ماضيّة
فيحاء نابلسي
مثلها مثل الجسد تماما تحتاج النفس عكازاً تتوكأ عليه عندما تُرهق ويصيبها الوهن.
وعكاز أبي راشد كانت دائما في يده يجتاز بها الدروب الوعرة ويهشّ بها على أحزانه فتولي هاربة تاركة إياه منشرح الصدر مرتاح البال .
” أأجمل ما في الحياة أنّ لها نهاية ” هكذا كان أبو راشد يفشي سره الصغير ويخبر كل من حوله عن علة راحة باله وهدوءه.
أغلب الخلافات والمشاكل التي كانت تنغص عادة على الناس حياتهم , كانت تمر على أبي راشد بسلام .
طعام بمذاق سيء, صخب الأولاد وشجارهم,صاحب يماطل في سداد دين أقسم أيمانا مغلظّة أن يردّه في حينه, لا شيء , لا شيء أبدا يسمح له أن يكدّر صفوه أو ينغص عليه عيشه. ” ماضيّة ” كان يردد في كل حين , مصبّرا نفسه على كل ما لا يروق له.
حتى شجرة التوت التي كانت تظلّل الدار وتنتظر العائلة ثمارهما من الموسم إلى الموسم , لم يتردّد في قطعها عندما اشتكى جاره منها وقال إن جذورها تخرب بلاط حديقته وثمارها تلوث أرض داره,
أسكت أهله بعبارة واحدة ” السوق مليان توت لن أغضب جاري من أجل شجرة , .”
من يعرف أبا راشد عن قرب يدرك جيدا أنه ليس ضعيفا ولا جبانا .
كان يسمع كلام أصحابه وأولاده بأذنه , فيهز رأسه ويرد عليهم : ” حُرِّم على النار كلّ هين ليّنٍ قريبٍ من الناس” . وكان يؤكد لكل من ينتقده أنه لم يندم يوما على خير فعله حتى لو في غير موضعه.
لم تنل الأيام من حِلم أبي راشد وسعة صدره. رغم الخيبات الكثيرة والطعنات التي تلقاها بسبب طيبته وحسن خلقه,
كلمّا تقدم به العمر , كان يزداد بحثا عن خير يقدمه بلهفة من يبحث عن فيء يستظل به في يوم قائظ.
ولكن هذا الصباح أوشك الضجر أن ينال من أبي راشد.
كان ينتظر جاره أبي نزار ليقلّه معه في سيارته إلى ورشته
حرّك أبو راشد مّساحات سيارته وأدار سبحته بين أصابعه محوقلاً.
لم يكن أبو نزار شريكا لأبي راشد في عمله ولم يكن بينهما أية مصلحة عمل, .ولكن تصادف مرّة أن رآه أبو راشد ينتظر الحافلة في يوم ماطر فعرض عليه أن يوصله , ومن يومها وأبو راشد يقلّه معه جيئة وذهابا رغم امتعاض أولاده , والحقيقة أنهم لم يكونوا مخطئين في استيائهم , فلم يكن سراً خافيا على أحد أن أبا نزار رجل خاصمته الكياسة واللياقة , لا يقدّر معروفا ولا يعترف بجميل لأحد عليه, وكثيرا ما كان يجعل أبا راشد ينتظره لينهي عملا أو ينجز أمرا , وربما طلب منه أحيانا أن يعرّج به على السوق ليشتري بعض حاجياته , الأمر الذي يجعل أهل أبي راشد ينتظرونه طويلا ا على الغداء فيتكدّر مزاجهم ويينغص عليهم .
مع ذلك لم يكن ذلك يعني لأبي راشد شيئا , كان يكفيه أن يتذكر وصيّة حبيبه ” من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ” .
وكان يقول ” خير ساقه الله إلينا , أنردّه؟ ”
بعد ربع ساعة من الإنتظار, ظهر أبو نزارقادما يخطو على مهلٍ كمن أثقل النعاس همّته. فبادره أبو راشد ممازحاً” شمسك عالية يا جار, ترى والله بلشنا نكبر دير بالك !”
ألقى أبو نزار بنفسه على المقعد ومطط ذراعيه متثائبا قبل أن يصفق الباب ثم يلتفت إلى أبي راشد بنظرة امتعاض وهو يقول:
” تصدق بالله يارجل, الأمثال عمرها ما كذبت . صدق اللي قال , الحركة بركة, كل يوم كنت أروح وأجي على رجلي ما أعرف التعب , من يوم اللي بقيت توصلني ماشفت العافية , ركبني العيا وهدني المرض.”
لوهلة عابرة , أحس أبو راشد أن الفصول الأربعة كلها مرت عليه بلحظة واحدة. رأى أمام عينيه بروقا وسمع رعوداً تلتها زخات مطر انهمرت فوق رأسه وشمس لاهبة لفحت وجهه فتفصّد جبينه عرقاً , أحسّ برياح عاتية تعصف به تكاد تنتزعه عن مقعده وتطيح به بعيدا.
للحظة شعر أبو راشد أن أرضةً لعينة نخرت عكازه المتين وأنه على وشك أن يخرّ هاويا إلى الأرض, لكنّه نفض رأسه كغريق يقتنص نفساً من بين الأمواج .
هزّ رأسه بتؤدة , زفر زفرة طويلة وهو يضغط بقدمه على دواسة الوقود وانطلق بسيارته مقهقهاً ” ماضيّييية … ماضيّة !!”