُ شهرٍ حتَّى تعلَّمتُه لهُ، فكانَ إذا كَتَبَ كَتَبْتُ إليهِم، وإذا كَتَبوا إليهِ قَرأتُ لهُ كِتابَهُم”.[5]

 (موهبة العلم والتحليل): دعا النبي لـ ابن عباس وهو صغير فقال: “اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ” [6]فصار بعدها “ترجمان القرآن” وعالم الأمة بعمر صغير.

5-إتاحة مساحة للعب والحركة (لابتكار)

اللعب بالنسبة للطفل هو المختبر الذي يكتشف فيه قوانين الحياة ويفجر طاقاته التخيلية والمرونة العقلية.كان النبي صلى الله عليه وسلم يلاطف و يشارك الأطفال لعبهم ،فكان يحمل الحسن والحسين رضي الله عنهما ، ويتركهما يركبان على ظهره، ويقول”نعم الجمل جملكما ” [7]

خلاصة القول:

إن تنمية الإبداع في التربية النبوية لم تكن ترفًا، بل كانت رؤية لبناء أمة منتجة وقادة للمستقبل. إنها تربية توازن بين الحرية والمسؤولية، وبين العاطفة والمنطق. وإذا أردنا اليوم أطفالاً مبدعين ومبتكرين، فعلينا أن ننزل إلى مستواهم كما كان يفعل عليه الصلاة والسلام، ونمنحهم الأمان النفسي والثقة ليقودوا خيالهم نحو آفاق جديدة.


[1] رواه البخاري ومسلم

[2] رواه البخاري

[3]  صحيح مسلم

[4] رواه البخاري

[5]– سنن الترمذي

[6]– رواه مسلم

[7] – رواه مسند أحمد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.