منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

السياسة بين الغاية والوسيلة

السياسة بين الغاية والوسيلة/الأستاذة تورية البوكيلي

0

السياسة بين الغاية والوسيلة

بقلم:الأستاذة تورية البوكيلي

السياسة كما نراها اليوم، لم تعد منطلقة من خدمة الشعب، والعمل ما أمكن على تحسين أوضاع البلاد، ولا من غايتها المشتقة من فعل ساس، أي معالجة الأمور بإيجاد الحلول المناسبة للمشاكل، ولم تعد تحمل دلالات أبسط وأقدم مفاهيمها وتعريفاتها، بأنها آلية البحث عن طرائق تلبي رغبة الناس واحتياجاتهم. بل تحولت السياسة إلى أداة توظف لغايات شخصية، وليس لعلم يركز على دراسة السلوك الإنساني والاهتمام بمصالحهم للوصول إلى الرفاهية. وهذا ما يفسر في نظرنا أن السباق نحو الترشح في الانتخابات أو تولي مناصب سياسية، لا يكون دائما بهدف خدمة الشأن العام بل بغية التموضع في المؤسسات السياسية وبالتالي خدمة أهداف اقتصادية. ولعل ذلك ما يميز الفعل السياسي اليوم ويفقده المصداقية عبر إفراغه من حمولته الأخلاقية التي تعتبر أساس مشروعيته. وفي هذا الإطار يمكن القول أن ” كلمة السياسة في اللغة تعني الحكمةَ العَمليَّة التي بها يُراود الإنسان المصاعب والمشاكل، حتى تَلينَ في يده وحتى يجد لها حلاًّ لطيفا، كما أن السياسة الشرعية هي النظر في مصالح الناس، بكيفيات يقبلها الناس، ويشاركون فيها لحل المشاكل، أما الآن فقد أصبحت كلمة سياسة غاية في حد ذاتها[1]، وذلك للأسباب التالية:

 الفصل بين الدين والسياسة

لم تكن ثمة إشكالية فكرية في الحضارة الإسلامية حول مفهوم العلاقة بين الدين والسياسة، منذ مجيء الإسلام وحتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، حيث نشأت فكرة العلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة، ثم نمت تلك الفكرة في العالم الإسلامي مع أوائل القرن العشرين. فوقع الانفصال بين الدين والسياسة. وكانت “أولى عرى الإسلام التي نُقضت عروةَ الحكم. ثم انفصمت سائرُ العُرَى حتى بلَغْنا هذا العهد الذي انزوى فيه القرآن بمعزِلٍ عن حياة الناس العامة انزواء كليا. فبناؤنا، بل بناؤهم، مهدومٌ، أنقاضٌ. الدين في جانب، والسياسة في جانب[2]. فالمستقر إذن في تصورات المفكرين الإسلاميين، اعتبار السياسة جزءا من الدين، وأن الإسلام دين ودولة، بل هو نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعها.

وهذه القضية لم تكن خافية على فقهاء السياسة الشرعية، حيث تم إدراكها منذ بداية الرسالة الإسلامية نفسها فكان الوعي بمحورية المسألة السياسية في الإسلام واضحا، مع أن النصوص الدينية لا يوجد بها الكثير من الشواهد الدالة على تلك المحورية وهي موجودة بشكل قواعد كلية، وعليه فقد تركت للاجتهاد البشري، وهذا لحكمة اقتضتها مشيئة المولى عز وجل، حتى تثبت صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، فلكل عصر ظروفه واحتياجاته.  يقول الإمام البنا رحمه الله: “فمن ظن أن الدين أو بعبارة أدق الإسلام- لا يعرض للسياسة أو أن السياسة ليست من مباحثه فقد ظلم نفسه، وظلم عِلْمَه بهذا الإسلام. ولا أقول ظَلَم الإسلام فإن الإسلام شريعة الله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وجميلٌ قول الإمام الغزاليِّ رضي الله عنه: «اعلم أن الشريعةَ أصلٌ والـمُلكُ حارس. وما لا أصلَ له فمهدُومٌ، وما لا حارسَ له فضائع[3].

غياب الرؤية التجديدية

كان التقليد دوما محركا عميقا للتطور والتغيير السياسي في العالم الاسلامي، بحيث كانت معظم التدابير السياسية موروثة عن الماضي أو مستوردة من الغرب؛ والتي لا تقبل الانصياع إلى التعديل الواعي؛ والتي تقاوم التجديد، حيث يتعامل أصحابها مع النظم السياسية كما هي، فيسقط هؤلاء في آفتين اثنتين: غياب الروح النقدية، وفقدان النظرة التاريخية. وطبيعي أن يكون إنتاج هؤلاء هو: استنساخ التجارب السياسية السابقة، وفي الغالب بصورة مجزأة وغير متناسقة. بيد أن الإصلاح السياسي الحقيقي يقتضي استلهام سنن الله في التغيير، التي تمكننا من الانتقال الرصين والصادق عبر كل وسائل الجهاد والاجتهاد لتحقيق النهوض والريادة. عملية التغيير تحتاج إلى فهم متجدد للتاريخ الإنساني المعرفي والحركي. ولذلك فالتجديد الذي نقصده هو الذي ينطلق من الاعتراف أولا بما أحرزه العقل البشري عبر التاريخ من تنظيرات في المجالات السياسية، والوقوف على مواطن الفشل الذي سقط فيه هذا العقل، وذلك باعتماد قراءة واعية له ولمجمل القضايا السياسية.

ولذلك فإن هذا التجديد يجب أن يتأسس على جملة من الأسس التي تضمن انسجامه مع القيم الإسلامية، وألا يسقط في إشكالية الانحراف عن التوجيه الإسلامي في الشأن السياسي من جهة، وألا يتحول هذا التجديد إلى نوع من الخضوع لمغريات وضغط الواقع من جهة ثانية. فهو تجديد يجمع بين استلهام التراث الإسلامي الثري وبين ما أنتجه العقل البشري في مجال علم السياسة، ومن أهم تلك الأسس التي يجب أن تبنى عليها عملية التجديد: التأصيل الذي هو عملية تجمع بين التقويم والبناء وفق أصول الوحي المتمثلة في القرآن والسنة باعتبارهما أصولا حاكمة لفعل الإنسان، ثم التأسيس المقاصدي الذي تكون فيه مقاصد الشريعة إطارا عاما في بناء الفكر السياسي وتقييمه.

غياب الأخلاق والقيم

إذا كانت السياسة في تعريفها البسيط هي أنماط قيادة البشرية وأساليب تدبير شؤونها وتحقيق مصالحها، فالأخلاق هي مجموعة القيم الموجهة للسلوك البشري نحو الخير. وكلتاهما تلتقيان على الدعوة لبناء نمط معين من المبادئ والعلاقات الإنسانية والدفاع عنهما، لكن تفترقان في أن طابع المبادئ والعلاقات التي تعالجها السياسة تختلف نوعيا عن تلك التي تتناولها الأخلاق تصل إلى حد التعارض عند ميكافيلي الذي يُغلب السياسة على الأخلاق في كتابه “الأمير”، ليظهر السلوك الميكافيلي كما لو أنه يتنكر لجميع الفضائل حين يبرر استعمال كل الوسائل لتحقيق الغايات السياسية.

وعليه فالممارسة السياسية يجب تقييدها وفق مبادئ أخلاقية لأن كل محاولة للفصل بينهما ستؤدي إلى حلول الاستبداد محل الديمقراطية، لذا وجب العمل على تخليص السياسة من الشوائب الميكيافلية، وربطها بأخلاق الوحي والنبوة، بدءا بالنصيحة السياسية، والحوار والتوافق السياسي، ثم الوضوح في الخطاب والعمل، وصولا إلى الرحمة بالمخالف، ونبذ العنف وغيرها. وعلى هذا يمكن القول بأن المبادئ الخلقية التي جاء بها الإسلام قادرة، عند التمسك بها، على حل جميع الإشكاليات التي تعاني منها الأمة الإسلامية اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، والتاريخ شاهد على صدق هذه المقولة، ففي خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه التي تمثل الوثيقة السياسية للحكم آنذاك، أعلن عن قاعدة من قواعد عمله السياسي؛ فقال: “الصدقُ أمانة والكذب خيانة“. ومن الواضح أن هذه القاعدة هي من القواعد الأخلاقية التي قننت أمرين اثنين، فالأول يتمثل في حضور القيم السامية في العمل السياسي، والثاني يتجلى في تحرير العلاقة الشائكة بين غاية العمل السياسي والوسيلة الموصلة إليه.

وعليه، ابتكرت السياسة لخير ورفاهية المجتمعات، وذلك بالعمل على ترسيخ المساواة بين البشر، وحل المشاكل الاجتماعية بالطرق السلمية. فالعمل السياسي يتمحور بخاصة حول تحقيق هذه المطالب عمليا بغية التوجه بالإنسانية نحو مستقبل أفضل ينبذ التسلط المطلق. أما في الواقع فالمبادئ السياسية لا تطبق بالشكل الصحيح في معظم البلدان بشكل عام، مما يستوجب إحياء السياسة الحقة بالممارسة الفعلية ضمن ضوابط واضحة، وفي هذا الإطار تطرح عدة تساؤلات تخص ماهية الفعل السياسي وكذلك الوسائل المعتمدة من طرف الفاعلين السياسيين، لذلك فالباحث في علم السياسة مطالب بإعادة الاهتمام بهذه التساؤلات، لأن الإجابة عنها ستشكل فرصة لإعادة فهم أزمة الممارسات السياسية ومعرفة أسبابها الحقيقية.


[1] الأستاذ عبد السلام ياسين، أحاديث في العدل والإحسان، ص: 107

[2] الأستاذ عبد السلام ياسين، جماعة المسلمين ورابطتها، ص:35

[3] مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.