منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إنتاج الخضر والفواكه في غير وقتها خطر يدمر صحة المستهلك

إنتاج الخضر والفواكه في غير وقتها خطر يدمر صحة المستهلك/ أحمد المتوكل

0

إنتاج الخضر والفواكه في غير وقتها خطر يدمر صحة المستهلك

بقلم: أحمد المتوكل

من المعروف أن لكل نوع من النباتات والأشجار موسم ووقت محدد تنبت وتثمر فيه، والحكمة من نضوج ثمارها في فصل معين هو أن يستفيد من ذلك البشر والكائنات الحية الأخرى، لذا فإن وجود كل نوع من ثمرة أو نبات في وقت معين يحقق التنوع البيئي، ويغذي الأجسام بما تكون في أمسّ الحاجة إليه خلال كل فصل من فصول السنة.

أشار القرآن الكريم في كثير من آياته إلى الأكل من فواكه الأشجار حينما تصبح ثمارا، ومنها قوله تعالي‏:{ لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمُ، أَفَلا يَشْكُرُونَ} سورة يس 35.

وقال الله تعالى في آية اخرى: { وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا اكْلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ، كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ، وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حِصَادِهِ، وَلاَ تُسْرِفُواْ، إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} سورة الأنعام الآية142.

من المفسرين من رأى أن قوله تعالى: {إِذَآ أَثْمَرَ} الذي جاء في سياق الآية السابقة زائد لا ضرورة له، يُغني عنه قوله تعالى المذكور قبله: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} ولكن هذا قول غير سليم، لأن كلام الله ليس فيه كلمة زائدة أو حرف زائد، ولأن الحكمة تقول: الزيادة في المبنى زيادة في المعنى، وكل حرف من كلام الله جاء ليُرشد إلى شيء ما، أو يدل على غرَض معين، أو يضيف شيئا جديدا، علمه من علمه وجهله من جهله.

إن اللفظتين: {إِذَآ أَثْمَرَ} تضيفان معنى منفصلا عما ذكر قبلهما، فهما تشيران إلى شيء مهم جدا في علم التغذية الحديث، وهو أكل الثمار والفواكه وقت نضوجها وكمالها، لأن {إذا} عند علماء النحو أداة شرطية ظرفية.

ومعنى اللفظيتين مرتبطتين بما قبلهما {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ}: أي كلوا ثمار المغروسات إذا أصبحت ثمارا ناضجة، وكمل نضجها في وقتها الطبيعي المعتاد.

والثمَر لا يسمى كذلك إلا إذا كان ناضجا نضوجا تاما ودخلت إليه المكونات الغذائية النافعة من التربة بواسطة الماء والشمس وغيرهما.

يجب أن نعلم علما يقينيا أن كل ما ذُكِر في القرآن الكريم لم يُذكر عبثا، ولا جاء عرَضا، بل جاء بترتيب دقيق، وتنسيق بديع، ليحقق مقاصد وحكما في العاجل والآجل، علِمَها من علِمَها وجهِلَها من جهِلَها، وكلما تقدم العلم الحديث، وظهرت الاكتشافات والتجارب إلا وتتأكد صوابية المنهج الرباني الحكيم، حيث يقول الله جل شأنه: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} سورة القمر الآية:49، وقال جل شأنه:{وخلق كل شيء فقدره تقديرا}سورة الفرقان الآية:2.

ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ، فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا، نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا، وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ، انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ، إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} سورة الأنعام الآية: 100

وَمعنى ينْعِه، أي نُضجه. قال ابن العربي: ” الإيناع : الطيب بغير فساد ولا نقش”1. والمعنى الذي يقصده القاضي ابن العربي رحمه الله هو أن تنضج الثمار بدون أن تتدخل فيها اليد البشرية.

فالإنسان إذا نظر نظرة تأمُّلٍ إلى الثمار كيف نبتت وأزهرَتْ وأينعت ونضِجَتْ، وفكَّر في اختلاف ألوانها وأشكالها وتغيُّرِ أذواقها وروائحها ومكوناتها وفوائدها، وفي الفصول التي وُجدت فيها،علم أن مُوجدها مدبِّرٌ حكيم، وخالقٌ عظيم، ورزاق كريم، ليس كمثله شيء، تجب له الطاعة والخضوع والعبادة والامتثال.

فالنباتات والفواكه والخضروات والزروع والثمار مخلوقات ربانية تدبرها يد القدرة الإلهية، وهو تعالى الذي قدرها، وأوجدها في وقتها وبشكلها وبفوائدها، واختار الوقت المناسب لنضوج ثمارها، وهو جلت قدرته أخرجها في زمانها ومكانها وبعددِها لحكم مقصودة ولغايات محددة، كل ذلك لينتفع بها الإنسان أحسن انتفاع، وعلى أكمل وجه، من غير ضرر ولا خطر.

والله تعالى بقدرته وحكمته قدَّر فصول السنة، وميز طقس ومناخ كل فصل عن الآخر، وخصَّ كل فصل بأنواع وأصناف من الخضر والفواكه والزروع والثمار بما يتناسب مع حرارته أو برودته أو اعتداله، بما يفيد صحة الإنسان في ذلك الوقت، ويقيه ما قد يصيبه من أمراض وأدواء في ذلك الزمان، ومن غير الأجدى والأنسب والأصلح لصحة الأجسام أن نأكل فواكه أو ثمار الشتاء في الصيف والعكس، أو نتناول مأكولات الخريف في الربيع، والعكس.

فالخضر والفواكه التي تتدخل فيها أيدي الفساد والعبث لتُنضِجها بالطرق الحديثة في غير وقتها الطبيعي تكون فارغة من المكونات الطبيعة والمعادن والمواد المغذية وما تحتاجه الأجسام البشرية منها، ويكون ضررها أكثر من نفعها، لأنها تكون مليئة بالأدوية والسموم والمواد الكيماوية….. المضرة بصحة مستهلكيها.

وإن من الابتلاءات الخطيرة والضارة على صحة المستهلك المعاصر أن الخضر والفواكه بكل أنواعها موجودة في الأسواق والمتاجر في كل وقت وفصل، إلى درجة أن جُلَّ الناس أصبحوا يجهلون مواسم نضوج الثمار والخضر والفواكه، ولا يفرقون بين ما يَيْنَعُ في موعده، ولا بين ما ينضج خارج وقته الطبيعي، وهذا شيء سلبي جدا، وإن رآه الجاهلون بعلم التغذية – الذين تُوَجِّههم بطونهم وشهواتهم وأهدافهم المادية- شيئا إيجابيا.

فما نراه في الأسواق والمتاجر من خضر وفواكه ناضجة في غير مواسمها وفي غير إبَّانها ظاهرة غير صحية وغير طبيعية، وكل ما ينضُجُ في غير وقته وفي غير الأماكن التي تَصلُحُ بيئتها له تتدخل فيه الأيدي العابثة بالأدوية والمبيدات السامة والمواد والمخصبات الكيماوية والإضافات والملوِّنات والمُنَكِّهات والمواد المعدلة وراثيا لتعطيها ألوانا ومذاقات وأحجاما ونكهات غير طبيعة، بحيثُ إذا لم تضف إليها هذه الأشياء ما نمت غِراسُها، ولا نضِجتْ ثمارها أبدا، لأن الوقت ليس وقتها، وعوامل الطقس والمناخ غير مناسب لنُضجها.

ولهذا يجب على من يريد أن يَحيَى بصحة جيدة، ويستفيد من مكونات الفواكه والثمار والزروع والخضر والحبوب أن يكون على معرفة دقيقة بزمان وأوان نُضجها، ويحرص أشد الحرص على تناولها في حينها بالقدر الذي يناسب حاجة الأجسام إليها، ولا بأس بتجفيف ما يمكن أن يجفف أو تخزين ما يمكن تخزينه دون أن تتعرض مكوناته للتلف والضياع والتأثر السلبي.

فإذا أكل الإنسان من الثمار التي نضجت في وقتها الطبيعي، وبالقدر المطلوب كانت الاستفادة منها كاملة، وكان الانتفاع بها محققا، وكانت فائدتها أشمل وأكمل، والضرر منها منعدما او قليلا، بخلاف إذا ما أكل مما نضج في غير وقته، حيث تكون العناصر المكونة لها لم تصل إليها بعد، أو تضاف إليها مواد ومبيدات و مصبِّرات…. وحينئذ لا تحصل الاستفادة منها، أو لنقل على العكس يحصل الضرر والأذى، فما ينضج بالوسائل والطرق الحديثة، وفي غير أوانه وفي غير مكانه يكون ضرره أكثر من نفعه، ومؤذيا لا مغذيا، وناقصا غير كامل.

لقد أودع الخالق الحكيم في الثمرات وفي كثير من النباتات من العناصر والمكونات الغذائية ما يصلح للناس في فصل دون آخر، وفي بلد دون آخر، وما قد تحتاجها منها الأجساد الآدمية والحيوانية في وقت دون آخر، وجعل سبحانه الكون يسير وِفْقَ أسباب وسنن مضبوطة متقنة أحسن إتقان لفائدة كل المخلوقات، فإذا خالفتِ الإنسانية هذه الأسباب وقع الخلل والعطب، وظهرت الأمراض والعاهات التي لا دواء لها، واستفحلت الآلام والاختلالات النفسية والجسدية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وهو ما نعيشه في وقتنا الحالي مما يؤرق الناس ويؤلمهم في حياتهم، ولا خلاص منها إلا بالرجوع إلى المنهج الرباني في أكلنا وشربنا، بل في كل حياتنا، قال الله تعالى في سورة طه:{وَمَنَ اَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا، وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا، وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى، وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنَاَسْرَفَ وَلَمْ يُوْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى } الآيات: 124- 125- 126- 127.


1. أحكام القرآن لابن العربي 2. 264 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.