منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التصرفات النبوية حسب مراتب الاجتهاد التنزيلي-قراءة أصولية-

ذ.محمد الغالي

0

التصرفات النبوية حسب مراتب الاجتهاد التنزيلي-قراءة أصولية-

ذ.محمد الغالي

مقدمة:

لقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام، طيلة حياته، المرجع الوحيد لفض ما يظهر من نوازل تقتضي حلا، وقضايا تستوجب حكما، سواء عن طرق الوحي أو عن طريق الاجتهاد حينما ينقطع الوحي، أو حين لا يفصح الوحي السماوي عن حكم الواقعة. كما كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في الأحكام والقضايا التي لم ينزل بها وحي من الله عز وجل، وهذا الاجتهاد هو العنوان والعلامة على بشريته وإنسانيته.

إن المتابعة للنصوص ترشدنا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأذونا له بالاجتهاد، فقد “أجمع العلماء على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو سيد المرسلين والناس أجمعين، وهو قدوتهم وأوْبَتُهم إذا أخطأوا الطرق، وتشابهت عليهم السُّبُل. كما وقع الإجماع على أنه يجوز عقلاً تعبد الأنبياء بالاجتهاد كغيرهم من المجتهدين، كما أجمعوا أيضا على أنه يجوز له الاجتهاد فيما يتعلق بمصالح الدنيا، وتدبير الحروب وغيرها”[1].

أولا: اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم.

اختلف الأصوليون في جواز الاجتهاد من الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم جواز ذلك إلى عدة مذاهب، لكن يمكن تلخيص هذه الآراء في قولين أساسيين هما:

القول الأول: طائفة من الأصوليين[2] يقولون بأن النبي صلى الله عليه وسلم يجوز له عقلا أن يجتهد في الأمور الشرعية فيما لم ينزل به الوحي ويعمل بالرأي فيما لا نص فيه، وإلى هذا ذهب ابن الحاجب والآمدي والحنفية والحنابلة، وإليه كذلك ذهب بعض الشافعية. وفي هذا يقول الغزالي:”اختلفوا في النبي، عليه السلام، هل يجوز له الحكم بالاجتهاد فيما لا نص فيه؟ والنظر في الجواز والوقوع؟ والمختار جواز تعبده بذلك؛ لأنه ليس بمحال في ذاته و لا يفضي إلى محال مفسدة”[3]، وبنفس المعنى يقول ابن تيمية:” يجوز لنبينا صلى الله عليه وسلم أن يحكم باجتهاده فيما لم يوح إليه”[4].

ومن داخل هذا القول اختلف المجوزون في محل اجتهاده صلى الله عليه وسلم؛ هل يجوز ذلك في أمور الدين والدنيا، أم في أمور الدنيا فقط؟.

وقد ذهب الإمام القرافي إلى أن الخلاف وقع في الفتوى، أما في الأقضية فقد حكى الاتفاق على جوازه، قال: “ومحل الخلاف في الفتاوى أما في الأقضية فيجوز الاجتهاد فيها بالإجماع”[5]. ووافقه على ذلك جمال الدين الإسنوي حيث قال: “اتفقوا على وقوع الاجتهاد منه صلى الله عليه وسلم في الأقضية وفصل الخصومات”[6]. كما نقل عبد العزيز البخاري الاتفاق على جواز اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في الحروب وأمور الدنيا، حينما قال: “وكلهم اتفقوا على جوازه في الحروب وأمور الدنيا”[7]. وبهذا قال الشوكاني في إرشاد الفحول: “أجمع العلماء على جواز اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم عقلا وقد وقع ذلك منه فعلا، كما في مصالحة غطفان مقابل ثمار المدينة، وفي تأبير النخل بعد قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة”[8].

القول الثاني: ذهبت طائفة أخرى إلى عدم جواز اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام الشرعية، ومنهم؛ ابن حزم وأبو علي الجبائي وأبو هاشم-ابنه- وغيرهم.

ونسب الإمام الشوكاني هذا الرأي إلى الأشعرية، وهو قول جمهور المعتزلة[9]. ودليلهم  قولهم:”أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينتظر الوحي في كثير من الحوادث؛ كالطهارة(…) وقالوا: لو كان في الأحكام الصادرة عنه ما يكون عن اجتهاد لجاز أن لا يجعل أصلا للقياس، وأن يخالف فيه، وأن لا يكون مخالفا مخطئا، بيد أن هذه اللوازم باطلة فيما يرجع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم(…)وقالوا: إن الاجتهاد لا يفيد إلا الظن، والنبي صلى الله عليه وسلم، قادر على اليقين بانتظار تلقي الوحي، والقادر على تحصيل اليقين لا يلجأ إلى الظن”[10].

وفي حقيقة الأمر أنه حتى هؤلاء المانعين اتفقوا على جواز اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في أمور الدنيا ومكايد الحرب وأمور السياسة الشرعية. فهذا ابن حزم يقول:”وأما أمور الدنيا ومكايد الحرب، ما لم يتقدم نهي عن شيء من ذلك وأباح الله تعالى له التصرف فيه كيف شاء، فلسنا ننكر أن يدبر عليه السلام كل ذلك على حسب ما يراه صلاحا، فإن شاء الله تعالى إقراره عليه أقره، وإن شاء إحداث منع له من ذلك في المستأنف منع”[11].

وهكذا يبدو أن العلماء إنما اختلفوا في جواز اجتهاده في الأحكام الشرعية والفتاوى الدينية[12]، ولم يختلفوا في قضايا السياسة الشرعية، فقد نقل الإجماع على جواز الاجتهاد في ذلك.

فإذا كان لا بد للعلماء ولأولي الأمر في الدين أن يجتهدوا؛ سواء في القضايا التي ورد فيها نص وذلك بالاجتهاد في فهم الأحكام الشرعية بعد استنباطها، أو الاجتهاد في تطبيقها على واقع المكلفي، وسواء بالاجتهاد في الأمور المستجدة التي لا نص فيها، لأن “الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية، وعبارات مطلقة”[13]، ولأن الله عز و جل شرع للحاكم المسلم أن يجتهد، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر”[14]. فإذا كان هذا مقام المجتهدين من أهل الحكم والعلم، لأنه مستطاعهم، فإن “غَوْره هو اللائق بمرتبة أفضل الرسل صلى الله عليه وسلم فيما لم يرد فيه وحي، فبحثه عن الحكم أوسع مدًى من مدى أبحاث عموم المجتهدين، وتنقيبه عن المعرض أعمق غورا من تناوشهم، لئلا يفوت سيد المجتهدين ما فيه من صلاح ولو ضعيفا، ما لم يكن إعماله يُبطل ما في غيره من صلاح أقوى”[15]، ولذلك قال الشافعي: يجوز أن يكون في أحكام الرسول صلى الله عليه وسلم ما صدر عن الاجتهاد، وهو قول أبي يوسف أيضا، زد على ذلك أن للعلماء وراثته في الاجتهاد، فإن لم يكن مجتهدا عليه الصلاة والسلام كيف يرثونه عنه وقد قال: “إن العلماء ورثة الأنبياء”[16]. كما أنه لو جاز لغيره صلى الله عليه وسلم الاجتهاد مع كونه معرضا للخطأ، فلأن يجوز لمن هو معصوم عن الخطأ أولى[17].

ومنه يمكن القول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم اجتهد وحق له ذلك، كما أجاز لمن بعده أن يجتهد. وزيادة في التوضيح سنعرض فيما يستقبل من المباحث لمجموعة من التصرفات الاجتهادية الصادرة عنه صلى الله عليه وسلم مصنفة حسب مراتب الاجتهاد التنزيلي.

ثانيا: تقسيمات العلماء للسنة والتصرفات النبوية.

        إن تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم ليست على نوع واحد من حيث علاقتها بالأحكام والتشريع، لأن الأنشطة الصادرة عنه صلى الله عليه وسلم تتعدد باختلاف القرائن والأحوال التي تصاحب هذه التصرفات. وهذا التميز تظهر أهميته في بناء منظومة فقهية اجتهادية تعتمد كدعامة أساسية في مواكبة مصالح الناس عبر العصور، وتفتح للأمة باب الارتقاء والتطور ومسايرة مختلف الأحوال والظروف.

وقد استنتج العلماء من خلال استقراء تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم أنها تنقسم إلى عدة أقسام، وذلك بحسب القرائن والدلالات المصاحبة:

– ويعتبر ابن قتيبة الدينوري، في القرن الثالث الهجري؛ أول من لفت الأنظار إلى أن السنة النبوية تنقسم إلى عدة أقسام[18]؛ “من حيث كونها تفيد التشريع الملزم لجميع الأمة، أو كونها وحيا محضا، أو وحيا مفوضا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الترخيص فيه، أو كونها للاختيار المستحب الباعث على الترقي والكمال دون إلزام”[19]، وأساس فكرته هي أن التصرفات النبوية ليست كلها في درجة واحدة من حيث الإلزام التشريعي.

– وجاء الإمام القرافي المالكي في القرن السابع الهجري؛ فميز بين التصرفات النبوية بين أربعة أنواع من المناصب من حيث الجهة وطرق الصدور، فقال: “اعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم إمام الأمة، وقاضي القضاة، وعالم العلماء، فجميع المناصب الدينية فوضها الله تعالى إليه في رسالته، وهو أعظم من كل من تولى منصبا في ذلك المنصب إلى يوم القيامة، فما من منصب ديني إلا وهو متصف به، في أعلى رتبة، غير أن غالب تصرفه صلى الله عليه وسلم بالتبليغ، لأن وصف الرسالة غالب عليه. ثم تقع تصرفاته، فمنها ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعا، ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء، ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة، ومنها ما يختلف العلماء فيه لتردده بين رتبتين فصاعدا، فمنهم من يغلب عليه رتبة، ومنهم من يغلب عليه أخرى”[20]. فالقرافي حدد تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم في أربعة أنواع: تصرفه بوصف التبليغ وتصرفه بوصف الفتوى، وتصرفه بوصف القضاء، وتصرفه بوصف الإمامة.

– أما ابن القيم، في القرن الثامن، فلم يتجاوز تقسيمات الإمام القرافي، حيث قسم-هو الآخر- التصرفات النبوية إلى أربعة أنواع، فقال: “إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الإمام، والحاكم(القاضي)، والمفتي، وهو الرسول، فقد يقول الحكم بمنصب الرسالة، فيكون شرعا عاما إلى يوم القيامة(…)وقد يقوله بمنصب الفتوى(…) وقد يقوله بمنصب الإمامة، فيكون مصلحة للأمة في ذلك الوقت، وذلك المكان، وعلى تلك الحال، فيلزم من بعده من الأئمة مراعاة ذلك على حسب المصلحة التي راعاها النبي صلى الله عليه وسلم زمانا ومكانا وحالا”[21].

– ومن المتأخرين ذهب المحدث الهندي شاه ولي الله الدهلوي (ت1176هـ)، إلى أن السنة النبوية تنقسم إلى قسمين[22]:

القسم الأول: ما سبيله سبيل التبليغ والرسالة، ومنه علوم المعاد وعجائب الملكوت، وهذا كله مستند إلى الوحي وليس إلى الاجتهاد فيه مدخل. ومنه شرائع وضبط العبادات والارتفاقات، وهذه بعضها مستند إلى الوحي، وبعضها مستند إلى الاجتهاد. واجتهاده صلى الله عليه وسلم بمنزلة الوحي، لأن الله تعالى عصمه من أن يتقرر رأيه على الخطأ، ولا يلزم أن يكون اجتهاده استنباطا من النصوص، كما يظن، بل أكثره يكون مما علمه الله مقاصد الشرع، وقانون التشريع والتيسير، فيبين المقاصد المتلقاة بالوحي بذلك القانون. ومنه حكم مرسلة ومصالح مطلقة، لم يوقتها، ولم يبين حدودها كبيان الأخلاق الصالحة، وأضدادها، ومستندها غالبا الاجتهاد؛ بمعنى أن الله تعالى علمه قوانين الارتفاقات، فاستنبط منها حكمة، وجعل فيها كلية. ومنه فضائل الأعمال ومناقب العمال، وهذه بعضها مستند إلى الوحي، وبعضها مستند إلى الاجتهاد.

والقسم الثاني: ما ليس من تبليغ الرسالة؛ وهو ما فعله صلى الله عليه وسلم على سبيل العادة دون العبادة، وبحسب الاتفاق دون القصر.

ويؤخذ من كلام الدهلوي أن السنة التي يجب على الجميع إتباعها في كل زمان ومكان؛ هي ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم في حالة التبليغ والفتوى، أما ما كان عنه في حالة القضاء والإمامة فالأمر فيه سعة ولا يلزم الجميع اتباعها؛ لأنها تخضع لمتغيرات الوقائع والظروف وأحوال المكلفين عند التطبيق.

– وقد سلك كثير من العلماء مسلكا آخر في تقسيم السنة يغلب عليه التفصيل والتفريع، منهم الشيخ الطاهر بن عاشور في كتابه:”مقاصد الشريعة الإسلامية”، والإمام محمد شلتوت في كتابه:”الإسلام عقيدة وشريعة”، والدكتور محمد مصطفى شلبي في كتابه:”الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية”. وتبعهم من المعاصرين  الدكتور يوسف القرضاوي والدكتور عبد الحميد المتولي…وآخرون.

ثالثا: تصنيف السنة النبوية حسب مناصب الاجتهاد التنزيلي:

وبعد استعراضنا لأهم تقسيمات العلماء للسنة والتصرفات النبوية، القولية منها والفعلية، يمكننا تصنيف هذه التصرفات إلى سبعة مناصب مختصرة، نعرفها على الشكل التالي:

1: تصرفه صلى الله عليه وسلم بوصف الرسالة والتبليغ: ونقصد بذلك؛ التصرفات التي صدرت من النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه رسولا من عند الله تعالى، فالرسول؛ إنسان بعثه الله إلى الخلق لتبليغ الأحكام، ومكلف بتبليغ تكاليف الشرع وأحكامه إلى الأمة، ولذلك قال الله تعالى آمرا: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك}[23]. فالأساس الذي قام عليه التصرف بالرسالة هو التبليغ عن الله، يقول القرافي موضحا ذلك: “وتصرفه صلى الله عليه وسلم بالتبليغ هو الرسالة، والرسالة هي أمر الله تعالى له بذلك التبليغ، فهو صلى الله عليه وسلم ينقل عن الحق للخلق في مقام الرسالة ما وصل إليه عن الله تعالى فهو في مقام مبلغ وناقل عن الله تعالى”[24]، بهذا يكون كل ما قاله أو فعله عليه الصلاة والسلام على هذا السبيل، حكما عاما على الناس، يلزم منه تنفيذ مقتضاه على الوجه الذي ورد لفظا ومعنى.

2: تصرفه صلى الله عليه وسلم بوصف الإفتاء: والفتيا تعني الجواب عما يشكل من الأحكام، والمقصود بها؛ إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بحكم الله تعالى عن دليل شرعي لمن سأل عنه في أمر نازل، يقول القرافي: “إن تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتيا هو إخباره عن الله تعالى بما يجده في الأدلة من حكم الله تبارك وتعالى”[25]، وهذا التصرف منه عليه السلام هو شرع لنا إلى يوم الدين باعتبار أن الرسالة والفتيا كلاهما تبليغ وإخبار عن الله سبحانه، والفتيا جزء من الرسالة ووسيلة من وسائل بعض ما جاءت به الرسالة.

3: تصرفه صلى الله عليه وسلم بوصف القضاء: ونعني به التصرفات النبوية التشريعية التي تقضي وتفصل في الخصومات وتقطع وتحل المنازعات، وهو قضاء يلزم المشاجرين ببينة وإقرار، يقول الله تعالى:{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم}[26]. وقد عرف العلماء الحكم القضائي النبوي، حينما تطرقوا لتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم بوصف القضاء، فقالوا: “الحكم إنشاء وإلزام من قبله صلى الله عليه وسلم بحسب ما يسنح من الأسباب والحجاج”[27]، وصفة الإلزام هذه هي أهم ما يميز القضاء عن الإفتاء.

والمجتمع الإسلامي الأول كغيره من المجتمعات عرف منازعات ومخالفات حول الأنفس والأموال والأعراض والدماء وباقي أصول المعاملات[28]، فاحتاج ذلك إلى فصل في المنازعات حفاظا على حقوق الناس، لذا كان القضاء ضروريا لأداء هذا الدور، والرسول صلى الله عليه وسلم بصفته صاحب الشريعة العادلة هو من تصدى لهذا المنصب.

4: تصرفاته صلى الله عليه وسلم بوصف الإمامة: ونعني بذلك التصرفات النبوية الزائدة على النبوة والرسالة والفتيا والقضاء؛ هي تصرفات تتعلق بتدبير الشأن العام من جلب المصالح العامة للأمة ودرء المفاسد العامة عنها؛ لأن مسؤولية الإمام، كما أشار الإمام الجويني[29]، تتعلق بمهمات الدين والدنيا، وتناط به مهمة حفظ الحوزة ورعاية الرعية. والإمام هو الذي فوضت إليه السياسة العامة في الخلائق وضبط معاقد المصالح، ودرء المفاسد، وقمع الجناة وقتل الطغاة وتوطين العباد في البلاد إلى غير ذلك مما هو من هذا الجنس من مهمات ووظائف إمامة الأمة.

فالرسول صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى أنه نبي مرسل مبلغ عن الله تعالى، فهو إمام وحاكم للدولة الإسلامية في زمانه، فهو يشغل أعلى منصب سياسي في الدولة. ولهذا وجب التفريق بين تصرفاته بوصفه رسولا مبلغا مفتيا، وبكونه إماما يتصرف بحسب أحوال وظروف ذلك الزمان. فتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم بالإمامة منوط بالمصلحة الشرعية في الغالب، وهذا ما تقرره القاعدة التي تقول: “أن تصرف الإمام منوط بالمصلحة”[30].

5: تصرفه صلى الله عليه وسلم بوصف الطبيعة البشرية: وهذه التصرفات-والتي بعدها- لا تدخل ضمن الرسالة والتبليغ ولا ضمن الفتيا والقضاء والإمامة، وإنما هي تصرفات بشرية، باعتبار الرسول صلى الله عليه وسلم بشر كغيره من البشر من حيث الخَلْق والتكوين، قال تعالى:{قل إنما أنا بشر مثلكم}[31]. هذا يعني أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتصرف في كثير من الأحوال على سجيته وبمقتضى طبيعته البشرية، في أكله وشربه وطريقة مشيته وشكل لباسه، وكل ما أصله الإباحة؛ فهي أمور تصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بحكم العادة الجارية والجبلية، بل تبقى على أصل الإباحة[32].

6: تصرفه صلى الله عليه وسلم بوصف الخبرة الفنية: ونعني بها مجمل التصرفات النبوية التي صدرت عنه في بعض المجالات المعينة التي تحتاج إلى دربة وفن وخبرة، كمجال الحرب أو الفلاحة أو الصناعة، فيكون هذا التصرف منه صلى الله عليه وسلم اجتهادا قابلا للحوار والتعديل، بل لا مانع من إبداء الرأي فيه والتوجيه من قبل أهل الاختصاص والخبرة في هذا المجال. وبالطبع هذه التصرفات لا يقصد بها الإلزام للأمة.

7: تصرفه صلى الله عليه وسلم بوصف الخصوصية: وهي مجموعة من التصرفات النبوية خص الله سبحانه وتعالى نبيه عليه الصلاة والسلام من دون سائر المكلفين من المؤمنين، فهي تصرفات بمقتضى الخصوصية، وهي غير واجبة على الأمة. فقد انفرد صلى الله عليه وسلم عن غيره بالزواج بأكثر من أربعة، وعدم أخذه الصدقة، والوصال في الصوم وغير ذلك.

وقسم الإمام الآمدي أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ما كان من الأفعال الجبلية كالقيام والقعود والشرب ونحوه، وإلى ما ثبت كونه من خواصه التي لا يشاركه فيها أحد، كاختصاصه بإباحة الوصال في الصوم، وصفية المغنم، وخمس الخمس، ودخول مكة بغير إحرام، والزيادة في النكاح على أربع نسوة إلى غير ذلك من خصائصه[33]؛ مثال ذلك قاله صلى الله عليه وسلم: “أمرت بالسواك ولولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة”[34]. وهذه الأفعال إن كانت في حق الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة، فبعضها في حق الأمة نوافل مستحبة، من قصد بها الإتباع والتأسي فهو متاب على فعله وعمله، إلا ما اختص به وحُرم على أمته.

خاتمة:

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الناطق الرسمي باسم الشريعة، والمبين لأحكامها، وهو المنفذ الأول لأوامرها ونواهيها، فهو المعلم والمربي والمفتي والإمام والقاضي، يشع نور النبوة على أصحابه هاديا ومرشدا، بقوله وعمله، يصحح العادات والأخلاق ويغير الطبائع والذهنيات حتى تتفق مع الشرع ومقاصده.

وهو صلى الله عليه وسلم المجتهد الأول الذي علم المسلمين التشاور وفقه الواقع ومراعاة مآل التصرفات والأقوال وظروف الناس والأحوال عند تنزيل الأحكام، وهو عليه الصلاة والسلام الذي رتب للأمة الأدلة الشرعية؛ القرآن والسنة والاجتهاد، ومهد لها سبيل القياس على الأصول وتعليل الأحكام.

كما يعتبر صلى الله عليه وسلم الإمام الأكبر الذي خط أركان السياسة الشرعية وشيد الدولة المدنية وأسس النظام الاجتماعي الإسلامي وِفق دستور ينظم العلاقات السلمية والتعايش مع الآخر، ويحفظ جوانب الحماية والتأمين العسكري والانتشار الدعوي للدولة الإسلامية الجديدة.

وقد ورث الصحابة الكرام رضي الله عنهم من المعصوم صلى الله عليه وسلم ذلك المجموع من العلم والإيمان والقرآن؛ تفسيره وأحكامه ومقاصده. فكان فقههم فقها جامعا تتكامل فيه النصوص والأدلة وتتناسق فيه القضايا لتحقيق حكم الشرع ومقاصده، حيث استطاع الصحابة، والخلفاء الراشدون منهم، مسايرة مستجدات الواقع بعد رحيل الإمام والمعلم عليه الصلاة والسلام، واستنباط الأحكام وتنزيلها وِفق مراد الشرع ومقصده. وهي سنة كاملة ورثها العلماء أولي الأمر على مر الزمان إلى قيام الساعة. والحمد لله رب العالمين.


[1] إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، الشوكاني، ص:426.

[2] ينظر: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، تاج الدين السبكي، تحقيق: علي محمد عوض، 4/165. والإحكام في أصول الإحكام، الآمدي، 4/165. وأصول السرخسي،1/194. وكشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، عبد العزيز البخاري، 3/925. وإجابة السائل شرح بغية الآمل، الصنعاني،1/386.

[3] المستصفى في علم الأصول، أبو حامد الغزالي،  1/346.

[4] المسودة في أصول الفقه، ابن تيمية،  ص:507.

[5] شرح الإسنوي على المنهاج، الإسنوي، 3/194.

[6] المصدر السابق، 3/194

[7] إرشاد الفحول، الشوكاني، ص:255

[8] المصدرالسابق، ص:255.

[9] ينظر: إرشاد الفحول، الشوكاني، ص:255.

[10] الاجتهاد ومقاصده في الفكر الإسلامي؛ النشأة والإمتداد، عبد السلام الرافعي، ص:26.

[11] الأحكام، ابن حزم، 5/703.

[12] ينطر: إرشاد الفحول، الشوكاني، ص:255. و شرح الإسنوي على المنهاج، 3/194.

[13] الموافقات، الشاطبي، 4/66.

[14] أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، رقم:7302. ومسلم في كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، رقم:4507.

[15] التحرير والتنوير، الطاهر ابن عاشور، 30/109.

[16] أخرجه أبو داوود في السنن، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، رقم:3641. والترمذي في سننه، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، رقم:2682. وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم:2682.

[17] ينظر: المحصول في أصول الفقه، الرازي، 6/7.

[18] تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة وصلتها بالتشريع الإسلامي، الدكتور أحمد يوسف، مجلة بحوث السيرة والسنة، جامعة قطر، العدد الثامن، سنة 1415هـ/1995م، ص:415.

[19] تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة الدينوري، ص:196.

[20] الإحكام في تميز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، ص:99، والفروق، القرافي، الفرق36، 1/205.

[21] زاد المعاد، ابن القيم، 5/375.

[22] حجة الله البالغة، أحمد شاه ولي الله الدهلوي، 1/240-241 بتصرف.

[23] سورة المائدة، الآية:69.

[25] الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، القرافي، ص:99.

[26] سورة النساء، من الآية:65.

[27] الفروق، القرافي، ص:100.

[28] من الأمثلة التي ذكرها القرافي على ما فعله عليه الصلاة والسلام بطرق القضاء: “التمليك بالشفعة، وفسوخ الأنكحة والعقود، والتطليق بالإعسار عند تعذر الإنفاق والإيلاء والفيئة، ونحو ذلك”. الإحكام، ص:105.

[29] ينظر: غياث الأمم في التياث الظلم، الجويني، ص:15.

[30] الأشباه والنظائر، السيوطي، ص:83.

[31] سورة الكهف، من الآية: 105.

[32] هذا قول الجمهور، ونُقل عن الغزالي أنه يندب التأسي به. ينظر: المنخول، ص:225. والإحكام، الآمدي، 1/228.

[33] ينظر: الإحكام، الآمدي، 1/227-228

[34] متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة، رقم:847. ومسلم في كتاب الطهارة، باب السواك، رقم:252، واللفظ له.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.