منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“على عتبة الفراق الأخير….”(خاطرة)

أسماء العلمي

“على عتبة الفراق الأخير….”(خاطرة)

بقلم: أسماء العلمي

اليوم، وبعد كل هذه السنوات، أقف على عتبة البيت الذي كان ولا يزال بيت أحلامي وسعادتي. دخلت إلى هذا البيت فتاة صغيرة، غريبة، وخائفة، لا أعرف أحدا غير أمي التي أنجبتني. تعرفت فيه على أناس غرباء، ومن هنا بدأت فصلا جديدا في حياتي، فأصبحت ابنة لهذا البيت، وأصبح غرباؤه أحبتي وعائلتي، وتحولت فيه مشاعر الغربة والخوف إلى مشاعر الألفة والطمأنينة.

شهد هذا البيت كل مراحل نموي، منذ نعومة أظافري إلى أن أصبحت شابة يافعة، تعلمت فيه الكثير والكثير من المحبة والعطاء، تعلمت فيه معنى الحب دون أي مقابل أو شروط، والصداقة الحقيقية التي تبنى على الصدق وحب الخير للغير، والقناعة التي تصنع من القليل كثيرا، وتنبع من قلب سليم يوقن بأن الذي يرزق النعاب في عشه قادر على رزقه أيضا أينما حل وارتحل.

وقفت وسط المنزل وأنا أحمل أمتعتي، وبدأت أتأمل بعيني زوايا هذا البيت، والتي كل زاوية فيه تسرد قصة مختلفة من ذكرى مرت هنا، ذكريات تحمل في طياتها السراء والضراء. هنا، كانت تغمرني السعادة لدرجة كنت أضحك فيها من أعماق قلبي حتى تدمع عيناي، هنا في باحة هذا المنزل، تشاركنا الأحلام وكل الآلام والآمال، وفي تلك الغرفة الصغيرة بالتحديد سهرنا، تحدثنا، وشاهدنا التلفاز، وعلى عتبة البيت لعبت ومرحت مع بنات الجيران. لقد رأيت ذكرياتي كلها ككتاب مفتوح، وشاهدت طيف طفولتي يجري هنا وهناك، إلى أن أصبحت فتاة يافعة يملأ صدى ضحكاتها أرجاء المكان. كان هذا البيت ملاذا آمنا وحضننا دافئا لا يعوض، حيث لم أشعر فيه يوما بالوحدة والألم، بل كانت كل هموم الحياة تتلاشى في فضاءه. حقا، سأحن إلى كل هذه التفاصيل الصغيرة والمؤثرة والأوقات الخالدة التي مررت بها هنا.

والآن حان وقت الرحيل، لأحمل حقائبي طواعية من أجل إكمال دراستي وتحقيق حلمي، سأذهب وأنا أحمل معي كنز الذكريات الجميلة في هذا البيت البسيط وأهله. أشعر بأنني سأترك ورائي قطعة من روحي، وستظل ذكرياته راسخة في مخيلتي وفؤادي كالنقش على الحجر، لم أكن أدرك عمق حبي له إلا حين آن وقت فراقه. ها أنا الآن أخطو الخطوة الأخيرة بكل حزن، أخرجت آخر حقيبة لي خارجًا، فأحسست بالكمد يثقل أنفاسي، وتسارعت دقات قلبي، وشعور قاسٍ يحطم فؤادي، لتتدفق بعدها دموع ساخنة على خدي تعبر عن لوعة فراق قاسية وكأن الحياة توقفت في هذا المكان..

لكن في لحظة الوداع هذه، تسائلت! كيف كان شعور أولئك الذي اضطروا لترك أوطانهم سواء هجرة شرعية أو غير شرعية من أجل تأمين لقمة العيش، وإنقاذ عائلاتهم وأبنائهم من الفقر المدقع، أولئك الذين غادروا بيوتهم وأهاليهم ليس باختيارهم، بل رغما عنهم ليبدؤا حياة مختلفة في بلد الغربة بعيدا عن من يحبون.

وماذا عن أولئك الذين هجروا قسرا بسبب الحرب، فشردت عائلاتهم ودمرت بيوتهم، وتمزقت أحلامهم في دخان الحروب، ففروا تاركين وراءهم ذكريات العمر كامله، فقط من أجل النجاة بأرواحهم من الموت الذي سيحصد أرواحهم، مثلما يفعل إخواننا في غزة العزة، والسودان وغيرهم الذين يعانون في صمت بكل مرارة وألم.

فرغم الألم المثقل على قلبي، إلا أنني الآن أصبحت أتفهم شعور كل شخص يقف على عتبة فراق بيته أو مدينته أو حدود وطنه، إن الفراق والمنفى يتخذان ألوانا وأشكالا مختلفة تختلف في مدى شدتها ووقعها على الإنسان، فليس من غادر منزله طواعية من أجل بناء مستقبله، كمن اضطر للرحيل عنوة أو أجبر بسبب ظروفه إما هروبا من الحرب أو سعيا للرزق. جميعنا نحمل أوطاننا في قلوبنا الصغيرة، ونعيش على أمل العودة إليها واللقاء يوما ما بمن نحب.

التعليقات مغلقة.