منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المشاركة السياسية والوعي بالمسؤولية

المشاركة السياسية والوعي بالمسؤولية/الأستاذ إسماعيل هادي

0

المشاركة السياسية والوعي بالمسؤولية

بقلم: الأستاذ إسماعيل هادي

    تعتبر الأمية السياسية معضلة المجتمعات الإسلامية، ويعزى ذلك لعدم تقديم الأنظمة التعليمية معرفة سياسية للمتعلمين ولو في أشكالها الأولية، وعدم اهتمام الأسر بها، إلا من اختار استكمال دراساته الجامعية في تخصص العلوم القانونية أو السياسية، فاستحوذ عليها طبقة خاصة لخدمة مصالح شخصية.

    ولكن باستفحال وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام السياسي؛ أضحى الانشغال بالسياسة والمشاركة السياسية شأنا من شؤون الثقافة والوعي السياسيين، ولو بمقاطعة الانتخابات عن وعي ودربة، بوصفها آلية تسمح بإشراك المواطنين في إدارة الشأن العام لعدم التفاعل مع الأنظمة السياسية، باعتبار أن المقاطعة تعبير عن فقدان الثقة بالسياسي خاصة، والسياسة عامة. فكلما زادت المقاطعة دل ذلك على فساد المناخ السياسي وعلته.

    يقوم الدين بدور هام في تكوين الرأي العام وتوجيهه في المجتمعات الإسلامية، في کافة المجالات الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، والعلمية. لأن الدين أحد الدعامات الرئيسة في بناء الحضارة والأنشطة الإنسانية، من حيث استمراره، وتقدمه أو تراجعه.

    وقد حرصت الأنظمة السياسية والقوى الاجتماعية الأخرى على توظيف الدين الإسلامي في الحياة السياسية بهدف تعظيم وترسيخ مبدأ الشرعية وفرض الهيمنة على المجتمع الإسلامي لتوجيه الرأي العام، من أجل تحقيق أهداف سياسية واقتصادية. مستغلة ظاهرة “الإسلام السياسي”، والتي كانت تعتمد في الدعاية الخاصة بها على منابر المساجد أو الإعلام، أو الدعايات الحزبية باستخدام عبارات ومصطلحات دينية لكسب ثقة الشعوب وتبرير مواقفها.

   إنّ عبارة الإسلام السياسي دخيلةٌ، لا علاقة لها بالإسلام الذي نزل على رسول الله ﷺ، والذي يقول الله تعالى فيه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾[1].

وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[2]؛ يريدون الدنيا، ويتاجرون بالدّين، ويُلبِّسون على العامة، ويَعبثون بمشاعر الناس البسطاء. بل ويقطعون الطريق على من يريد الدخول في المشاركة السياسية. وبالتالي يخسرون دينهم ودنياهم.

     الإسلام دليل خير للناس ومرشدهم، بمعاييره وقيمه ومبادئه الأخلاقية المستمدة من القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، وحكمِ الخلفاء الراشدين، والتجاربِ الإنسانيّة النافعة في إدارة الحكم وأمور السياسة، لتوفر للمسؤولين مناخا طبيعيا للمشاركة السياسية الفعالة التي تعود عليهم وعلى الشعوب بالخير العميم. والحفاظ على السفينة من الخرق حتى ينجو الجميع.

    فالسياسة تحتاج إلى الدين ليوجهها ويقيمها، ويعصمها من الظلم والشر، ويقوم اعوجاج القائمين عليها من الوقوع في الانحراف والانغماس في الشهوات. بالخصوص الذين يقدمون للناس ديناً لا علاقة له بالإسلام.

    مارس أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام السياسة في أعلى صورها لخدمة البشرية ابتغاء رضوان الله عز وجل. فجمعوا بين النبوة والمهام السياسية، ساسوا الناس بالعدل وقادوهم إلى ما فيه خير الإنسان و الحيوان والنبات والجماد. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾[3].

    ومن الوقائع الشهيرة في سيرة النبي ﷺ ما اشتهر بتسميته بـ “معاهدة يثرب”، والتي تمثل أول وثيقة تشريعية “مدنية” في بناء أسس الدولة الإسلامية، هي أول “عقد” سياسي واجتماعي مدني ينظم العلاقات الاجتماعية والسياسية، وتُحَدد فيه أسس المعاملات بين مختلف سكان يثرب وطوائفها. ولذلك تعد هذه الوثيقة، مثلما يذهب عدد من الباحثين المعاصرين أول “دستور” في تاريخ العرب والمسلمين تم وضعه وفق معايير سياسية وأخلاقية جديدة، حيث انتفت فيها قيم العصبية القبلية والمذهبية الدينية، وحضرت فيها قيم “المواطنة” و”الدولة المدنية”[4].

     من أهم القيم التي يبثها ديننا في نفوس الساسة؛ قيمة: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع ومسؤول عن رعيته)، وهي تقوم على سياسة أن الحكام وكلاء عن المواطنين، وهم أمانة في أعناقهم، يؤدون هذه الأمانة بالعدل والإنصاف تقوم على سياسة عدم التمييز (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)[5]، وأن سيدنا عمر بن عبد العزيز طبق سياسة القضاء على الفقر، فعم فضله خلال سنتين ونصف، وأن الخلق عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.

    يقول ابن تيمية: ” وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم: أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم؛ ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة؛ ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام”.[6]

    قال ابن خلدون” الظلم مؤذن بخراب العمران”[7].

    يقول الماوردي: ” شريعة وأدب سياسة. فأدب الشريعة ما أدى الفرض، وأدب السياسة ما عمر الأرض. وكلاهما يرجع إلى العدل الذي به سلامة السلطان، وعمارة البلدان؛ لأن من ترك الفرض فقد ظلم نفسه، ومن خرب الأرض فقد ظلم غيره[8].

    ومن تأمل سنة النبي صلى الله عليه وسلم في سياسة الرعية وسياسة الصحابة الخلفاء بعده، يلاحظ الحرية الحقيقة والضوابط الصحيحة لها في أسمى صورها، ولعل كلمة عمر بن الخطاب راحت في التاريخ خالدة مدوية: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار[9]“،  وسبقت ميثاق الأمم المتحدة في حقوق الإنسان.

    وغالبا ما يقترن العدل بالأمانة في القرآن الكريم، فيقول الله عز وجل:{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ }[10].
فهي تشير إلى أن الحكم من أعظم الأمانات التي يؤتمن عليها الإنسان، فهو مؤتمن على الشريعة أن يصونها، وعلى الحقوق أن يحفظها، وعلى البلاد أن يصونها، وعلى الأخلاق أن يرعاها، والأمان أن ينشره في البلاد، وعلى تأمين حاجات الناس وقضائها، فما أعظمها من أمانة ولهذا اشترط أهل العلم في الإمام أن يكون عدلا والعدالة تتضمن الأمانة[11].

    ترتكز القيادة السياسية للدولة الإسلامية، على قيادة الشعوب والمجتمعات جلبا للمصالح ودرءا للمفاسد، عن طريق المشاركة السياسية، والتي بدورها تعتمد على الحرية الفردية والمساواة والتكافل والعدل الاجتماعي. فما المشاركة السياسية؟

    المشاركة السياسية: تعني مشاركة أكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع في أكبر عدد ممكن من الأنشطة والمجالات بحيث تتماشى هذه المجالات مع قدرات ومتطلبات هؤلاء الأفراد .[12]

     أوهي تلك الأنشطة الإدارية التي يزاولها أعضاء المجتمع بهدف اختيار حكامهم وممثليهم، والمساهمة في صنع السياسات والقرارات بشكل مباشر أو غير مباشر.[13]

     ويمكن القول إجمالا بأن المشاركة السياسية هي مساهمة أكبر عدد من المواطنين بشكل مباشر أو غير مباشر في عملية التصويت والترشيح واتخاذ القرار وصنع السياسات، بدافع ذاتي وطوعي وبروح المواطنة، في إطار القيم الاجتماعية المعترف بها.

    ويرتبط بمفهوم المشاركة السياسية مجموعة مفاهيم سياسية، أذكر بعضا منها:

* مفهوم الرأي العام: ويعرف على أنه مشاعر عامة يكونها الأفراد والجماعات تجاه أحداث وقضايا وشخصيات سياسية، ونجد أن هناك ثلاث مراحل لتكوين الرأي العام، وهي: ( مرحلة التكوين – مرحلة التعبير- مرحلة التأثير المباشر في السياسة العامة )[14].

* الأحزاب السياسية: هي تجمع منظم من المواطنين تأسس للدفاع عن آرائهم و مصالحهم وإعلائها من أجل تنفيذ برنامج الإصلاح بالمشاركة في الحياة السياسية بواسطة الأنشطة المكملة [15].

    ومن المفترض أن الأحزاب تسمح للمواطنين بالمشاركة في صنع السياسة والتأثير على صانعي القرار، وتقوم بتوعيتهم من خلال أنشطة تخلق الاهتمام والتفاعل والتجاوب السياسي لديهم في مقابل السلبية واللامبالاة .

* التنشئة السياسية: هي مجموعة من الأنماط الاجتماعية التي تمكن الفرد من التوافق السلوكي مع المجتمع أوهي عملية اكتساب الفرد لاستعدادات سلوكية تتفق مع استمرارية قيام الجماعات والنظم السياسية وذلك من خلال أداء الوظائف الضرورية للحفاظ على وجودها[16].

     الثقافة السياسية: كل ما يتعلق باتجاهات الأفراد تجاه النظام السياسي وما يرتبط به من نظم فرعية أو مؤسسات ومنظمات مختلفة.[17]

    تعتبر المشاركة السياسية وسيلة تعليم المواطنين حقوقهم وواجباتهم، وإدراكهم لحجم المشاكل المتعلقة بمجتمعهم، وتقوية الشعور بالانتماء للوطن الكبير. كما تؤدي المشاركة إلى مزيد من الاستقرار والنظام في المجتمع، وتوسيع وتعميق الإحساس.
وهي تهدف إلى  تنمية هوية الفرد المستقلة .وتطوير قدراته ومدركاته الخاصة. والمشاركة في اتخاذ القرارات وصنع الأحداث. وترسيخ مبادئ الديموقراطية في السلوك العادي للمواطن. ورفع مستوى الوعي السياسي لدى الجماهير.

    قالت شريفة بريك: “والواقع أنه إذا غاب الوعي السياسي غابت معه حقوق الإنسان كإنسان، وعلى رأسها أنه ينبغي أن يعامل كغاية في ذاته، أي كوعي ذاتي لا كوسيلة لتحقيق مآرب الآخرين، ثم كمواطن في دولة له العديد من الحقوق الأساسية التي لا يكون مواطنا مالم يمارسها[18]

     يقصد بالوعي السياسي معرفة المواطن لحقوقه السياسية وواجباته وما يدور حوله من أحداث ووقائع، كذلك فإنه يعني قدرة المواطن على تكوين صورة عن الواقع المحيط به من خلال المعطيات والأحداث المتناثرة حوله، كذلك قدرته على الارتقاء من خبرات الجماعة التي ينتمي إليها إلى مشكلات المجتمع السياسي الكلي، إن هذا الوعي السياسي يفترض عدة متطلبات لعل أهمها التعليم والخبرة والحرية الإعلامية بمعنى حق المواطن في امتلاك المعلومات من مختلف المصادر[19].

    إن مستوى الوعي السياسي عند الشباب العربي يزداد يوما بعد يوم. بسبب التغيرات والتحولات السريعة والتحديات الصعبة التي واجهت الأمة العربية، خاصة منذ الربيع العربي، وبسبب سيطرة الدولة على وسائل الإعلام. وبسبب الفراغ التوعوي الذي تخلفه يوميا المؤسسات التعليمية ودور العبادة وما دونها، وما تتعرض له مؤسسات المجتمع المدني من ضغوط سياسية مستمرة لجرفها عن أهدافها.

    كل هذا يجعل الحاجة ماسة إلى تكوين جيل جديد يمتلك قدرا كافيا من الوعي السياسي يتغلب به على العقبات السياسية. ولا يسمح للاستبداد السياسي أن يملأ الفراغ.

    وأخيرا تتأثر المشاركة السياسية بتغيرات عدة أهمها: فساد المناخ السياسي، وضعف الوعي السياسي، وغالبا ما يساهم في هذا التأثير: الإعلام الرسمي والخاص السلبيين، وعدم اهتمام التعليم به.

    وبالتوعية السياسية يكسب المواطن جميع حقوقه السياسية من حسم الخلاف، وتحقيق المطالب، والمنافسة الحرة في الانتخابات ترشيحا وتصويتا، وترسيخ روح المساواة والعدل.


[1] – سورة الجاثية، الآية: 18.

[2] – سورة النساء، الآية: 65.

[3] – سورة سبأ، الآية : 10.

[4] – انظر محمد عمارة، الإسلام والمستقبل، دار الشروق، القاهرة، 1984 ومحمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1990

[5] – سنن أبي داود، كتاب الحدود باب في الحد يشفع فيه (حديث رقم: 4373 )

[6] – مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 28، ص 1.

[7] – عبد الرحمن بن محمد بن محمد، ابن خلدون، العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، صفحة 353. بتصرّف.

[8] – أدب الدنيا والدين، الماوردي، ص 134.

[9] – حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، جلال الدين السيوطي، ج1 ،ص 578

[10] – سورة النساء: 58.

[11] – غياث الأمم في التياث الظلم، الجويني، ص 88.

[12] – سيكولوجية المشاركة السياسية، مع دراسة في علم النفس السياسي في البيئة العربية، طارق محمد عبد الوهاب، ص: 14.

[13] – علم الاجتماع السياسي  مولود زايد الطيب، ص87.

[14] – موسوعة علم السياسة ” مصطلحات مختارة، مصطفى عبد الله خشيم، ص: 243 – 244.

[15] – الاحزاب السياسية في العالم الثالث، اسامة الغزالى حرب، ص: 10.

[16] – سيكولوجية المشاركة السياسية : مع دراسة في علم النفس السياسي في البيئة العربي، طارق محمد عبد الوهاب، ص 102.

[17] – موسوعة علم السياسة ” مصطلحات مختارة مصطفى عبد الله خشيم، ص: 167 – 169.

[18] – شريفة بريك: دور الصحافة الالكترونية الجزائرية في نشر الوعي السياسي لدى الشباب الجامعي – دراسة مسحية ميدانية لعينة من طلبة جامعة خميس مليانة – كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، قسم العلوم الإنسانية، 2012/2013.

[19] – مدخل الى علم الاجتماع العام، العقل الاجتماعي، غي روشيه، ص 94.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.