أطفالنا و أزمة القيم
يقلم: الأستاذة ثورية البوكيلي
توطئة
لا يخفى على أحد حال أولادنا وبناتنا في زمان كثرت فيه التحديات وتنوعت الاغراءات، فأغلبهم يعيشون حيرة كبيرة وضياعا عميقا. الآن يحصل هذا الضياع وهذا التمزق من جهتين: من جهة تفكك الأسرة الآخذ في التفشي، ومن جهة هيمنة هذه الأعداد الغثائية من الأطفال والشباب بلا مرب ولا مراقب، حيث نرى أن “تربية الأولاد” تتعرض لمخاطر كثيرة:
- منها تقصير الوالدين في تربية أبنائهما، فالأب همه الأكبر توفير المسكن والملبس والطعام لأبنائه، والأم مشغولة بتدبير شؤون المنزل، بالإضافة الى خروجها للعمل، ولسان حال كل منهما يقول: لقد كفيت ووفيت،
- ومنها تقليد بعض الآبـاء والأمهات للمناهج الغربية والأخذ بكل نظرياتها من غير تمحيص، في الوقت الذي أثبتت بعض الدراسات قصورها وحاجتها الماسة إلى الإصلاح والتعديل.
- ومنها قصور التعليم الحالي الذي أغفل جوانب مهمة في تربية الأولاد ولم يحط الإحاطة الشاملة التي تلبي حاجة الإنسان الروحية والفكرية والخلقية والجسدية،
- ومنها ترك المجال أمام دعاة الغزو الفكري والأخلاقي لبث سمومهم وترويج أفكارهم ليعملوا على هدم أخلاق الناشئة وتحطيم قيمهم.
- ومنها تقليد بعض الآبـاء والأمهات للمناهج الغربية والأخذ بكل نظرياتها من غير تمحيص، في الوقت الذي أثبتت بعض الدراسات قصورها وحاجتها الماسة إلى الإصلاح والتعديل.
- ومنها كذلك، الغفلة عن مصادر المنهج الإسلامي في التربية والذي يولي تربية الأولاد أهمية بالغة، ويمتاز عن غيره من النظريات بالشمول والتوازن والواقعية،
فإننا نلمس إذن، من هذا الواقع أن هناك اختلالا في وظيفة التربية، فمجتمعنا اليوم يعاني من تيارات ثقافية هزت كيان ووظائف النظم الاجتماعية، كالأسرة والمدرسة. فكل أشكال التطـور التكنولوجي والنمو الحضاري انعكست على الوالدين، فغيرت من رؤيتهما وأساليبهما. وانعكست كذلك عـلى الأولاد، فغـيرت من انتظاراتهم وسلوكياتهم، وانعكست على المدرسة، فجمدت وظائفها، وزد على ذلك وسائل الإعلام التي أصبحت أداة فاعلة في تشكيل الوعي والسلوك البشري.
أي تربية نريد لأطفالنا
يتميـز منهـج ديننا الحنيف فـي تربيـة الأولاد بالوضـوح والشـمول، إذ ركز علـى بنـاء الشـخصية الإسلامية المتكاملة عـن طريـق معالجة شـاملة للولد. فأرسى قواعد نظرية هدفها الأسمى هو تحقيق التربية المتوازنة للطفل التي تجمع بين صفاء روحه و قوة جسمه، واكتمال عقله، واستقامة سلوكه. ولإتمام هذه العملية لابد من توافر مجموعة من الأسس التي تقوم فيما بينها علاقة تفاعلية بحيث تشكل في النهاية نظاما تربويا متكامل اللبنات.
ونستطيع أن نميز أهم هذه الأسس في:
- الأساس الفطري
الذي يقصد به استواء الخِلقة الباطنية للولد المعبر عنها بالقلب، المجبولة على الإيمان بالله جل وعلا ومعرفته. ويرمي هذا الأساس إلى ربط الأولاد بالله وبأصول الأيمان، وتعويدهم أركان الإسلام، إذ يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مدى قابلية الطفولة للتكون وإعادة الصياغة حسب استعدادها الطبيعي: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه“[1] .
- الأساس الخلقي
الذي يقصد به المنظومة الداخلية التي تزود الطفل بالمعايير التي يميز بها بين الصواب والخطأ، والمقبول والمرفوض، وهي الدرع الواقية التي تحميه من الوقوع في الأخطاء، فالإنسان لا يولد مزودا بمنظومة الأخلاق، ولكنه يكتسبها من خلال عملية تربوية مقصودة، ويؤدي الوالدن الدور الأبرز في بناء هذه المنظومة، وهذا ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: “ ما نَحَلَ والِدٌ ولدَه ، أَفْضَلَ من أَدَبٍ حَسَنٍ“[2] .
- الأساس العلمي
الذي يقصد به تنمية مدارك الطفل الفكرية وقدراته العقلية، وذلك من خلال توجيهه نحو اكتساب العلوم الشرعية والحضارية التي تساهم في تحقيق نضجه الفكري، ويتحمل الوالدن المسؤولية الكاملة في قيادة عملية تعلم أولادهم. قال ابن القيم – رحمه الله -: “ وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قِبل الآباء وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه “[3] .
- الأساس المعرفي
الذي يقصد به ترسيخ قدرات الطفل الإدراكية ليعيش منسجما مع واقعه. فالطفل في حاجة إلى اكتساب أساسيات الحياة، حيث ينمو خلالها وعيه ويتمكن من الاعتماد على نفسه، وهذا الأساس يؤهله لتحمل المسئوليات في حياته عند وصوله الي مرحلة الشباب، لذلك كان لزاما على الوالدين تدريبه على مجموعة من المهارات الأساسية، يأتي في قمتها العادات الصحية وقواعد النظافة العامة.
أساليب تربية الأولاد
لقد خطّ لنا الإسلام طريقا قسم فيه أساليب التربية على حسب المراحل العمرية للولد، الذي تتغير استعداداته وحاجياته في كل مرحلة منها، مما يستدعي من الوالدين الوعي التام بكل مرحلة ومتطلباتها. ويجدر بنا هنا الإشارة إلى أن كل مرحلة من مراحل عمر الولد تعتمد على سابقتها استكمالا لما مضى وليست منفصلة بذاتها. ويمكن اجمال هذه الأساليب في:
- الأساليب التربوية لتحقيق حاجات الطفل الروحية
يعد الإعداد الروحي للأولاد من أهم مجالات التربية؛ حيث يتعهد الملكات الفطرية لدى الطفل، ويبدأ هذا الإعداد منذ تكون الولد في بطن أمه، وذلك بذكر الأدعية التي تحصن الجنين من الشيطان الرجيم. ثم تربية الطفل منذ ولادته على الارتباط بالله عز وجل في كل حركاته وسكناته، وتعليمه ما يناسب سنه من مبادئ الشريعة، وهذه التربية هي أهم بل وأول ما يبدأ به الوالدن مع ولدههما لأنها تمثل قاعدة الانطلاق لما بعدها من مجالات تربية الطفل. وهذا ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: “افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله“[4] ،
- الأساليب التربوية لتحقيق حاجات الطفل التعليمية
يسعى الطفل دائما إلى الاستطلاع والاكتشاف حتى يتعرف على البيئة المحيطة به. وهذه الحاجة أساسية في توسيع إدراك الولد وتنمية شخصيته، وهو بهذا يحتاج إلى تعلم كل ما يعود عليه بالمنفعة في الدنيا والآخرة. ويتعين على الوالدين مواصلة تعليم الطفل بحسب ما تفتضيه مراحل نموه، فيُعلَّمانه كل ما يقوي جسده، ويهذب سلوكه وينمي فكره. باعتمادهما طرق التوجيه والتلقين والتدريب. وقد رأينا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يستخدم هذا الأسلوب في تربية عمر بن أبي سلمة عندما رآه يأكل وتطيش يده في الصفحة: “يا غُلام سمِّ الله، وكُلْ بِيَمينكَ، وكُلْ ممَّا يَلِيْكَ“[5].
- الأساليب التربوية لتحقيق حاجات الطفل المعرفية
الولد يحتاج إلى الجو الذي ينمي فيه مواهبه، ويبرز شخصيته، في حاجة إلى اختبار قوته ومعرفة حدودها. وهذا الجو المناسب لنموه هو جو الحرية والانطلاق الجو الذي يقدر فيه الطفل على ممارسة الأعمال المشروعة التي تستفرغ نشاطه، بحيث يعبر عن نفسه تعبيرا حرا، فإن رُعيت هذه الأمور من طرف الوالدين الرعاية الصحيحة، استطاع ولدهما امتلاك الكفاءات المبدعة، وهذا ما يدعوهما للتنقيب عن الطرق المناسبة لتنمية مهارات ولدهما التـي تسـاعده علـى اتخـاذ قـرارات مدروسـة بعنايـة، والتواصـل بفعاليـة مـع الآخرين، والتأقلـم مـع الظـروف المحيطة به.
ولابد من الإشارة إلى ضرورة فقه العصر الذي يعيش فيه أولادنا، فهو يختلف تماما عن العصر الذي عشنا فيه على مستوى القيم والمفاهيم. فالتربية اليوم ليست للتكيف مع ما هو قائم فحسب بل يجب ان تكون تربية متغيرة متجددة قادرة على احتواء الجديد والاستفادة منه لتحقيق غاياتها. وهذا الاحتواء يفرض علينا دقة في فهم الواقع وفي تحديد حاجيات أولادنا.
الاليات والوسائل
بناء على ما سبق فالأسر تحتاج إلى إعادة بنائها أو ترميمها، وذلك عن طريق اعتماد اليات جديدة ومتجددة تلائم وتواكب العصر، لذا وجب على الوالدين اتخاذ التدابير اللازمة لتحقيق هذه البناء، ومن هذه التدابير:
- التأهيل التربوي
نقصد به ما دعت إليه الشريعة من آداب وقيم تملأ البيـت المسـلم سكينة وطمأنينة، ويأتي في قمة هذا التأهيل:
تقوية الروافد الإيمانية، الذي لها دور فعال في اصلاح البيئة الأسرية، إذ لا يكون صلاح الأبناء واستقامتهم على الطريق الصحيح، إلا بصلاح آبائهم وأمهاتهم، والله تبارك وتعالى يدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء؛ وهذا ما أكدته الآية الكريمة: ” أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ” [6]، ويأتي في قمة هذا العمل الصالح الدعاء والتضرع لله سبحانه، قال عليه الصلاة والسلام: “ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده“[7] .
تقوية الروافد العاطفية، التي لها دور فعال في تحقيق الإشباع العاطفي للطفل الذي يكفل تلبية حاجته إلى الحب والحنان، مما يجعل منه إنسانا سويا مطمئنا، لذا وجب على الوالدين الاستمرار في اغداق الحب اللامشروط على ولدهما عن طريق اظهاره له من خلال التعابير الشفوية التي تترجمها كلمة “أحبك “أو “اشتاق إليك”، ومن خلال كذلك اللمسات الحانية التي تترجمها القبلة والحضن. وخير دليل على ضرورة إشباع هذه الحاجة من تجاوز النبي صلى الله عليه وسلم في أدائه بعض الفرائض، فقد تجاوز في صلاته لسماعه بكاء صبي، ونزل من فوق منبره لتعثر الحسن والحسين في الوصول إليه،
تقوية الروافد الأخلاقية، التي لها دور فعال في تهذيب إرادة الطفل وفي تعزيز القيم عن طريق تعليمه أنماط السلوك التي تصنع منه انسانا صالحا، لذا يجب على الوالدين جعل من أنفسهما قدوة صالحة بامتثال ما يعلمان، فالأخلاق لا تكتسب بالنصائح العابرة؛ بل بالقدوة والمثل الأعلى، يقول الإمام الغزالي رحمه الله: “إن الصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما ينقش فيه ومائل إلى كل ما يمال به إليه فإن عُّود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة“،
- التأهيل العلمي
نقصد به تلك المعارف التربوية التي تمكننا من ممارسة الفعل التربوي دون مخاطر ويتحقق هذا التأهيل بتقوية الروافد المعرفية، فالسلوك الإنساني محصلة لقناعات مغروسة في عقله وقلبه، فلذلك من الخطأ تجاهل الجوانب المعرفية إذا أردنا تعزيز القيم، ولولا قيمة هذه الجوانب ما قال الصـحابة رضي الله عنهم: “كنا نؤتى الإيمان قبل القرآن” ، فالإيمان في هذا النص هو القناعات النظرية، أما القرآن فهو تعبير عن التكاليف الشرعية، ونذكر منها معرفة تجليات الكمال الوظيفي المتمثلة في رعاية الفطرة حفظا واحياءا وحوطا.
- التأهيل العملي،
نقصد به تلك المهارات السلوكية التي تمكن الوالدين من ممارسة الوظيفة التربوية بعيدا عن العشوائية فتعميـق الوعـي التربـوي للوالديـن أصبـح ضـرورة لابـد منهـا؛ نظـرا لتراكـم المسؤوليات فـي واقعنـا المعاصر. فالعمليـة التربويـة لـم تعـد كمـا كانـت فـي عهـود سـابقة نوعـا مـن السـلوك العفـوي البسـيط، بـل إنهـا اليـوم عمليـة تتصـف بدرجـة عاليـة مـن الدقـة والتعقيـد، لهـذا هـي بحاجـة إلـى وعـي وتخطيـط، ويأتي التأهيل الأسري كألية عملية فعالة لتحقيق هذه الحاجات، وهو منهج تأهيلي تدريبي، يعمل على توفير المؤهلات اللازمة لبناء أسر آمنة مستقرة، وذلك من خلال برامج وقائية وبنائية مصممة لمساعدة أفراد الأسرة على تحقيق ذلك.
وختاما نـدرك تمـام الإدراك أن لتربيـة الأولاد على القيم الإنسانية صعوبـات وعقبـات. وتـكاد تكـون تحديـات الوقـت الراهـن عائقا تقـف عنـدها هذه التربيـة عاجـزة، فيحـار الوالديـن فـي اختيـار السبل المناسبة لاقتحام العقبـات وتجـاوز الصعوبـات. لكـن واجبهمـا أن يوجـه عملهمـا بـذكاء وحكمـة، فيتوجهـان أولا إلـى الله بالدعـاء بصلاح أولادهما، ويغرسـا ن الولاء لـه سـبحانه فـي نفوسـهم شـعورا، وفـي عقولهم مشـروعا، وفـي قلوبهم محبة وشوقا، وفـي الواقـع ممارسة فعلية تنقـل الأسرة مـن حال إلـى حال. وعليه فقد بات من الأهمية بمكان، تحقق هذه القِيَم ويقتضي هذا الأمر أن تستوعب القيم استيعابا جليا، وترسم خُطُواتُ تطبيقها مرحلة مرحلة، مع تبيان وسائل تذليل الصعوبات المتوقّعة، وتوفير الأسباب المشجّعة، واعتماد أساليب مرغّبة مقنعة .
[1] رواه البخاري
[2] رواه الترمذي
[3] شمس الدين أبي عبدا لله، تحفة المودود بأحكام المولود، ص 147.
[4] سنن البيهقي،
[5] رواه البخاري
[6] سورة الطور، الآية 21
[7] رواه أبو داود، والترمذي،