على عتبات “تيغيلت – أنين الجنوب”
على عتبات "تيغيلت – أنين الجنوب"/ عبد الفتاح بلخوار
على عتبات “تيغيلت – أنين الجنوب“
بقلم: عبد الفتاح بلخوار
ليست البدايات في كل كتاب سواء؛ فثمة ما يقرأ، وثمة ما يتلقى. و”تيغيلت – أنين الجنوب” من ذلك الضرب الذي لا يقدم صفحاته الأولى على أنها تمهيد، بل على أنها تهيئة؛ تهيئة للعين أن ترى، وللقلب أن يصغي، وللعقل أن يستعد لأسئلة لن تغلق بسهولة.
منذ السطر الأول، لا يواجه القارئ نصا، بل إنسانا. يكتب لحسن شعيب بخط يده:
“أخي الفاضل عبد الفتاح بلخوار، عسى ينال هذا العمل إعجابك، وعسى تفيد منه متعة وحكمة وفائدة…”
بهذه النبرة الخافتة، التي لا تعلن ولا تزعم، ينسحب الكاتب إلى الخلف ليترك النص يتقدم. كلمة “عسى” هنا ليست تلطفا عابرا، بل مفتاح رؤية: الأدب لا يفرض قيمته، بل يقترحها؛ لا يعلن كماله، بل يختبر أثره. ومن هذا التواضع المضيء تنشأ علاقة نادرة بين الكاتب وقارئه، علاقة لا تقوم على الإبهار، بل على المشاركة.
وإذا كان الإهداء قد فتح باب الود، فإن الآية التي تليه تفتح باب المعنى:
﴿فاقصص القصص لعلهم يتفكرون﴾
ليس في هذا الاستهلال مجرد استشهاد، بل توجيه خفي لمسار الكتاب كله. فالفعل “اقصص” جاء بصيغة الأمر، لا ليجيز الحكي، بل ليحمله على وجه من الوجوه التي تخرج به من دائرة المتعة إلى دائرة المسؤولية. كأن القاص هنا لا يقص لأنه يريد فحسب، بل لأنه يستجيب لنداء أعلى، يجعل من السرد فعلا ذا غاية، لا مجرد انفعال عابر. أما “لعلهم يتفكرون” فليست نتيجة مضمونة، بل أفق مفتوح، يضع القارئ في قلب العملية، ويجعل التفكر غاية لا تقل شأنا عن القص نفسه. وهكذا يغدو النص مساحة مشتركة بين من يروي ومن يعيد بناء المعنى في نفسه.
غير أن قلب هذه العتبات يخفق في ذلك الإهداء الطويل، حيث تتخفف اللغة من صيغها المعتادة، لتقترب من جوهر التجربة. تبدأ الحكاية بما يشبه الاكتمال:
“عاشت في فرنسا لأكثر من أربعة عقود… وكان عندها بيت فسيح، وزوج حنون…”
غير أن هذا الاكتمال، في منطق الحياة كما في منطق الأدب، لا يلبث أن يكشف هشاشته. فجأة، تنقلب الوجهة:
“وفجأة زهدت في كل شيء… وفضلت بيتها في جنوب المغرب المنسي وراء الجبال”
هنا لا نكون أمام انتقال في المكان، بل أمام تحول في المعنى: من الامتلاء إلى الخفة، من الوفرة إلى الصفاء، من الخارج إلى الداخل. الجنوب، في هذه اللحظة، لا يقدم بوصفه جغرافيا، بل بوصفه ملاذا للروح حين تتعب من فائض العالم.
ويمضي النص في هدوئه حتى يبلغ لحظة لا تروى، بل تعاش:
“سامحوني جميعا بحقكم”
في هذه الكلمات القليلة، ينكشف ما لا تكشفه الصفحات. إنها خلاصة عمر يسلم في لحظة، واعتراف يسبق الغياب. لا بلاغة هنا، ولا حاجة إليها؛ فالصدق حين يبلغ هذا الحد، يغني عن كل زخرف.
ثم تعود اللغة، لا لتشرح، بل لتحفظ ما تبقى:
“كان صوتها لحنا ملانكيا شجيا… وكانت روحها خفيفة كفراشة…”
فتغدو الكتابة محاولة أخيرة للإمساك بما يفلت، وجسرا دقيقا بين الذاكرة والغياب. ولا يأتي الاسم “رقية” إلا في النهاية، كأن النص كان يمهد له في القلب قبل أن يثبته في اللفظ.
وفي كلمة الشكر، يكتمل وجه آخر من وجوه هذا العمل: وجه الوفاء. فالكاتب لا يقف عند ذاته، بل يعترف بكل يد أسهمت في “ميلاد هذا الكتاب”. وهذا التعبير وحده يكشف وعيا بأن النص الحي لا يصنع في عزلة، بل يتكون في تفاعل، وينضج في المشاركة.
وفي هذا السياق، يبرز حضور الفنان محمد الزياني، حيث تتحول “الشجرة الجرداء التي سقطت أوراقها” من صورة إلى دلالة: حياة قائمة، ولكنها مكشوفة؛ صمود بلا زينة، واستمرار لا يتكئ إلا على ذاته. وهي، في عمقها، صورة تختصر العالم الذي تعدنا به “تيغيلت”.
خاتمة
بهذه العتبات، لا يكون القارئ قد دخل الكتاب فحسب، بل يكون قد تهيأ له.
فهو لم يقرأ بعد، لكنه لمس ما سيقرأه: إنسانية شفيفة، وتجربة صادقة، ونبرة تعرف كيف تصغي قبل أن تتكلم.
وإذا كانت هذه الصفحات هي البداية، فإن ما بعدها لا يمكن أن يكون إلا امتدادا لهذا الصدق؛ قصصا لا تعنى بما يحدث فقط، بل بما يتركه الحدث في النفس، ولا بما يرى، بل بما يبقى بعد أن يغيب كل شيء.
هناك، حيث يمضي السرد مطيعا لذلك النداء الأول: “فاقصص القصص”، لا بوصفه أمرا يطلق الحكاية فحسب، بل تكليفا يثقلها بالمعنى، سنكتشف أن “تيغيلت” لا تروي لتملأ الوقت، بل لتوقظ ما سكن فينا طويلا.
